عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-09-2020, 02:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,070
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الشروط في العقود دراسة حديثية فقهية

المطلب الرابع: حكم ثمرة النخيل إذا اشترطهما المشتري:
دل الحديث على أن المشتري إذا اشترط الثمرة مع الأصل أن له ذلك لقوله: "إلا أن يشترط المبتاع"، ولأن هذا استثناء تبع الأصل، سواء كانت الثمرة مؤبرة أم لا، كما أن البائع له أن يشترط الثمرة ولو قبل التأبير، لأن هذا استثناء لبعض ما وقع عليه العقد، وهو شيء معلوم فصحَّ، كما لو استثنى نخلة بعينها من المزرعة المبيعة، وهذا وإن كان فيه بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، لكنه رخص فيه؛ لأنه تابع للأصل وليس مستقلاً(49).

المبحث الخامس: تعليق الإمارة على شرط:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: النصوص الحديثية الواردة فيه:
9- عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "أمَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قتل زيد فجعفل، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة.
قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعاً وتسعين من طعنة ورمية"(50).


المطلب الثاني: جواز تعليق الإمارة على شرط مستقبل:
دل الحديث على جواز تعليق الإمارة على شرط مستقبل، والإمارة عقد ولاية، وقد قاس الجمهور على هذا العقد غيره من عقود الولايات، كالوكالة والمضاربة والوصاية، وإن كان الحديث وارداً في ولاية عامة، فإن هذه الولاية أخطر وأدق من الولاية الخاصة، فإن أثر الثانية لا يتعدى شخصين، أما الأولى وهي الولاية العامة فإن أثرها يعم الدولة، وإذا جاز تعليق ما كان هذا شأنه فإنه يجوز بطريق الأولى تعليق ما كان أثره أقل خطورة(51).

قال الشوكاني رحمه الله: "ولا أعرف الآن دليلاً يدل على المنع من تعليق الولاية بالشرط، فلعل خلاف من خالف في ذلك مستند إلى قاعدة فقهية كما يقع ذلك في كثير من المسائل"(52).

قلت: لا عبرة بالقاعدة الفقهية إذا كانت معارضة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم، بل إن القواعد الفقهية تتقرر وفق ما ورد في الكتاب والسنة. والله أعلم.

المبحث السادس: الشروط المشترطة على الزواج في النكاح:
وفيه مطالب:
المطلب الأول: النصوص الحديثية الواردة فيه:
10- عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أحق الشروط أن يوفَّى به ما استحللتم به الفروج" متفق عليه(53).

المطلب الثاني: وجوب وفاء الزوج بما اشترط عليه في العقد:
دل الحديث على أنه يجب على الزوج الوفاء بما اشترط عليه في العقد، ومعنى الحديث: إن أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح لأن أمره أحوط وبابه أضيق(54).

المطلب الثالث: أقسام الشروط في النكاح:
قال الخطابي رحمه الله: "الشروط في النكاح مختلفة، فمنها ما يجب الوفاء به اتفاقاً، وهو المهر والنفقة وحسن العِشرة، وقد شرط الله تعالى هذه الأمور لهن على الأزواج في قوله: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة:229] وعليه حمل بعضهم هذا الحديث، ومنها ما لا يوفى به اتفاقاً كسؤال المرأة طلاق أختها – وسيأتي -، ومنها ما اختلف فيه كاشتراط أن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله" اهـ(55).

قلت: قسم الحنابلة رحمهم الله الشروط الصحيحة في النكاح إلى قسمين:
الأول: ما هو من مقتضى العقد وإن لم يذكر في صلبه؛ لأن مشروعية العقد من أجله وذكره في العقد لا يؤثر، كما أن إهماله لا يقسطه، وذلك مثل اشتراط تسليم المرأة لزوجها وتمكينه من الاستمتاع بها، وكاشتراط النفقة والسكن على الزوج. فهذه من مضمون العقد.

الثاني: شرط منفعة، وهو ما يشترطه أحد الزوجين في عقد النكاح مما له فيه منفعة، كاشتراط المرأة أن لا يخرجها من دارها أو بلدها أو لا يتزوج عليها(56).
وهذا القسم هو الذي وقع فيه الخلاف.


والصحيح أنه يجب الوفاء بهذه الشروط، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] والوفاء بالعقد يتضمن الوفاء بأصله ووصفه، ومن وصفه الشرط فيه.

ولعموم حديث عقبة رضي الله عنه هذا. ولأن الأصل الصحة والإباحة.
ولما روي عن عمر رضي الله عنه أن رجلاً تزوج امرأة وشرط لها داراً ثم أراد نقلها، فخاصموه إلى عمر، فقال: لها شرطها، فقال الرجل: إذاً يطلِّقننا، فقال عمر: "مقاطع الحقوق عند الشروط"(57).


قال الترمذي رحمه الله: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، منهم: عمر بن الخطاب قال: إذا تزوج رجل امرأة وشرط لها أن لا يخرجها من مصرها فليس له أن يخرجها، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق.

وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: شرط الله قبل شرطها، كأنه رأى للزوج أن يخرجها وإن كانت اشترطت على زوجها أن لا يخرجها، وذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وهو قول سفيان الثوري، وبعض أهل الكوفة"(58).

المطلب الرابع: فائدة الشرط:
فائدة الشرط أنه إذا خالف الزوج فللزوجة الفسخ لأنه لدفع ضرر، ما لم يوجد منها ما يدل على الرضى من قول أو تمكين(59).

الفصل الثاني: الشروط المنهي عنها في العقود:
وفيه مباحث:
المبحث الأول: الجمع بين شرطين في عقد:
وفيه مطالب:
المطلب الأول: النصوص الحديثية الواردة فيه:
11- عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم تضمن، ولا بيع ما ليس عندك"(60).

12- وعن عتَّاب بن أسيد رضي الله عنه قال: لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاه عن سلف وبيع، وعن شرط وبيع، وعن بيع ما ليس عندك(61).

المطلب الثاني: الجمع بين شرطين في عقد:
اختلف أهل العلم في المراد بالشرطين المنهي عنهما في الحديث على أقوال:
القول الأول: أن المراد بالشرطين الحلول والأجل، أو الأجلان. بأن يقول: أبيعك هذه السلعة بعشرة نقداً أو بعشرين إلى شهر، أو يقول: بعشرة إلى شهر، أو بعشرين إلى شهرين.
وهذا قول الحنفية والمالكية(62).


القول الثاني: أن الحديث على ظاهره، وذلك بأن يشترط المشتري على البائع شرطين، كأن يشتري الحطب ويشترط على البائع حمله إلى منزله وتكسيره، أو يشتري الثوب ويشترط تفصيله وخياطته.
وهذا مذهب الإمام أحمد وإسحاق(63).
ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه قال: "الشرط الواحد لا بأس به، إنما نهي عن الشرطين"(64).


ووجه النهي: أن اشتراط شرطين يفضي إلى النزاع، بخلاف اشتراط شرط واحد فإن الحاجة تدعو إليه، وليس سبباً للنزاع.

القول الثالث: أن المراد بالشرطين: أن يقول البائع: خذ هذه السلعة بعشرة نقداً وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العينة. وهذا قول ابن القيم رحمه الله وقد أطال في تقريره، واستدل له بأمرين:
الأول: أن الشرط يطلق على العقد نفسه، لأنهما تشارطا على الوفاء به.


الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا" رواه أبو داود(65).

وهذه الصورة لا تنطبق إلا على بيع العينة، فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة فهو لا يستحق إلا رأس ماله، وهو أوكس الثمنين – أي أقلهما – فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا...".

قال ابن القيم رحمه الله: "وإذا تبين ضعف هذه الأقوال فالأولى تفسير كلام النبي صلى الله عليه وسلم بعضه ببعض، فنفسر كلامه بكلامه فنقول: هذا نظير نهيه صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة".

ورد الأقوال الأخرى بأنها بعيدة عن مقصود الحديث غير مرادة منه(66).

وبناء عليه فالصحيح أنه يجوز للإنسان أن يبيع بشرط وبشرطين وبثلاثة وغيرها، لأن النهي عن الشرطين في الحديث إنما ينطبق على مسألة العينة فقط.

المطلب الثالث: أنه لا يجوز الجمع بين السلف والبيع:
في الحديث دليل على أنه لا يجوز الجمع بين سلف وبيع والمراد بالسلف: القرض(67)، كأن يقول: أبيعك هذه السيارة على أن تقرضني كذا، وقد فسره الإمام مالك بهذا المعنى(68)، أو أقرضك كذا على أن تبيعني سيارتك، فهذا لا يجوز.

وقد حكى ابن عبد البر، وابن هبيرة، وابن رشد اتفاق العلماء على ذلك(69).
وقال ابن قدامة: "لا أعلم فيه خلافاً"(70).


ووجه المنع أن البيع صار وسيلة للقرض، فيكون قرضاً جرّ منفعة، لأنه لم يقرضه إلا من أجل هذا البيع، والقرض يجب أن يكون إرفاقاً محضاً، لا يقصد به حاجة الأخرى.

المبحث الثاني: اشتراط الولاء للمعتق:
وفيه مطالب:
المطلب الأول: النصوص الحديثية الواردة فيه:
13- عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني، فقلت: إن أحب أهلك أن أعدّها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فأخبرت عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "خذيها واشترطي لهم الولاء فإنما الولاء لمن أعتق"، ففعلت عائشة ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فحمد الله أثنى عليه، ثم قال: "أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله! ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق وإنما الولاء لمن أعتق" متفق عليه(71).

المطلب الثاني: جواز بيع العبد المكاتب بشرط العتق:
دل الحديث على جواز بيع العبد المكاتب بشرط العتق، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر اشتراط العتق، وإنما أنكر اشتراط الولاء، لأن بريرة كانت مكاتبة، وباعها أهلها على عائشة بثمن منقود لتعتقها، وقد بوَّب البخاري في كتاب "العتق" باب بيع المكاتب إذا رضي(72).

وإذا بيع المكاتب أدى نجوم الكتابة إلى مشتريه، فإن أدى إليه عتق، وولاؤه له، وإن عجز عاد قِنّاً له.
ومما يدل لذلك أيضاً أن الشارع متشوف للعتق ويرغب فيه ويحث عليه في نصوص كثيرة.


المطلب الثالث: أن اشتراط البائع على المشتري إن أعتق الرقيق فالولاء له شرط باطل:
دل الحديث على أن اشتراط البائع على المشتري إن أعتق الرقيق فالولاء له شرط باطل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أبطله بقوله: "ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله".

وهو شرط مخالف للشرع، لأن العتق عصوبة كعصوبة النسب، ولهذا لو أن هذا الرقيق الذي أعتقه المشتري مات وليس له معصب من جهة النسب فإنه يرثه بالسبب.
وهذا الشرط من الشروط الفاسدة غير المفسدة للعقد.


قال ابن القيم رحمه الله: "الضابط الشرعي الذي دل عليه النص أن كل شرط خالف حكم الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالف حكمه فهو لازم"(73).

المطلب الرابع: معنى قوله "اشترطي لهم الولاء":
اختلف العلماء في قوله: "اشترطي لهم الولاء" حيث دل بظاهره أنه صلى الله عليه وسلم أذن في البيع على شرط فاسد، فكيف يأذن لهم في وقوع البيع بناءً على شرط سيتم إبطاله؟

فقيل: إن هذه اللفظة غير محفوظة، لأنه تفرد بها مالك، عن هشام، عن عروة، بدليل أنه وقع سقوطها في كثير من الروايات – كما تقدم في التخريج –(74).

وهذا القول ضعيف، لثبوت هذه اللفظة وثقة رواتها ومتابعة الإمام مالكاً على روايتها.

وقيل: إنهم قد علموا فساد الشرط، لأن المحاورة قد طالبت في مسألة بريرة، فعلموا أن اشتراطهم الولاء لا يصلح إلا لمن أعتق، لكنهم أصروا على اشتراطه وأقدموا عليه، فتركهم النبي صلى الله عليه وسلم يشترطونه، وكأنه قال: اشترطي أو لا تشترطي فذلك لا يفيدهم، لأن وجوده كعدمه، ثم أعلن فساده وعدم نفوذه، وبيَّن ذلك للأمة بياناً عاماً، وهو إلغاء كل شرط خالف حكم الله وشرعه(75).

المبحث الثالث: اشتراط الرهن في المبيع:
وفيه مطالب:
المطلب الأول: النصوص الحديثية الواردة فيه:
14- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه"(76).

المطلب الثاني: أن المرتهن لا يستحق الرهن إذا عجز الراهن عن أداء الدين:
دل الحديث على أن المرتهن لا يستحق الرهن إذا عجز الراهن عن أداء الدين، لأن الرهن ملك للراهن لا يزول ملكه عنه، وإنما هو وثيقة بيد المرتهن يتوثق ممن عليه الدين، فإذا حلّ الدين وجب على الراهن أداؤه وأخذ رهنه، فإن لم يتيسر ذلك أو امتنع باع الحاكم الرهن لتعينه طريقاً لأداء الواجب، وقضى دينه من ثمنه، لأنه حق تعين عليه، فقام الحاكم مقامه فيه، ويرد الباقي على صاحب الرهن(77).

المطلب الثالث: إذا قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك في وقت كذا وكذا فالرهن لك:
اختلاف العلماء رحمهم الله فيما إذا قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالرهن لك. على قولين:
القول الأول: أن الشرط باطل والعقد صحيح.
وهذا مذهب الجمهور، وروي عن بعض السلف(78).
واستدلوا بهذا الحديث، وقد دل على أن الرهن صحيح قوله: "له غنمه وعليه غرمه". والشرط باطل قوله: "لا يغلق الرهن من صاحبه".
وبذلك فسره الإمام أحمد(79).


القول الثاني: أن الشرط صحيح معتبر وأنه بمجرد حلول الأجل تصبح العين المرهونة ملكاً للمرتهن. وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
واستدلوا:
بأن الأصل في المعاملات الحل.
وبأن هذا الشرط لا ينافي مقتضى الرهن.
وقد عمل بذلك الإمام أحمد رحمه الله، فقد وضع رهناً عند صاحب دكان وقال له: إن جئتك بحقك وإلا فهي لك.


وأجابوا عن الحديث:
بأنه معلول بالإرسال.
أو يحمل على ما إذا لم يشترط، أما إذا اشترط فإنه لا بأس به(80).
وهذا القول هو الصحيح، ولا ضرر فيه على الرهن.


المبحث الرابع: اشتراط الثنيا في المبيع:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: النصوص الحديثية الواردة فيه:
15- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثنيا إلا أن تعلم"(81).

المطلب الثاني: أنه لا يجوز استثناء شيء من المبيع إلا إذا عُين:
الحديث دل على أنه لا يجوز استثناء شيء من المبيع إلا إذا عيِّن، ولهذا صور كثيرة ذكرها أهل العلم.
فلا يجوز: أبيعك عبيدي إلا عبداً وهو غير معين، ولا أبيعك هذا القطيع من الغنم إلا عشراً، وهي غير معينة.
فإذا عينها بوصف أو إشارة ونحو ذلك جاز، لأن عدم التعيين نوع من الغرر لجهالة المستثنى، واستثناء المجهول يجعل المبيع مجهولاً، وهذا يفضي إلى النزاع والاختلاف(82).


المبحث الخامس: إذا اشترطت المرأة طلاق ضرتها:
وفيه مطالب:
المطلب الأول: النصوص الحديثية الواردة فيه:
16- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها".
وفي لفظ: "لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما في صحفتها، ولتنكح، فإن لها ما قدر لها"(83).


المطلب الثاني: نهي المرأة أن تسعى عند زوجها في طلاق أختها:
دل الحديث على نهي المرأة أن تسعى عند زوجها في طلاق أختها:
وفسره النووي بأن تسأل المرأة الأجنبية رجلاً أن يطلق زوجته ويتزوجها مكانها، بحيث يكون لها من نفقته ومعروفه ومعاشرته ونحوها ما كان للمطلقة، فعبر عن ذلك بإكفاء ما في الصحفة مجازاً(84).


وحمل ابن عبد البر الأخت هنا على الضرة فقال: "في هذا الخبر من الفقه أنه لا ينبغي أن تسأل المرأة زوجها أن يطلق ضرتها لتنفرد به، فإنما لها ما سبق به القدر عليها، لا ينقصها طلاق ضرتها شيئاً مما جرى به القدر لها ولا يزيدها"(85).

قال ابن حجر: "وهذا يمكن في الرواية التي وقعت بلفظ "لا تسأل المرأة طلاق أختها"، وأما الرواية التي فيها لفظ الشرط فظاهرها أنها في الأجنبية، ويؤيده قوله فيها "ولتنكح" أي ولتتزوج الزوج المذكور من غير أن يشترط أن يطلق التي قبلها"(86).

المطلب الثالث: ما الحكم فيما إذا اشترطت المرأة طلاق ضرتها:
اختلف العلماء رحمهم الله فيما إذا شرطت المرأة طلاق ضرتها على قولين:
القول الأول: أنه شرط باطل، وهو قول جمهور العلماء، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في هذا الحديث، والنهي يقتضي الفساد.
وقد بوب البخاري في صحيحه على هذا الحديث بقوله: باب الشروط التي لا تحل في النكاح(87).
ولما فيه من الظلم والعدوان، لأن حق الزوجة سابق.


القول الثاني: أنه شرط صحيح، وهو رواية عن الإمام أحمد، وبه قال أبو الخطاب.
لأنه شرط لا ينافي العقد، ولأن لها فيه فائدة، إذ إن خلو المرأة من ضرة من أكبر أغراضها(88)، والصحيح قول الجمهور.


المبحث السادس: إذا زوج الرجل وليته بشرط أن يزوجه الآخر وليته:
وفيه مطالب:
المطلب الأول: النصوص الحديثية الواردة فيه:
17- عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشِّغار، والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، وليس بينهما صداق"(89).

18- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشِّغار، زاد ابن نمير – والشغار: أن يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي، أو زوجني أختك وأزوجك أختي –"(90).

المطلب الثاني: معنى الشِّغار:
الشِّغار بالكسر الخلو من العوض، ومنه قولهم: شغر المكان إذا خلا، وقيل: هو البعد كأنه بعد عن طريق الحق، وقيل: مأخوذ من شغر الكلب رجله إذا رفعه ليبول، سمي شغاراً لقبحه تشبيهاً له بقبح الكلب حين يرفع رجله ليبول(91).

المطلب الثالث: المقصود بالشِّغار الوارد في الحديث:
اختلف العلماء رحمهم الله في المراد بالشغار على أقوال:
القول الأول: أن يزوج الرجل الرجل ابنته أو أخته ونحوهما على أن يزوجه الآخر ابنته أو أخته ونحوهما ولا مهر بينهما.
فلا بد فيه من أمرين: وجود الشرط، وعدم المهر.
وهذا مذهب الحنابلة والحنفية(92).


القول الثاني: أنه متى وجد الشرط فهو شغار ولو ذكر المهر.
وهذا مذهب المالكية والظاهرية، واختيار الخرقي من أصحاب الإمام أحمد(93).
واستدلوا:
1 – بحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا شغار في الإسلام" رواه مسلم(94).
2 – حديث أبي هريرة عند مسلم، فهو مطلق وفيه زيادة يجب الأخذ بها.
3 – وبأن العباس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته، وأنكحه عبد الرحمن ابنته وكانا جعلا صداقاً، فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال معاوية: هذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو داود(95).


قال ابن حزم: "فهذا معاوية بحضرة الصحابة لا يعرف له منهم مخالف يفسخ هذا النكاح، وإن ذكر فيه الصداق، ويقول: إنه الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتفع الإشكال جملة"(96).
وهذا القول هو الصحيح؛ سداً للباب.


المطلب الرابع: النهي في الحديث للتحريم عن أكثر العلماء:
حمل أكثر العلماء هذا النهي على التحريم، وحكاه بعضهم إجماعاً.
قال ابن عبد البر: "أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز واختلفوا في صحته".
ومثله قال النووي، والقرطبي، وابن دقيق العيد(97).


واختلفوا إذا وقع هل يبطل النكاح على قولين:
القول الأول: أن النكاح باطل، وهو قول جمهور العلماء، لما تقدم من أدلة النهي عن نكاح الشغار.


القول الثاني: أن النكاح صحيح، ويجب لكل واحدة منهما مهر المثل، وهو قول أبي حنيفة، وطائفة من السلف كعطاء، والزهري، والثوري، لأن النكاح مؤبد أُدخل فيه شرط فاسد حيث شرط فيه أن بضع كل واحدة منهما مهر للأخرى، والبضع لا يصلح مهراً فبطل الشرط، لأنه شرط فاسد اقترن به، والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة.
والصحيح قول الجمهور.


المبحث السابع: إذا تزوجها بشرط أنه متى حللها للأول طلقها:
وفيه مطالب:
المطلب الأول: النصوص الحديثية الواردة فيه:
19- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المُحِل والمحل له" رواه أحمد(98).

20- وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلّل له" رواه أحمد والترمذي والنسائي(99).

21- وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: هو المحلِّل، لعن الله المحلَّ والمحلّل له" رواه ابن ماجه(100).

22- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلِّل له" رواه ابن ماجه(101).

المطلب الثاني: صور نكاح التحلل:
نكاح التحليل له صور عند أهل العلم:
الصورة الأولى: أن يشترط عليه في صلب العقد أن يطلقها بعد الدخول بها. فجمهور أهل العلم، وعامة السلف، وأبي يوسف من الحنفية على أنه محرم والشرط فاسد والنكاح باطل.
وأدلتهم أحاديث الباب.


الصورة الثانية: أن ينوي الزوج بقلبه أن يتزوجها لكي يحلها لزوجها بدون شرط.
فالمذهب عند الحنابلة، ومذهب المالكية أن العقد باطل ولا تحل للأول لما تقدم من الأدلة.
ولحديث عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما الأعمال بالنيات" متفق عليه(102).


وجه الدلالة منه: أنه قصد التحليل ونواه فلم يصح.
وذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى أن العقد صحيح، لكنه يكره عند الشافعية، لأن كل شيء إذا صرح به بطل فإنه يكره إذا نواه.


الصورة الثالثة: أن يتواطأ الزوج والزوجة أو وليها على ذلك قبل العقد، ولا يذكر لفظاً في صلب العقد، لكنه منوي ومعلوم.
فالحكم في هذه الصورة حكم الصورة السابقة.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن اتفقا عليه قبل العقد، ولم يرجع عن نيته بطل النكاح.. وقال الصحابة والتابعون وأئمة الفتوى لا فرق عندهم بين الشرط المتقدم والعرف".

الصورة الرابعة: أن تكون نية التحليل من الزوجة أو الولي فالجمهور على أن العقد صحيح، لأن الزوجة وكذا وليها لا يملكان رفع العقد فوجود نيتهما كعدمها.
وقالوا: من لا فرقة بيده لا أثر لنيته.
وقال الحسن البصري وإبراهيم النخعي: إذا نوى أحد الثلاثة فسد النكاح.
وعللا ذلك بأن الولي أو الزوجة قد يتسببا في التضييق على الزوج حتى يطلق.
والصحيح قول الجمهور، لأن الأثر لمن بيده الطلاق(103).


المطلب الثالث: ما الذي يترتب على نكاح المحلل:
يترتب على نكاح التحليل: الإثم، وبطلان النكاح، وعدم حل المرأة لزوجها الأول.
في الصحيحين، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كنت عند رفاعة فطلّقني فأبتَّ طلاقي، فتزوجت عبد الرحمن بن الزّبير، وإنما معه مثل هدبة الثوب، فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك، وأبو بكر جالسٌ عنده، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له، فقال: يا أبا بكر ألا تسمع إلى هذه ما تجهر به عند النبي صلى الله عليه وسلم"(104).


فدل الحديث على أنه لا بد في النكاح الذي يحصل به التحليل أن يكون صحيحاً، وأن يكون نكاح رغبة، وأن يحصل فيه جماع(105).
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.53 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.36%)]