وعلى الداعي أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أول الدعاة إلى الإسلام وأول من تحمل في سبيل الدعوة المشاق؛ فقد دعا قومه والناس جميعًا إلى توحيد الله عز وجل والالتزام بتكاليف الإسلام من حلال وحرام وجهاد في سبيل إقامة الدين، وتعبيد الناس لله الواحد القهار؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَئَابِ ﴾ [38]، هذا والدعوة إلى الله تعالى فريضة على كل مسلم ومسلمة كل حسب علمه واستطاعته؛ جاء في كتاب أصول الدعوة: "إن المكلف بالدعوة إلى الله هو كل مسلم ومسلمة لأن الأمة الإسلامية تتكون منهم، فكل بالغ عاقل من الأمة الإسلامية- وهي المكلفة بالدعوة إلى الله- مكلف بهذا الواجب، ذكرًا كان أو أنثى، فلا يختص العلماء أو كما يسميهم البعض: رجال الدين، بأصل هذا الواجب، لأنه واجب على الجميع، وإنما يختصون بتبليغ تفاصيله وأحكامه ومعانيه نظرًا لسعة علمهم به ومعرفتهم بجزئياته، ويزيد الأمر وضوحًا - وهو أن المكلف بالدعوة إلى الله هو كل مسلم ومسلمة - قول ربنا جل جلاله: ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ [39]، فاتباع الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمنون به يدعون إلى الله على بصيرة- أي علم ويقين- ومعنى ذلك أن من اللوازم الضرورية لإيمان المسلم أن يدعو إلى الله، فإذا تخلف عن الدعوة دل تخلفه هذا على وجود نقص أو خلل في إيمانه يجب تداركه بالقيام بهذا الواجب) [40].
وعلى الداعي أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في حكمته، ومراعاته أحوال المدعوين؛ ومن أمثلة ذلك: أنه كان ينصح بما يطاق، أي بما يطيقه السائل ويستطيع المداومة عليه؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام ينصح حسب حال المدعوين وما يحتمله من وصايا وتكاليف. فقد جاءه رجل من أهل نجد، ثائر الرأس، يُسمع دوى صوته، ولا يُفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل على غيرها؟ قال لا إلا أن تطوع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وصيام رمضان. قال: هل على غيره؟ قال: لا إلا أن تطوع. وذكر له الرسول صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل على غيرها؟ قال لا إلا أن تطوع، فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق) [41].
وفي الشرح: قوله (ثائر الرأس): إشارة إلى قرب عهده بالوفادة، وإن هذا الرجل كان وافد قومه جاء ليتعلم ويعلمهم[42].. وعلى هذا فقد راعى النبي صلى الله عليه وسلم حالة السفر ومشقته فلم يثقل عليه في الجواب ولا في ذكر التكاليف، ثم إنه كان وافد قومه، فكان عليه أن يخبره بالأهم مع مراعاة الاختصار وعدم الإطالة كي لا ينسى ولا يمل.
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة. قال من هذه؟ قالت: فلانة تذكر من صلاتها. (قال: مه، عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه) [43]؛ وفي الفتح: قوله (عليكم بما تطيقون): أي اشتغلوا من الأعمال ما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يطاق) [44]، كما كان صلى الله عليه وسلم يتألف لناس بالعطايا، وهذا من باب علمه بطبائع النفوس؛ فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعطى رهطا وسعد جالس فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا وهو أعجبهم إلى، فقلت يا رسول الله مالك عن فلان، فوالله إني لأراه مؤمنًا، فقال: أو مسلمًا، ثم غلبني ما أعلم منه فعدت لمقالتي، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلى منه خشية أن يكبه الله في النار) [45]؛ جاء في الفتح: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوسع العطاء لمن أظهر الإسلام تألفًا، فلما أعطى الرهط وهم من المؤلفة، وترك هذا الرجل وهو من المهاجرين مع أن الجميع سألوه خاطبه سعد في أمره؛ فأعلمه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان هذا الرجل مع كونه أحب إليه فيمن أعطى لأنه لو ترك إعطاء المؤلف لم يؤمن ارتداده فيكون من أهل النار...) [46]؛ فكان صلى الله عليه وسلم طبيب النفوس وكان حريصًا على هداية الناس وإنقاذهم من النار، كما كان رفيقًا حليمًا، بعيد النظر وهكذا يجب على الداعي أن يتحلى بهذه الأخلاق العالية.
وكان من حكمته ورحمته صلى الله عليه وسلم ومعرفته بأحوال الناس، أنه كان يأتيه الرجل فيقول له أوصني، وكان عليه الصلاة والسلام يقدم له الوصية التي تنفعه وتصلحه بعبارات موجزة، وهكذا يكون النصح؛ فقد جاءه رجل وقال له يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك (أو أحدًا غيرك) قال: قل آمنت بالله ثم استقم) [47]. وقدم إليه رجل فقال يا رسول الله. "إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به: قال: "لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله) [48]، وأتاه صلى الله عليه وسلم رجل فقال: أوصني، فقال: لا تغضب، فردد الرجل مرارًا، فلكم يزد عليه الصلاة والسلام على قوله: "لا تغضب"[49].
ومن هنا يتبين للداعي كيف يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته، فيكون حليمًا، رقيقًا، واسع الصدر، مراعيًا أحوال السائلين، ولهذا اجتمع الناس حوله، ودخلوا في دين الله أفواجًا؛ قال تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ ﴾ [50]
ومن الصفات التي يجب أن يتصف بها الداعي والتي جاء ذكرها في مطلع السورة الكريمة ما يلي:
1- تقوى الله عز وجل.
2- طاعة الله والرسول.
3- الإيمان بالله عز وجل.
4- الخشية من الله تعالى والوقوف عند أوامره، والوجل عند ذكره.
5- التدبر في كتاب الله عز وجل والاستماع إليه استماع تعقل وتفهم وتدبر حتى تتحقق زيادة الإيمان.
6- التوكل على الله عز وجل.
7- إقامة الصلاة والمحافظة عليها والمداومة على أدائها.
8- الإنفاق من رزق الله.
وعلى الداعي أن يدعو الناس إلى ما سبق، وأن يجعل هذه الأمور موضوع دعوته، على أن يكون مثلًا وقدوة طيبة، فيكون مؤتمرًا قبل أن يكون آمرًا، ومنتهيًا قبل أن يكون ناهيًا، كي يوافق قوله فعله.
ما يتعلق بالمدعوين[51]:
جاء ذكر صنفين من المدعوين وهم:
1- المؤمنون حقًا: وهم المتصفون بالصفات الآتية:
• الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم.
• وإذا تليت عليهم آيته زادتهم إيمانًا.
• وعلى ربهم يتوكلون.
• الذين يقيمون الصلاة.
• ومما رزقناهم ينفقون.
ثم جاء الثناء عليهم وبيان جزائهم:
• أولئك هم المؤمنون حقًا.
• لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم.
ولا شك أن هذا الصنف من المؤمنين الذين وصفوا بهذه الصفات وهم الصحابة رضي الله عنهم قد دعوا بالحكمة، فإنهم سرعان ما استجابوا، بل إنهم كانوا في انتظار أوامر الله تعالى ليعلنوا استجابتهم وطاعتهم لله وللرسول.
2- الكفار: الذين وصفوا وشبهوا بشر الدواب التي لا تعقل ما تسمع، وهم كفار مكة الذين جاءوا للحرب المسلمين.. وهؤلاء - وأمثالهم- معاندون، رافضون للدعوة فهؤلاء يدعون بالموعظة ثم يجادلون ثم حين الإعراض يكون الجلاد. فإن كفار مكة لما أصروا على كفرهم، وجاءوا لحرب المسلمين في وطنهم الجديد يريدون القضاء على الدعوة وعلى رسولها واتباعها لم يكن أمام المسلمين إلا القتال دفاعًا عن الدعوة وعن رسولها، وقد تقرر بذلك القتال وسيلة جديدة للدفاع عن الدعوة.
[1] مختار الصحاح.
[2] سورة الإسراء (57).
[3] الدعوة الإسلامية د. محمد يوسف حمودة، ط1، 1993م، ص 77.
[4] سورة النساء (65).
[5] انظر (مراعاة أحوال المخاطبين)، د. فضل الهي، دار ابن حزم، بيروت، 2000م، ط1، ص58.
[6] الإمام مسلم هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري أبو الحسين ولد بنيسابور س 204هـ، رحل إلى الحجاز، وشد الرحال إلى مصر، وذهب إلى خراسان، والرى والعراق، لازم البخاري، اجمع العلماء على إمامته، توفى بنيسابور سنة 261هـ.
[7] صحيح مسلم، ج1، ص 268، ط دار الشعب.
[8] المرجع السابق، ص269.
[9] عبد الله بن مسعود، يكنى أبا عبد الرحمن أسلم قبل دخول الرسول صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، كان سادساً في الإسلام، شهد بدراً والمشاهد كها، وكان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم في هديه وسمته وولى قضاء الكوفة وبيت المال لعمر وصدراً من خلافة عثمان، مات بالمدينة سنة 32 هـ ودفن بالبقيع.
[10] صحيح مسلم، ج1، ص 270.
[11] الإمام النووي: هو يحيى بن شرف بن مرى حسن بن حسين بن حزام النووي الشافعي، ولد سنة 631هـ في قرية نوى من قرى حوران بالقرب من دمشق وقد ولى مشيخة دار الحديث الأشرفية ولم يتناول من مرتبها درهما، مات في 24 رجب سنة 676 هـ، ودفن بقريته نوى.
[12] صحيح مسلم- شرح النووي، ج1، ص272.
[13] دراسات في تفسير سورة الأنعام، د. عبد العزيز عزت عبد الحكيم، كلية أصول الدين القاهرة، ط1، 1995، ص21.
[14] هو عبادة بن الصامت بن قيس بن حزم فهر بن ثعلبه بن غنم الخزرجي، كان من الأنصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى، وكان أيضاً من النقباء الذين حضروا البيعة الثانية، رضي الله عنه.
[15] صحيح مسلم، المجلد الرابع، ص 506.
[16] سورة طه (43، 44).
[17] سورة فصلت (33).
[18] سورة النساء (63).
[19] سورة إبراهيم (24، 25).
[20] فتح الباري، ج10، ص368 (كتاب الأدب باب طيب الكلام).
[21] سورة التوبة (73).
[22] سورة إبراهيم (4).
[23] وهو ما يسمى الآن بلغة "الخطاب الديني" أو الخطاب الدعوي" أو "لسان الحال" أو "لغة العصر"، أما لغة التخاطب فالمراد اللغة العربية أو الأجنبية؟.
[24] سورة الأحزاب (70).
[25] تفسير القرطبي، ج8، ص 5335.
[26] سورة القمر (5).
[27] أصول الدعوة. د. عبد الكريم زيدان، ص474 وراجع "وسيلة القول" في المطلب الثاني، المبحث الأول، الفصل الأول، من هذا الباب.
[28] كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما كان البعض ممن خرجوا معه كارهين للقتال؛ فقد عرض عليهم الأمر قائلاً: ما ترون في قتال القوم؟ فتكلم المهاجرون ثم الأنصار، وانظر السيرة النبوية لابن هشام، ج2، ص 188.
[29] سورة الأنعام (75-79).
[30] مباحث في الدعوة أ. د. عبد الخالق إبراهيم إسماعيل، ص215.
[31] المرجع السابق.
[32] أساس البلاغة للزمخشري، ج1، ص 351، مادة (رغب).
[33] أصول الدعوة، د. عبد الكريم زيدان، ص 437.
[34] أساس البلاغة مادة (رهب)، ص 385.
[35] أصول الدعوة د. عبد الكريم زيدان ص437.
[36] أساس البلاغة.
[37] الدعوة الإسلامية، د. محمود يوسف حمودة، ص 286.
[38] سورة الرعد (36).
[39] سورة يوسف (108).
[40] أصول الدعوة د. عبد الكريم زيدان، ص309.
[41] فتح الباري، ج1، كتاب الإيمان باب الزكاة من الإيمان، ص 87.
[42] المرجع السابق.
[43] المرجع السابق، باب أحب الدين إلى الله أدومه، ص 83.
[44] المرجع السابق، ص84.
[45] فتح الباري، ج1، ص 68، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل.
[46] المرجع السابق.
[47] صحيح مسلم، شرح الفودي، ج1، ص 213، باب جامع أوصاف الإسلام.
[48] سنن الترمذي، باب ما جاء في فضل الذكر رقم 3375 ، ص829 وقال حسن غريب.
[49] صحيح البخاري، كتاب الآداب- باب الحذر من الغضب، رقم الحديث 6116 (انظر المختصر للزبيدي، ص5 ،4).
[50] سورة آل عمران (159).
[51] المدعو: هو الشخص المراد منه فعل الخير والاستجابة لأوامر الله - عز وجل - أو هو المأمور بالمعروف والمنهي عن المنكر- والمدعون: هم مجتمع الدعوة وانظر: الدعوة الإسلامية د. محمد يوسف حمودة، ص 330.