عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 04-10-2020, 06:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,662
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأدب العربي في السنين المائة الأخيرة

الأدب العربي في السنين المائة الأخيرة


محمود تيمور


(5) ترجمة الأدب القصصي:

وقد نبتَتْ أثناءَ هذا العهد نابتةٌ من المثقَّفين ثقافةً أجنبيَّة، اطَّلعوا على ضروب من آداب الغرب، وكثيرٌ من هؤلاء ينتَسِبُون إلى تلك الرقعة العربية الواسعة التي كانت تسمى "الشام"، حاويةً فلسطين وسورية ولبنان، فعكفوا على الترجمة، وقربوا إلى العربية جملة من الأدب القصصي ومن أدب المسرح، فلقي هذا اللون الجديد حفاوةً وقبولاً عند القراء العرب، وتهافتوا عليه يطلبون منه المزيد، وهكذا أخذت ترجمة الأدب تقوى وتزدهر، وتحتل في عالم الصحافة وفي عالم النشر أعز مكان.


وقد بلغ من كثرة الترجمات في تلك الحقبة وما تلاها أن إحدى دور الكتب العامة في الشرق استطاعت إحصاء عشرة آلاف قصة بين طويلة وقصيرة تُرجمت إلى العربية قبل الحرب العالمية الأخيرة!.


وليس من عجبٍ أن تلقى القصة بمنهجها الغربي هذه الحظوة من نفس القارئ العربي، وأن يتزاحم عليها ليروي بها ظمأه إلى الأدب الفني؛ فإن الشعب العربي شعب قصاص بطبعه، والقصة عريقة في أدبه، تسري في روحه، وله منها وراثات قديمة مختلفة المنابع، وحسبك أنه ذلك الشعب الذي اتخذ في شتى عصوره السوالف من القرآن مثله الأعلى، وهو أحفل مصدر للقصص التاريخي الرفيع، وحسبك أيضًا أنه ذلك الشعب الذي تمخضت موهبته الفنية عن حشد زاخر من الأسمار والنوادر والأساطير، انتهت به إلى ذلك اللون من القصص الشعبي الذي عرفه العالم أجمع، وخاصة ألمع جوهرة فيه، وهي حديث "شهر زاد" في "ألف ليلة وليلة".


وفي هذه الحقبة تُرجمت آثارٌ قصصية تتفاوت قيمها الفنية؛ فكان منها الأصيل، وكان منها الهزيل، وكذلك تعددت مصادر هذه الآثار المترجمة؛ فكان منها الإنجليزي وكان منها الفرنسي، على أن المترجمات عن الفرنسية كانت هي الكثرة الغالبة.


وقد عرف القارئ العربي بفضل هذه الترجمات أعلام الأدب الأوربي؛ أمثال: "شكسبير"، و"موليير"، و"راسين"، و"كورني"، و"لامارتين"، و"شاتو بوريان"، و"فكتور هوجو"، ويقدمها إليهم كتاب لامعون أمثال: "نجيب الحداد"، و"فرج أنطون"، و"خليل مطران"، و"حافظ إبراهيم"، و"أحمد زكي"، و"محمد عوض محمد".


(6) نشأة الرواية التاريخية في الأدب العربي وتطورها:

ولم تلبث الأنماط القصصيَّة الأوروبيَّة أن أثَّرت في واعية الكاتب العربي، فهفت نفسه إلى محاكاتها، ومواتاة لُغَتِه القوميَّة بِمثالها؛ فكانت أولى مُحاولات المُحاكاة الناجحة متَّصلة بِمَيدان الرواية التاريخية؛ ذلك أنَّ "جورجي زيدان" - أحد أقطاب الصحافة الأدبية في صدر النهضة - كان له فضل التنبه إلى تقديم تاريخ الإسلام في إطار روائي، يدور أكثره حول محور غرامي، وقد حرص على التزام ما سجله التاريخ من وقائع وأحداث ربط بينها بخيوط قصصية، يتجاذبها أبطال من عالم الحقيقة أو من وادي الخيال، ولا ريب في أن هذا الإطار الروائي عليه مسحة من القصة في مدلولها الحديث، بما تقوم عليه من عناصر الحادثة والعقدة والنهاية، وما يتصل بهذه العناصر من تدبير المفاجآت وبث روح التفكيه والتشويق.


ولكن هذه الروايات مع ذلك من الناحية الفنية البحتة، ومراعاة المستوى القصصي الرفيع - تعتبر مرحلة أولية للقصة التاريخية في الأدب العربي، وهذه المرحلة هي التي مهدت الطريق من بعد لطائفه من الكتاب والأدباء، تناولوا أحداث التاريخ وشخصياته على أسس فنية من التحليل النفسي والتفسير الاجتماعي، ومن استبطان ما وراء الظاهر من الوقائع والأحداث، ويحضرني في هذا المقام ما قدمه "إبراهيم رمزي" في "باب القمر" و"الحاكم بأمر الله"، وما قدمه الأستاذ "محمد فريد أبو حديد" من قصص شتى مستقاة من تاريخ العرب قبل الإسلام، وما قدمه "الدكتور طه حسين" في كتابه "على هامش السيرة"، وكتابه "الوعد الحق"، وأسمح لنفسي بأن أشير إلى بعض محاولات لي، تناولتُ فيها بالمعالجة والتحليل حياة "الحجاج" أشهر الحكام في عصر "بني أمية"، وحياة "عبدالرحمن الداخل" الملقب "بصقر قريش"، وهو أحد الذين أقاموا دولة في بلاد "الأندلس"، التي أطلق عليها فيما بعد اسم "الفردوس المفقود".


وأهم ما في هذه المسرحيات التاريخية أنها نحت منحى الاستلهام النفسي، والتعليل الاجتماعي، والكشف عن حقيقة البطولة الإنسانية في موطن ضعفها وفي ذروة قوتها.


(7) الرومانسية في الأدب العربي الحديث:

ولقد كانت هذه السنوات التي قوي فيها تعرف الأدب العربي إلى القصص الغربي امتدادًا لعهود سياسية من الضغط والاضطهاد، عانت فيها الأمة مرارة التحكم الأجنبي؛ فسادت موجة من المشاعر الحزينة تعبر عن المسكنة والانكسار، وأنست النفوس إلى الاسترسال في الحديث عن مآسي الحب والفقر والعادات، وآثار التخلف الاجتماعي؛ فانعكس هذا كله على الكاتب القصاص والمترجم القصصي جميعًا، ومن ثم رأينا القصة تأليفًا وترجمةً تنساق في هذا التيار، ورأينا الكتب تتودد إلى الأسماع بأمثال هذه العنوانات الشاجية: "اليتامى"، و"البؤساء"، و"المساكين"، و"العبرات"، و"الذبائح"، و"الضحايا"، و"الأبرياء"، و"رسائل الأحزان"، و"آلام فرتر"، و"الأجنحة المتكسرة".


وكذلك كان من همِّ الكاتب أو المترجم إيثار القصص ذوات الخواتيم الفاجعة المثيرة، تلك القصص الحافلة بالأشجان الجسام، فيها تنصب ألوان النحس والبؤس على رؤوس الأبطال؛ فيسقطون في ميدان الكفاح مضرجين بدمائهم تحت مطارق الظلم والعنت، تحف بهم عواطف الإشفاق والرثاء!


وقد نبغ في تلك السنوات أديبٌ فصيح الأسلوب، ناعم العبارة، يُحسن تصوير الشعور الحزين؛ ذلك هو "المنفلوطي"، فألف بعض القصص على هذا الطراز، وصقل بأسلوبه المتين قصصًا مترجمة؛ فكانت هذه وتلك ألحانًا طربت لها الأسماع، ومالت إليها النفوس، وظلت أهازيج رائعة ترنم بها الجيل الماضي، ووجد فيها شفاء لروحه المكلومة وقلبه المكروب، واليقين أن "المنفلوطي" كان يعرف ذلك من شأنه؛ إذ قال في مقدمة "عبراته": "الأشقياء في الدنيا كثر، وليس في استطاعة بائس مثلي أن يمحو كثيرًا من بؤسهم وشقائهم؛ فلا أقل من أن أسكب بين أيديهم هذه العبرات؛ لعلهم يجدون فيها تعزيةً وسلوى".


ولا مندوحة لنا من الجهر بأن هذه الآلام والمآسي والفواجع التي دار حولها يومئذٍ الأدب عامةً، والأدب القصصي خاصةً - تشيع فيها السطحية والعمومية، ولا تتناول من النفس دقائقها الخافية وأسرارها الدفينة، وطريقة العرض فيها لم يكن لها من قوة الأداء ومنطق التعليل ما يرفع مستواها الفني، وما يمنحها نفحة الخلود.


في تلك الفترة علا صوت التعبير الذاتي والخوالج الشخصية، وتزاحمت أنغام الشكوى والأنين، مناجاة الأطياف، والإيغال في وصف العاطفة، والجنوح إلى لون من الروحانية والتصوف، وإطلاق العنان للأخيلة والأوهام، وأذكرُ أنه كان ثمة موضوع لا يكاد يسلم من الكتابة فيه أديب، ولا من التغني به مطرب؛ ذلك الموضوع هو نداء الليل ومسامرته، وبثه ما في الصدر من وجد ولوعة وحنين!.


وفي مستطاعنا أن نتبين في الأدب في تلك الفترة سمات "الرومانسية"، مع اختلاف دوافع توافرها في الأدب العربي يومئذٍ ودوافع توافرها في العصر الرومانسي للأدب الأوربي؛ فإن عصر الرومانسية في أدب الغرب مرجعه إلى انتقال المجتمع الأوربي من عصر الأرستقراطية والإقطاع إلى عصر الطبقة الميسورة أو الطبقة الوسطى "البرجوازية"، واستقبال عهد الآلة التي تطورت بها أوضاع الاجتماع والاقتصاد، وهان بها شأن الفرد في العمل الفني؛ فضاق الفنان بالقوالب الآلية التي غزت عصره، ورأى نفسه قد غدا قالبًا مثلها، تحكمه حياة معقدة، لا شخصية له فيها ولا كيان؛ فتطلَّع إلى تعبير تعتز به الفردية، ومن ثم تجلى في الأدب الرومانسي الاعتداد بالعاطفة والإحساس والخيال، والانتقاض على أوضاع المجتمع، ومناصرة الفكر الحر، والاتجاه إلى عبادة الطبيعة وما فيها من جمال، هربًا من وطأة الحياة المادية وسلطان "الآلة"، ومن القيود في الشكل، ودعمًا للشخصية المستقلة، واستنقاذًا للفردية الضائعة.


أمَّا سمات "الرومانسيَّة" في الأدب العربي إذ ذاك؛ فقد كان الدافع إليها ما ضاق به المجتمع العربي من كبت وحرمان وضغط سياسي وركود اجتماعي، وضعف في المستوى العلمي والاقتصادي؛ فَتَاقَتِ النفوس إلى تنفيسٍ وترفيه، بالاسترسال في متع الخيال، والهيمان مع العواطف الملتهبة، فرارًا من جفاف الواقع وجموده، وأنسًا برحيق الأوهام في كئوس من ذهب وهاج.


وعلى الرغم من اختلاف الدوافع بين نشوء المذهب الرومانسي في الأدب الأوربي القديم ونظيره في الأدب العربي الحديث - نجد المشابهات بينهما واضحة كل الوضوح في المظاهر والنتائج؛ فكلاهما يقوم على العاطفة والخيال، وكلاهما يؤثر انطلاق الفكر وحرية التعبير، وكلاهما ينشد تقويم الذاتية الضائعة، واستنقاذ الشخصية مما يحيط بها من قيود وأغلال.


(8) أدب المهجر:

وبينما الأدب العربي في الشرق يومئذٍ يستغرق في رومانسيته؛ إذ هبَّت عليه نفحات أدب عربي رومانسي أيضًا من وراء المحيط، حيث الدنيا الجديدة، فقد كان هناك في "أمريكا" مهجر لجماعات عربية من "لبنان" و"سورية"؛ فنشأ منهم أدباء تأثروا بالحياة الغربية وآدابها، واعتملت في نفوسهم مشاعر الغربة والحنين إلى الأوطان؛ فأفاضوا في التعبير عن نزعاتهم في منحى أوفر حرية وأبعد انطلاقًا، حتى إنهم في أساليبهم لم يبالوا ما تواضع عليه علماء العربية وأدباؤها من الأصول والقواعد كل المبالاة!


وكان في الأدب المهجري فن شعري يجري في الجملة من حيث الشكل على أوزان الشعر العربي وقوافيه، وأما من حيث الموضوع؛ فقد كان يحفل بالطريف المستحدَث من المعاني والأغراض.
على أن تلك النابتة الجديدة من أدباء المهجر قد ابتدعت ما سميناه "الشعر المنثور"، وهو محاولة لسياقة المعاني الشعرية على نمط جديد، يختلف عن القصيدة العربية الاتباعية الكلاسيكية في ناحيتين: الأولى التحرر من الوزن والقافية، والأخرى وحدة الموضوع وتسلسل فكراته تسلسلاً نفسيًّا متدامجًا لا افتعال فيه ولا استطراد.


وقد تميز الأدب المهجري بالجدة والطرافة، وبرهافة الحس ورقة الشعور، وبالسلامة والعذوبة، وكان في جملته: دمًا جديدًا اغتذى به الأدب العربي، وجرى في شرايينه، فأورثه الحيوية والحرارة والانتعاش، ولا ينسى تاريخ الأدب الحديث أعلام الأدباء المهجرين، وفي مقدمتهم "جبران"، و"الريحاني"، و"نعيمة"، و"إيليا أبو ماضي".


(9) تجديد الشعر العربي:

وكان الشعر العربي وقتئذ قد استقبل عهدًا جديدًا من الازدهار أسلمته إليه وثبته "البارودي"، الذي يعتبر مجدد الشعر في مطلع العصر الحديث.
وإذا كان "البارودي" قد انحصر تجديده في جانب قوة النسج، وفصاحة اللفظ، وفحولة التعبير، محاكاةً لأعلام الشعراء في العصور العربية الزاهية - فإن الشعراء الذين قفوا على أثره قد استفادوا أيما استفادة من الرقي العلمي والعقلي والاجتماعي في عصرهم الحديث؛ فأصبح التجديد في شعرهم شاملاً للموضوعات؛ إذ تناولوا إحداث السياسة، وعبروا عن الحركات القومية، ونددوا بما كان شائعًا من الظلم والاستعباد، وبما كان فاشيًا من المساوئ الأخلاقية والاجتماعية، وذلك كله إلى جانب تعبيرهم الفني عن إحساسهم نحو جمال الطبيعة ومحاسن الكون، وعن خوالجهم النفسية التي يستجيبون فيها للحياة، ويعالجون مشكلات المجتمع البشرى، ويهيمون في سرائر الوجود.


ونحن حين نذكر "شوقي"، و"حافظ"، و"مطران"، و"صبري"، و"بشارة الخوري"، و"الزهاوي"، و"معروف الرصافي"، و"عبد الرحمن شكري"، و"العقاد"، و"المازني"، وأضرابهم، لا ننسى أنهم صفوة من الشعراء أُتيحت لهم ألوان ثقافة متشعبة، بفضل ما قرؤوا في العربية من تراث الأدب العربي، ومما تُرجم من نتاج الفكر الأوربي، ومنهم من قرأ في غير العربية ذلك النتاج الفكري؛ فارتفع بذلك مستواهم العقلي، ونضجت أذواقهم الأدبية، وظهر أثر هذا النضج والسمو فيما طرقوا من موضوعات، وما سبحوا فيه من أخيلة، وما نظموا من قصيد.


كثر في هذا الشعر التغني بالأخلاق، وبالمثل العليا، والإشادة بأمجاد الماضي، سواء أكانت من جانب العرب، أم من جانب الفراعنة، كما قوي التمجيد للحرية، وتقديس الفداء، والإعزاز لمواقف البطولة الوطنية والجهاد من أجل العقيدة والرأي، وبذلك صارت دواوين أولئك الشعراء مرآة ينعكس عليها في جلاء ما اضطرم في الوطن العربي من كفاح قومي، ونشاط فكري، وأمانٍ وطنية، ومن مُثُلٍ سَمَتْ إليها الأفكار في هذا العصر الحديث.


ولا يمكن القول بأنَّ الشعر العربي في جملته قدِ استمدَّ في تجديده في تلك الحقبة من الشعر الأوربي شيئًا يذكر، وإن كان الشعراء قدِ استفادوا على وجه عام ثقافة العصر الحديث، ولعلَّذلك لأنَّ الأُمَّة العربية التي رحبت كل الترحيب بترجمة ألوان شتى من أدب الغرب ونتاجه الفكري، لم ترحب كثيرًا بترجمة الشعر الغربي، وإذا حاولنا أن نتعرَّف السِّرَّ في ذلك وجدناه في ناحيتين؛ الأولى: صعوبة ترجمة الشعر من لغة إلى لغة؛ فالقصائد تفقد في اللغة المترجمة إليها إيقاعها وموسيقاها، وما يكمن فيها من خصائص التعبير وإيحاءاته، والجمال الفني في الشعر مرجعه إلى الإيقاع والموسيقى وخصائص التعبير والإيحاء.


والناحية الأخرى للعزوف عن ترجمة الشعر الأوربي إلى اللغة العربية: أن الشعر العربي عريقٌ في تقاليده وسماته، وأنه أصيلٌ في تناوله للمشاعر والخلجات على أوسع نطاق، وأن لغته قوية متقنة، فيها الرقيق الرهيف، وفيها الجَزْل المتين، وأنَّ الشعراء العرب على تعاقب العصور قد مرنوا على الأداء الشعري وبرعوا فيه، وأنهم قد تفننوا في موضوعاته، فلم يدعوا وصف الطبيعة ولا الانطلاق مع أهواء النفس، ولا تلبس مظاهر الجمال في المعاني والصور، ولا التعمق في فلسفة الحياة، ولا تصيد أسرار الحكمة، ولا تمثيل الغرائز والأخلاق، ولا الكشف عن تجارب البشرية.


ولذلك لم تكن للشعر الأوربي سوق رائجة عند القارئ العربي؛ بل إنه لم يكن لشعر غير عربي أية حظوة عنده، إلا ما كان لتلك المقطعات التي سميت "رباعيات الخيام"، وربما كانت العلة في حظوتها أن روحها قريبٌ من الروح الشرقية التي يتسم بها أدب العرب، أو أن ترجمة هذه الرباعيات شعرًا كانت أقرب إلى التأليف منها إلى الترجمة من اللسان العربي.


ويظهرُ أنَّ اعتزاز الأمة العربية بمجد الشعر العربي هو الذي قضى حتى الآن على مختلف المحاولات التي أُريدَ بها مُجانبة الأوضاع والأشكال المتوارثة للشعر العربي، ومما لا شك فيه أن القارئ العربي لم يأنس بتحرير الشعر من الوزن والقافية، ولم يرحب كذلك بالشعر المنثور أو بالشعر المرسل، وربما كان ذلك لأن أوزان الشعر وقوافيه لم تكن في أول نشوئها وليدة صنعة أو زخرف اتخذه الأدباء في عصور المحسنات البيانية والتزاويق اللفظية؛ بل كانت هذه الأوزان والقوافي في قصائد الشعر العربي وليدة الفطرة الإنسانية في مناجاة النفس على رحاب الصحراء الطليقة، وتحت سمائها الدائمة الصحو والإشراق، ولذلك وجد فيها القارئ العربي – من بعد – استجابةً لما تهفو إليه نفسه من إيقاع موسيقى ينسجم مع العاطفة والوجدان، ومن ثم استمسك بهذه الأوضاع الشعرية؛ لأنه استطاع بما فيها من مقاطع أن يلحن تلك الجمل التي تصور العواطف والنزعات والأحاسيس، فكأن هذا الشعر العربي يجعل من كل قارئ مرتل له موسيقيًّا بلا أداة؛ إذ يجد في أوتار الأوزان والقوافي والمقاطع رنين الأنغام وإيقاع الألحان التي تهز نفسه فتحرك ما يكمن فيها من شجو، وتواتيها بما تهفو إليه من طرب.


وليس معنى هذا أن نغض من شأن التجديد الذي لحق الشعر العربي الحديث؛ فقد تناول من الأنواع الأدبية ما لم يكن يتناول من قبل، وقد اتصل بمختلف المذاهب الفنية عن قرب أو عن بعد، وبذلك يمكن القول بأن الاتجاهات الفكرية والثقافية والأدبية التي تأثر بها الجيل الحديث من جانب الغرب قد كان لها صدى ودوي في تطوير الشعر العربي، وقد ظهرت آثارها في نتائج الشعراء.


ويكفي أن نشير إلى أن "شوقي" شاعر العصر الحديث قد أنشأ المسرحية الشعرية الراقية في ديوان الشعر العربي؛ إذ أخرج "عنترة"، و"مجنون ليلى"، و"قمبيز"، و"مصرع كيلوبترة"، و"علي بك الكبير" وغيرها، وهي مسرحيات تجمع إلى مهارة النظم، وروعة الأخيلة الشعرية، وتنويع الأوزان والقوافي بحسب المعاني والمواقف - حبكةً فنيةً لها قيمتها، وحوارًا روائيًّا خلابًا، إلى جانب قدرة الشاعر على تمثيل المواقف التاريخية، وتصوير الشخصيات على نحو مقبول، وتعليل التصرفات والأحداث تعليلاً لا يخلو من سلامة المنطق وموافقة الطبع البشري.


وعلى الرغم من أن هذه المسرحيات كانت فتحًا جديدًا في الشعر المسرحي، وشقًّا لأُفْقِه في الأدب العربي - فإن تلك البواكير توافر لها الحظ من النضج والإيناع، و"شوقي" هو الذي مهد الطريق للشعراء من بعده كي يتابعوا إثراء الشعر العربي بذلك اللون من المسرحيات الشعرية، وقد تفوق من بينهم الشاعر "عزيز أباظة"، الذي اتخذ نهج "شوقي" إمامًا له؛ فأخرج "قيس لبنى"، و"العباسة"، و"الناصر"، و"شجرة الدر"، وغيرها من روائع المسرحيات التي عقدت له لواء الإمارة الشعرية في هذا الميدان.


وكان من ظواهر التجديد في الشعر: محاولة تطويع القصيدة العربية للتعبير الإيحائي وفق مذهب الرمزية في الأدب الفني، ويتميز هذا اللون من الشعر بدقة الفكر، وعمق التأمل، والتمرد على الظاهر من الأوصاف، والمطروق من المعاني، والمبذول من الأغراض؛ ففي هذه القصائد الرمزية تصيد للباطن مما يعتمل في النفس، وما يكمن وراء الحسِّ؛ حيث تتشابك الانطباعات وتتداخل، وأداء ذلك أداء رمزيًّا دون تصريح، وذلك بالجنوح إلى الأطياف والظلال، والاعتماد على النغم الشعري الرفاف، ويعتبر الدكتور "بشر فارس" بين مَنْ مارسوا هذا اللون أكثرهم فهمًا له، وإيمانًا له، وتمجيدًا لمنزلته بين مذاهب التعبير الشعري.


وللموضوع تتمة

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.01%)]