حقيقة ضمير الغائب في القرآن الكريم
الشيخ محمد الخضر حسين
حصر هذه الضمائر في تسعة أنواع
(النوع الأول والثاني والثالث):
تحدث المحاضر عن الضمائر التي يزعم أنها خارجة عن القاعدة النحوية، وحصرها في أنواع تسعة، فقال:
"الأول: الضمائر التي يراد بِها الذين تعوَّدوا حوار النبي - صلى الله عليه وسلم - ومجادلته، واستفتاءه في مكة والمدينة من المسلمين وغير المسلمين، الثاني: الضمائر التي يراد بها القرآن، الثالث: الضمائر التي يراد بها النبي نفسه"، ثم قال: "ويمكن التمثيل لهذه الأنواع الثلاثة بقوله تعالى في سورة هود: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} [هود: 13]، فالواو راجعة إلى المشركين من أهل مكة وهم لم يذكروا، وفاعل افترى راجع إلى النبي وهو لم يذكر، ومفعوله راجع إلى القرآن وهو لم يذكر، ومنَ النوع الأول كل الآيات والجمل التي تبتدئ بقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ}، ومن النوع الثاني قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}[7]، ومن النوع الثالث قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى}[8].
وضع المحاضر تلك القاعدة الهازلة، وعزاها إلى النحويين، ثم بَنَى عليها دعوى أن ضمائر الغيبة في القرآن ترد على خلاف القاعدة النحوية، وأخذ يسوق على هذه الدعوى من الآيات ما يخيل به إلى السامع أنَّها خارجة عن قانون علماء العربية، وإذا كنا على علم من الفرق بين وجوب عود الضمير على مذكور تقدم لفظًا ورتبة، وهو القاعدة التي يعزوها المحاضر إلى علماء النحو، وبين قولنا: "يمتنع عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة إلا ما استثني"، وهو القاعدة النحوية الصحيحة - عرفنا أنَّ هذه الآيات إنَّما هي خارجة عن القاعدة المصنوعة في مؤتمر المستشرقين؛ حيث لم تعُد فيها الضمائر على مذكور تقدم لفظًا ورتبة، وهي غير مخالفة للقاعدة الصحيحة؛ إذ لم يجئ فيها ضمير عائد على متأخر لفظًا ورتبة، وقصارى ما يقال فيها: إنها راجعة إلى ما استغني عن ذكره بما يدل عليه من قرائن في نفس اللفظ، أو أحوال أخرى تحف بمقام الخطاب، وهذا الوجه من استعمال ضمائر الغيبة قد قرره النحاة والبيانيون، ولم يروه منافيًا لقاعدة من قواعدهم في حال، فهذا ابن مالك يقول في كتاب "التسهيل": "الأصل تقديم مفسر ضمير الغائب، ولا يكون غير الأقرب إلا بدليل، وهو إما مصرح به بلفظه، أو مستغنى عنه بحضور مدلوله حسًّا أو علمًا، أو بذكر ما هو له جزء أو كل أو نظير أو مصاحب بوجه ما". وهذا ابن الحاجب يقول في "الكافية": "والمضمر ما وضع لمتكلم أو مخاطب أو غائب تقدم ذكره لفظًا أو معنى أو حكمًا"، وهذا السكاكي يقول في كتاب "المفتاح" عند البحث عن الداعي إلى أن يكون المسند إليه ضمير غيبة: "أو كان المسند إليه في ذهن السامع"، وقال العلامة السيد في شرحه مبينًا حضور المسند إليه في ذهن السامع: "وحضوره فيه إما لكونه مذكورًا لفظًا أو معنى، وإما لكونه في حكم المذكور لقرائن الأحوال لفظية كانت أو معنوية".
وقال سعد الدين التفتازاني في "الشرح المطول": وقد يكون وضع المضمر موضع المظهر لاشتهاره ووضوح أمره؛ كقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ}؛ أي القرآن، أو لأنه بلغ من عظم شأنه إلى أن صار متعلق الأذهان، نحو هو الحي الباقي، أو لادعاء أن الذهن لا يلتفت إلى غيره؛ كقوله في المطلع:
زَارَتْ عَلَيْهَا لِلظَّلامِ رِوَاقُ
وقد ساق النحاة من الآيات ومنظوم العرب ومنثورهم شواهد على أنَّ ضمير الغيبة يصحُّ عوْدُه على ما لَمْ يَتَقَدَّمْهُ في اللفظ، وإنَّما حَضَر فِي ذِهْنِ السَّامع بقرائنِ الأحوال لفظيةً كانَتْ أو معنويَّة، ومن هذه الشواهد قول الشاعر:
وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْتُ أَمْرًا أُرِيدُ الخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي
فالشاعر لم يذكر إلا الخير، وأتى بضمير المثنى راجعًا إليه وإلى الشر الذي يصاحبه في الخطور على الذهن غالبًا، ومنها قول الشاعر:
وَكُلُّ أُنَاسٍ قَارَبُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ وَنَحْنُ خَلَعْنَا قَيْدَهُ فَهْوَ سَارِبُ
فمرجع الضمير في قوله "قيده" لم يتقدم في اللفظ، وإنما علم من سياق الجملة قبله، والمراد قيد فحلنا، ومنها قول الشاعر:
فَإِنَّكَ وَالتَّأْبِينَ عُرْوَةَ بَعْدَ مَا دَعَاكَ وَأَيْدِينَا إِلَيْهِ شَوَارِعُ
لَكَالرَّجُلِ الحَادِي وَقَدْ تَلَعَ الضُّحَى وَطَيْرُ المَنَايَا فَوْقَهُنَّ أَوَاقِعُ
فالضمير في قوله: "فوقهن" يعود إلى الإبل المنبه عليها لفظ الحادي، فإن الحادي يستدعي إبلاً محدوَّة، فأغنى ذلك عن ذكرها، ومنها قول أبي كبير الهذلي:
وَلَقَدْ سَرَيْتُ عَلَى الظَّلاَمِ بِمِغْشَمٍ جَلْدٍ مِنَ الْفِتْيَانِ غَيْرِ مُثَقَّلِ
مِمَّنْ حَمَلْنَ بِهِ وَهُنَّ عَوَاقِدٌ حُبُكَ النِّطَاقِ فَشَبَّ غَيْرَ مُهَبَّلِ
فالضمير في قوله: "حملنَ" عائد إلى النساء ولم يجر لهن ذكر، ولكن المراد مفهوم من لفظ "حمل" وما وقع فيه من سياق الكلام، ومنها قول لبيد:
حَتَّى إِذَا أَلْقَتْ يَدًا فِي كَافِرٍ وَأَجَنَّ عَوْرَاتِ الثُّغُورِ ظَلاَمُهَا
فإنه أراد حتى إذا ألقت الشمس يدًا في الليل إذ غربت، ولم يجر للشمس ذكر في شعره، ومنها قول العباس بن عبدالمطلب:
مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الظِّلاَلِ وَفِي مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ
فإنه يريد من قبل الأرض؛ أي قبل وجودك فيها، ولم يجر ذكر للأرض في كلامه.
(النوع الرابع):
قال المحاضر: "الرابع: الضمائر التي تعود إلى الأفعال، وذلك حين يأمر الله بأمر أو ينهى عن شيء، ثم يريد بعد ذلك تحسين ما أمر به، أو تقبيح ما نَهى عنه، أو تأكيد الأمر والنهي، ومثال ذلك قوله تعالى في سورة البقرة: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ}[9]، وقوله تعالى في سورة المائدة: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[10]، وقوله تعالى في سورة الأنفال بعد أن بيَّن أحكام الموالاة بين المسلمين والكافرين: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}[11]، والنحويون يرجعون هذه الضمائر عادة إلى مصدر متصيد - كما يقولون – من الكلام السابق".
يريد المحاضر أن يضَعَ في أذهان المستمعين إليه أنَّ الضمائر في هذه الآيات واردة على خلاف القاعدة النحوية، وهي إنَّما تخالف المقالة التي زوَّرها عليهم في مؤتمر المستشرقين، وقد استبان لكم أن تلك المقالة لا يعرفها النحاة، والضمائر في هذه الآيات جاءت مطابقة لاستعمال عربي صحيح، وهو ما قرَّره النحاة من أن مرجع الضمير قد يكون جزءًا من مدلول كلمة تقدمته، وساقوا على هذه القاعدة شواهد من كلام العرب وأخرى من القرآن الكريم، ومن هذه الشواهد قولهم: "من كذب كان شرًّا له"، ففي "كان" ضمير يعود إلى الكذب الذي هو جزء من مدلول كذب، ومنها قول الشاعر:
إِذَا زُجِرَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِ وَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إِلَى خِلافِ
فالضمير في جرى "عائد" إلى السفه المفهوم من لفظ السفيه، ومنها قول القطامي:
هُمُ المُلُوكُ وَأَبْنَاءُ المُلُوكِ لَهُمْ وَالآخِذُونَ بِهِ وَالسَّاقَةُ الأُوَلُ
فالضمير في قوله "به" عائد إلى الملك، المستغنى عنه بذكر ما يحضره في ذهن السامع، وهو لَفْظُ المُلوك، وعلى هذا النحو من الخِطاب جاء قول الشاعر:
وَمَنْ يَكُ بَادِيًا وَيَكْنْ أَخَاهُ أَنَا الضَّحَّاكُ يَنْتَسِجُ الشِّمَالا
فإن الضمير في قوله "أخاه" عائد إلى البدو الذي هو ضد الحضر، وهو لم يذكر في النظم، إنما دل عليه قوله "باديًا".
ومن الآيات التي أوردوها مستشهدين بها على صحة هذا الاستعمال قوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}[12]، وقوله تعالى {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ}[13]، فالضمير في قوله {هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} راجع إلى البخل المستغنى عن ذكره بقوله تعالى {يَبْخَلُونَ}، فالنحاة يقررون صحة استعمال الضمير راجعًا إلى المصدر الذي يدل عليه فعل أو وصف متقدم، ويسوقون الآيات والأبيات شواهد على ما يقررونه؛ لأنهم قرروا وجوب عود الضمير على مذكور يتقدم لفظًا ورتبة، ولما اعترضتهم هذه الآيات وما يجري مجراها من الشعر أخذوا يتأولون ويتصيدون.
(النوع الخامس):
قال المحاضر: "الخامس: الضمائر المبهمة، وهذه الضمائر قسمان: أحدهما: يعود إلى متقدم ولكنه لا يطابقه، كقوله تعالى في سورة النساء: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا}[14]، فالهاء في "منه" ظاهرة في الرجوع إلى الصدقات، ولكنها لا تطابق الصدقات في الجنس ولا في العدد، ولهذا قال الزمخشري في "الكشاف": إن هذه الهاء بمعنى اسم الإشارة؛ كأنه قال: فإن طبن لكم عن شيء من ذلك نفسًا، القسم الثاني: ضمائر لا ترجع إلى متقدم، ولكن يفسرها متأخر لفظًا ورتبة، كقوله تعالى: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا}[15]".
ذكرنا في التمهيد أن بلغاء العرب لا يجمدون على رعاية الألفاظ؛ بل يوجهون عنايتهم الكبرى إلى نقش صور المعاني في أذهان المخاطبين، فتراهم ينسجون الكلام على رعاية ما سبق من الألفاظ في أغلب أحوالهم، وقد يذهبون فيه إلى ما يطابق المعنى غير مبالين بالألفاظ، حيث لا يتوقف حسن صياغة المعنى على التزام رعايتها، فإذا دلوا على المعنى بلفظ، لم يجدوا حرجًا في أن يتحدثوا عنه، كأنه ذكر بلفظ آخر مألوف الاستعمال عند تأدية هذا المعنى الذي صيغ من أجله الخطاب، وهذا مَذْهَبٌ من مذاهبِ البَيَانِ فسيح، بَسَطَهُ ابْنُ جِنِّي في كتاب "الخصائص" تحت عنوان: "فصل في الحمل على المعنى"، وقال: قد ورد في القرآن وفصيح الكلام منثورًا ومنظومًا، وقال بعد هذا: والحمل على المعنى في هذه اللغة واسع جدًّا، ومن صوره تصوير الجماعة في صورة الواحد، ومن شواهد هذا التصوير قول العرب: "هو أحسن الفتيان وأجمله"، أفردوا الضمير مع أنَّ مرجعه فيما يظهر جماعة؛ لأنَّ هذا المَوْضِع يكثر فيه استعمال الواحد، ومن شواهده قول ذي الرمة:
وَمَيَّةُ أَحْسَنُ الثَّقَلَيْنِ وَجْهًا وَسَالِفَةً وَأَحْسَنُهُ قَذَالا
فترك رعاية اللفظ المنطوق به، وبنى كلامه على لفظ آخر مما يؤلف في هذا المكان، فأفرد الضمير؛ كأنه قال أحسن مخلوق.
وفي الحديث النبوي: ((خير نساء ركبن الإبل خيار نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده))، فقد أتى بالضمير في قوله "أحناه، وأرعاه"، مفردًا ذهابًا إلى المعنى، فإن قوله ((خير نساء)) في معنى خير من وجد أو خلق، قال ابن الأثير: ومنه قولهم: "أحسن الناس وجهًا، وأحسنه خَلقًا"، وهو كثير من أفصح الكلام.
ومن هنا نعلم بوجه مُجمل أنَّ القرآن إذا استعمل لفظ الجمع للدلالة على معنى، وأتى في حديثه عن هذا المعنى بالضمير مفردًا، فإنَّما سلك منهجًا يألفه فصحاء العرب، ولا يجدون في نفوسهم حرجًا من أن يلفظوا به، ولا في آذانهم نُفُورًا من أن يستمعوا إليه.
وعلى هذا تأويل قوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا}، فإن المعنى الذي أريد بالصدقات قابلٌ لأنْ يستعمل له لفظ غير جمع وهو الصداق، أو ما أصدق، فيكون الضمير في قوله {منه} عائدًا على معنى الصدقات، باعتبار اسم آخر شأنه أن يستعمل للدلالة عليه، حتى كأنه قيل: وآتوا النساء صداقهن أو ما أصدقتموهن.
ولا يغيب عنَّا أنَّ مراعاة الألفاظ المعبر بها عن المعنى أولاً، ثم الإتيان بضمائر الغيبة على وفقها، هو الذي يجري عليه العرب في أكثر مخاطباتهم، وهو الذي يتتابعون عليه الواحد بعد الآخر، وذلك ما أخذ علماء العربية أن يجعلوا مطابقة الضمير لمرجعه قاعدة متبعة، ونعلم مع هذا أن استعمال ضمير الغيبة منظورًا فيه إلى المعنى، كأنه عبر عنه بلفظ آخر يطابقه الضمير - هو مسلكٌ عربي فصيح، وإن لم يبلغ مبلغ الوجه الأول في شيوعه بينهم، ودورانه على ألسنة عامتهم، وقلة ظهور هذا الاستعمال في خطب البلغاء وقصائدهم، ثم قلة استباق ألسنة الجمهور إليه في مخاطباتهم لا يخدش في فصاحته؛ بل لا ينزل به عن مكانة الوجه الشائع، وإنما هو وجه ينتحيه الفصحاء في مقامات لا يجدون في انتحائه ما يخل بصورة المعنى، ولا يبطئ بذهن المخاطب عن أن يدرك المراد كما يدركه عندما يؤتي بالضمير مطابقًا للفظ المنطوق به في نظم الكلام، وهو جدير بأن لا يكثر في مخاطبات العامة، وأن لا تسبق إليه ألسنتهم؛ لأنه لا يأخذ مأخذه في كل مقام، ولا يجري معه الذهن إلى الغرض أينما وقع؛ بل يحتاج إلى قوة من البلاغة يلاحظ فيه كيف يكون إرجاع الضمير إلى المعنى باعتبار اسم غير مذكور، وإرجاعه إليه باعتبار اللفظ المذكور على سواء، وسنبحث الوجه الذي حكاه المحاضر عن الزمخشري في صحيفة آتية، ونعرض عليك في تأويل هذه الآية وجهًا آخر، نراه قريبًا ولا تراه - إن شاء الله - بعيدًا.
وأما آية: {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا} التي أوردها المحاضر مثلاً لما ورد في القرآن من الضمائر المفسرة بمتأخر عنها لفظًا ورتبة، فأسلوبها عربي شائع مألوف، وقد قدمنا لك أن النحاة عندما يقررون قاعدة امتناع عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، يستثنون منها أبوابًا، ومن هذه الأبواب ما صيغت فيه هذه الآية، وهو أن يؤتى بالضمير أولاً ثم يخبر عنه بما يفسره، ويحتجون على هذا بأقوال العرب، وبهذه الآية نفسها، ومن شواهدهم عليه: "هي النفس تحمل ما حملت"، وقولهم: "هي العرب تقول ما شاءت".
(النوع السادس):
قال المحاضر: "السادس: الضمائر التي تقع في آيات التشريع؛ كقوله تعالى في سورة البقرة: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}[16]، فالألف في {يخافا} راجعة إلى الزوجين اللذين لم يذكرا، وأوضح مثال لهذا النوع آية المواريث في سورة السناء، فالضمائر التي تعود فيها إلى غير المذكور كثيرة".
الضمير في قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا} يعود إلى الزوجين المستغنى عن ذكرهما بحضورهما في أذهان المخاطبين من الحديث عن الطلاق، المعبر عنه بقوله: {أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}، والبقاء على الزواج المعبر عنه بقوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ}، والصداق المذكور في قوله: {مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ}؛ بل من الخطاب في قوله: {وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا}، وقد بسطنا لك البحث في أن إعادة الضمير على ما يستغنى عن ذكره بما يسبقه من القول - قاعدة عربية قائمة بنفسها، ولا تصطدم مع أي قاعدة ما عدا القاعدة التي صنعها المحاضر في مؤتمر المستشرقين، وأضافها إلى النُّحاة وهم لا يعلمون.
وعلى نحو آية: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} وردتِ الضمائر في آية المواريث، ولا شَيْءَ مِنْها إلا وهو راجع إلى ما استغني عن ذكره مما ينبه على مكانه ويلوح إليه.
(النوع السابع):
قال المحاضر: "السابع: الضمائر التي يفهم مرجعها من النص؛ كقوله تعالى في سورة النحل: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ}[17]، فالهاء راجعة إلى الأرض التي لم تذكر، وقوله تعالى لإبليس: {فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} [الحجر: 34]، فالهاء راجعة إلى الجنة التي لم تذكر".
يريد المحاضر أن يلقي في آذان المستمعين إليه أن هذه واردة على خلاف تلك القاعدة التي ألصقها بالنحاة، وصورها بقوله: يجب عود الضمير على مذكور يتقدمه لفظًا ورتبة، والحقيقة أن النحاة قرروا قاعدة تجري عليها هذه الآيات بسهولة ورفق، وهي صحة عود الضمير الغائب على ما يحضر في ذهن المخاطب من مساق الكلام، وقد ذكر هذه القاعدة ابن مالك وغيره، وسقنا إليك من شواهدها ما لا يسعك إلا أن تتلقاه بإصغاء وقبول.
(النوع الثامن):
قال المحاضر: "الثامن: الضمائر التي تعود إلى "من" دون أن تطابقها جنسًا أو عددًا، والنحويون يقولون: إن الضمير يرجع إلى "من" باعتبار لفظها، فيفرد ويذكر، وباعتبار معناها فيطابق هذا المعنى جنسًا وعددًا، ولكن رجوع الضمائر إلى الألفاظ مرة، وإلى المعاني مرة أخرى لا معنى له، فأنت لا تقول: حمزة أقبلت، مراعاة لتأنيث اللفظ، وإنما تقول: حمزة أقبل، مراعاة لتذكير المعنى، ولو جاز إرجاع الضمائر إلى الألفاظ مرة، وإلى المعاني مرة أخرى؛ لأصبحت اللغة والنحو ضربًا من اللعب".
الألفاظ التي تستعمل للدلالة على العقلاء ثلاثة أنواع؛ أحدها: لفظ يراد به شخص معين كالأعلام، والضمير الذي يكنى به عن فرد معين لا يكون إلا كمرجعه مفردًا.
ثانيها: لفظ يرد في صيغة جمع التكسير، أو أحد جمعي السلامة، والضمير العائد إلى معاني هذه الجموع شأنه أن يكون كمرجعه جمعًا مطابقًا، ويلحق بهذا القسم نحو الذين واللاتي.
ثالثها: ألفاظ تقال على المفرد مرة، وعلى الجمع مرة أخرى؛ نحو "مَنْ" الموصولة، ولفظ "من" إن أريد به شخص واحد معين، فالضمير الراجع إليه لا يكون إلا مفردًا، أما إذا لم يرد منه شخص واحد؛ بل أريد منه جماعة، فهذا ما نطق العرب بالضمير الراجع إليه مفردًا تارة، وجمعًا مرة أخرى، وهذا شأنهم معها فيما إذا أريد منها جنسُ مَن يتحقق فيه معنى صلتها، ومِن شواهد عود الضمير عليها مفردًا وقد أريد منها جماعة - قول بعض شعراء الحماسة:
وَإِنِّي لَمِمَّنْ يَبْسُطُ الكَفَّ بَالنَّدَى إِذَا شَنِجَتْ كَفُّ البَخِيلِ وَسَاعِدُهْ
فمَن هنا مستعملة في جمع، وأعيد عليها الضمير مفردًا، ومِن شواهد عود الضمير عليها جمعًا قول قبيصة بن النصراني، أحد شعراء الحماسة:
أُحَدِّثُ مَنْ لاقَيْتُ يَوْمًا بَلاَءَهُ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّنِي غَيْرُ صَادِقِ
فالضمائر العائدة على "من" المستعملة في جمع - تفرد في حال، وتجمع في أخرى، وهذا أمر واقع في كلام العرب غير مختص بضمائر الغيبة في القرآن؛ بل الواقع أن هذا الحكم لا يختص بمن الموصولة، ولكنه يتعداها إلى أسماء كثيرة يستعملها العرب لتدل على أفراد متعددة، ويعيدون عليها الضمير إن شاؤوا جمعًا، وإن شاؤوا أعادوه مفردًا، ومثال هذا لفظ "الجمع" نفسه، فإنهم يتحدثون عنه حديثهم عن الجموع مرة، كما قال أحد شعراء الحماسة:
وَجَمْعَ بَنِي قُرَّانَ فَاعْرِضْ عَلَيْهِمُ فَإِنْ يَقْبَلُوا هَاتَا الَّتِي نَحْنُ نُوبِسُ
ويجرونه مجرى المفرد أخرى؛ كما قال آخر منهم:
قَدْ صَبَّحَتْ مَعْنٌ بِجَمْعٍ ذِي لَجَبْ قَيْسًا وَعِبْدَانَهُمْ بِالمُنْتَهَبْ
وجد في اللغة هذا النوع من الكلم، الذي يطلق على أفراد متعددة، وللمتكلم الخيار في أن يذهب فيه مذهب الحديث عن الفرد، أو مذهب الحديث عن الجماعة، ولم يبق للنحاة من عمل سوى أن يفرقوا بين الحالين، فقالوا في حال إعادة الضمير عليه جمعًا: إنه محمول على المعنى، وفي حال إعادته عليه مفردًا: هو محمول على اللفظ، ونحن نفهم من هذا أن المتكلم ينظر أحيانًا إلى معنى "مَن" التي يراد بها جماعة، فيجده ذا أفراد متعددة، فيعيد عليها ضمير الجمع، وينظر أحيانًا إلى لفظ "من" فيجِدُه خاليًا من علامة الجمع، المقتضية لأن يكون الضمير العائد إليها جمعًا، فيفرد الضمير رعاية للفظها، ولا يعنون بِهذا أنَّ الضمير يعود إلى اللفظ من حيث هو حروف، فإنَّ الضَّمائِرَ إنَّما يكنَى بِها عمَّا يتحدث عنه، وهو المعاني؛ بل هو عائدٌ إليه من حيث دلالته على المعنى المراد منه، وإنَّما اعْتَبَرُوا اللَّفْظَ في حالِ إفراد الضمير، مع أن الضمائر لا تعود على الألفاظ من حيثُ إنَّها حروف، نظرًا إلى أن اللفظ بخلوه من علامة الجمع ساعد على أن يجيء الضمير مفردًا، وإذا وقفْنا عِنْدَ هذا الحَدِّ، قلنا: إن العرب يحافظون على المطابقة بين الضمير ومرجعه، والنحاةُ يَشترطون هذه المطابقة كما حافظ عليها العرب، غير أن هذه المطابقة إما أن يراعى فيها المعنى الذي يكنى عنه بالضمير، وإما أن يراعى فيها حال اللفظ الذي عبر به عن المعنى أولاً.
ومِمَّا نراه قريبًا أن يقول باحث: إن المتكلم حين يفرد الضمير العائد إلى الألفاظ المستعملة في الجمع، إنما ينظر إلى المعنى في صورة تقبل هذا الضمير، وهو أن يلاحظ الأفراد المتعددة من حيث اجتماعها وانضمام بعضها إلى بعض، حتى كأنها وهي في سلك المعنى الجامع بينها - شيء واحد، وإنما تستقيم هذه الملاحظة مع الألفاظ الخالية من علامات الجمع، إذ هذه العلامات تمنع من أن تلاحظ هذه الأفراد في صورة شيء واحد.
ومُجمل القول أن الألفاظ التي يراد منها جماعة، كمَن وجمْع وفريق، لا يجد العرب حرجًا في أن يعيدوا عليها ضمائر الجمع؛ نظرًا إلى ما دلَّت عليه من الأفراد المتعددة، أو يعيدوا عليها الضمائر مفردة؛ نظرًا إلى أن اللفظ لا يتجافى عن هذه الضمائر، وقابلٌ لأن يلاحظ معه مجموع الأفراد في هيئة ما تقع عليه نظرة واحدة، ومراعاة اللفظ والمعنى في تركيب واحد كما يجيء في بعض الآبيات - طريقة عربية مألوفة، ومن شواهدها:
لَسْتُ مِمَّنْ يَكِعُّ أَوْ يَسْتَكِينُو نَ إِذَا كَافَحَتْهُ خَيْلُ الأَعَادِي
فقد أعاد الضمير على "من" في قوله "يكع" مفردًا، وأعاده عليها ضمير جمع في قوله "يستكينون".
الضمير العائد على الذي
قال المحاضر: "وأكثر من هذا أن عدم المطابقة ليس مقصورًا على "من"؛ بل يتجاوزها إلى "الذي"، مع أن "الذي" مفرد قطعًا، فلا يصح أن يرجع الضمير إلى لفظه مرة، وإلى معناه مرة أخرى، فمن ذلك قوله تعالى في سورة الزمر: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}[18]، وقوله تعالى في سورة البقرة: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا}[19].
قد يراد من نحو "الذي" شخص معين، وهو في هذا الحال لا يعود عليه الضمير إلا مفردًا، وقد يراد منه الجنس، ليتناول الحكم به كلَّ فرد يتحقق فيه معنى الصلة، وهذا ما يذهب العرب في الحديث عنه إلى إفراد الضمير مرة، وجمعه مرة أخرى، وإذا أتوا بضمير الجمع؛ فلأن "الذي" يتناول بوساطة دلالته على الجنس أفرادًا متعددة، فتحصل المطابقة بين الضمير ومرجعه من جهة المعنى، فالإخبار عن "الذي" بما يشار به إلى الجمع في آية: {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ}، وعود ضمير الجمع على "الذي" في آية: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ} إنما هو قائم على رعاية أن "الذي" مستعمل في جنس من يتحقق فيه معنى الصلة، والجنس ذو أفراد لا تحصى.
الضمير العائد على المعرَّف بأل الجنسية
قال المحاضر: "بل لا يقتصر عدم المطابقة على "من" و"الذي"، وإنَّما يتجاوَزُهُما إلى أسماء مظهرة، منها العام ومنها الخاص، فمن الأول قوله تعالى في سورة الأحقاف: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا} إلى قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا}[20]، ومن الثاني قوله تعالى في سورة طه: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي}[21]".
أمَّا الآية الأولى فإن الإنسان مراد منه الجنس، والجنس يتناول أفرادًا كثيرة؛ فصح من هذا الوجه أن يشار إليه بما يشار به إلى الجمع، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا}[22] إلى قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} [الأحقاف: 18]، وقد أشار صاحب "الكشاف" إلى وجه الإخبار بأولئك عن قوله {وَالَّذِي قَالَ}؛ فقال: المراد بالذي قال - الجنس القائل ذلك؛ ولذلك وقع الخبر مجموعًا.
يتبع