عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 24-09-2020, 04:46 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,651
الدولة : Egypt
افتراضي رد: العبرة من تحويل القبلة: التسليم والانقياد

فكان تحويل القبلة اختبارا وتربية للصحابة على السمع والطاعة، والتسليم لله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ [البقرة: 143].

فالله سبحانه لا يأمر العباد إلا بما فيه مصلحة لهم ولا ينهاهم إلا عما فيه مضرة عليهم وتشريعاته سبحانه جميعها لحكمةٍ يعلمها سبحانه - وإن لم نعلمها - كما قال تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الممتحنة: 10].

وله أن يكلف عباده بما شاء، وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك،وما على المؤمن إلا الاستجابة والانقياد لأوامر الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم.

العنصر الرابع: التسليم الانقياد في حياة الأنبياء:
نوح عليه السلام:
فهذا نوح - عليه السلام - قال الله عنه: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [هود:45 - 47].

نعم؛ لقد قطع الكفر كل أواصر النسب والعلاقة مع الأب المؤمن والابن المشرك، فسأل نوح - عليه السلام - ربَّه - عز وجل - أن ينجي ولده بعاطفة الأبوة الحانية، كما وعده ربه بنجاة أهله، فذكّره ربُّه بكفر ولده، ونفيه عن أهله، فما كان من نوح إلا أن أعلن تفويضه واستسلامه لأمر الله، وقطع الطريق على الشيطان ونوازع النفس الذين يحملان العبد على فتح باب الجدال والمراء في الباطل، حاشا رسل الله.

ولم يكتفِ بإبداء التسليم لأمر الله، بل استعاذ بربه أن يسأله ما ليس له به علم في قابل عمره؛ ثم طلب منه الرحمة والمغفرة على ما بدر منه.

إبراهيم و إسماعيل - عليهما السلام -:
وهذا إبراهيم - عليه السلام - ضرب مثلاً رائعا هو وأهله في التسليم لأمر الله من أول يوم أراد الله به الخير والهداية له: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ ﴾ [البقرة:131 - 132].

أمَرَه الله - تعالى - بالإخلاص له والاستسلام والانقياد؛ فأجاب إلى ذلك شرعاً وقدراً، ووصى بنيه وأهله بهذه الملة وهي الإسلام لله والاستسلام له؛ حرصاً عليهم، ومحبة لهم، فحافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم.

وقد طبّق إبراهيم - عليه السلام - إسلامه واستسلامه لله في واقع عملي، وذلك حينما أتى بزوجه هاجر ومعها وليدها إسماعيل - عليه السلام - ليتركهما في بطحاء مكة، بأمر من الله - عز وجل - في وادٍ لا شجر فيه ولا ماء ولا زاد، ولا من يستأنسون به، وخلّفهم هناك فلحقت به هاجر - عليها السلام - تسأله وتناديه: لمن تتركنا هنا يا إبراهيم؟ ماذا سنفعل؟! وماذا سنأكل ونشرب؟!.

ولكن إبراهيم - عليه السلام - لم يجبها ولم يلتفت إليها، فقالت: "آلله أمرك بهذا؟"، قال: نعم، فا جابت بكلمة حكيمة، وباستسلام مطلق: "إذن؛ لن يضيعنا".

تسليم من إبراهيم - عليه السلام -، إذ ترك زوجَه وابنه الرضيع في أرض غربة وخوف وقحط، وتسليم من هاجر، إذ علمت أن ذلك أمر من الله، فقالت: لن يضيعنا، وكان وراء هذا القرار الإلهي حكمة، ولكنها لم تعلمها في ذلك الوقت، ورغم ذلك سلمت لله - تعالى -.

ولم يكد يشب إسماعيل - عليه السلام - حتى يبتليَ الله إبراهيم - عليه السلام - في أمر عظيم على البشر تنفيذه، وصعب على النفوس امتثاله لو أن الممتحَن غير إبراهيم الخليل - عليه السلام -، فقد امتحنه الله بذبح إسماعيل الذي تعلق قلبه به؛ لأنه جاء بعد طول زمن من حرمان الأولاد.

قال الله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ [الصافات:101 - 107].

وفي مقابل هذا الامتحان لإبراهيم، يقف إسماعيل طرفاً في الامتحان شامخاً، صبوراً، ضارباً مثلاً فريداً في التسليم لأمر الله - تعالى - من غير تردد، وهو - إذ ذاك - فتى يافع؛ لكن انظر إلى أدبه مع الله، واعترافه بحدود القدرة والطاقة في الاحتمال، واستعانته بربه على ضعفه، ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية ومساعدته على البر: ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات: 102].

لم يأخذها بـطولةً، ولم يأخذها شجاعة، ولم يأخذها اندفاعًا إلى الخطر دون مبالاة، ولم يظهر لشخصه ظلاً ولا حجمًا ولا وزنًا، إنما أرجع الفضل كله لله.

العنصر الخامس: اليهود و المنافقون رمز للعناد و التمرد:
يقول الله - سبحانه وتعالى - في وصف المنافقين: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ﴾ [النساء:60 - 61].

وقال عنهم: ﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ ﴾ [النور:48 - 49].

إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم تولوا وأعرضوا؛ لأنهم لا يسلِّمون بحكم الله ورسوله، لكن؛ إذا كان الحكم لهم في الخصومة، قالوا: لا نريد إلا الشريعة، ثم جاءوا منقادين لها؛ لعلمهم أن الحق لهم، ولأنه وافق هواهم، وفي مصلحتهم.

قال الله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [النور:49 - 50]، فناقض المنافقون قاعدة الإسلام العظيمة في التسليم لله ولرسوله بالحكم، وعدم الاعتراض عليه، فذمهم الله لاعتراضهم وعدم تسليمهم.

بنو إسرائيل يقولون لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا:
لقد كان خروج بني إسرائيل من مصر نصراً لهم بكل معنى الكلمة، فقد خرجوا من العبودية إلى الحرية، ومن الذل إلى العز، وكل ذلك بفضل الله عز وجل وتوفيقه ورأفته بهم، لكنهم لم ينظروا إلى هذا على أنه نعمة تستوجب الشكر، ومِنَّة تستوجب الحمد، بل نظروا إلى تلك النعم على أنها حق لهم، وأن على الخالق أن يبذل المزيد في سبيل راحة شعبه، هذه كانت نظرة بني إسرائيل للأمر، لذلك عندما أمرهم موسى - عليه السلام - بدخول الأرض المقدسة - القدس - أجابوه بجواب غاية في الصفاقة وقلة الأدب، جواب من استمرأ حياة الذل، وعاف حياة العز والجهاد، ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ [المائدة:24]، فانظر إلى هؤلاء كيف ردوا أمر الله سبحانه بكل جرأة ووقاحة، نسأل الله السلامة والعافية.

بنو إسرائيل يستهزئون بأمر الله:
لما عصى بنو إسرائيل أمر الله عز وجل بدخول الأرض المقدسة في عهد موسى عليه السلام، قضى الله عليهم بالتيه أربعين سنة، فتاهوا في صحراء سيناء تلك المدة كاملة، وكان موسى وهارون عليهما السلام قد ماتا في تلك الفترة، فبعث الله عز وجل يوشع بن نون نبياً إلى بني إسرائيل، وبعد انتهاء فترة التيه دخل بهم يوشع عليه السلام الأرض المقدسة - القدس - وكان أمر الله لهم أن يدخلوها خاضعين له، سائلين أن يحطَّ عنهم خطاياهم، لكنهم ورغم ما منَّ الله به عليهم من النصر العظيم، إلا أنهم عصوا أمره، وبدَّلوا ما قيل لهم، فَبَدَلَ أن يدخلوا سجداً، دخلوا على أستاههم - أدبارهم - وبدل أن يقولوا حطة أي حطَّ عنا خطايانا، قالوا: - على سبيل الاستهزاء - ما حطة؟ حبة في شعيرة، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [البقرة: 58، 59]، وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله لبني إسرائيل:ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم، فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبة في شعرة).

أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم الكريم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.

أما بعد:
العنصر السادس: صور مشرقة من تسليم الأمة الإسلامية:
لقد ضرب الرعيل الأول من صحابة رسول الله عليه الصلاة والسلام أروع الأمثلة في الاستسلام للوحي والتسليم لأوامر الشريعة الغراء، فقد كانوا يتقبلونها بكمال إذعان وانقياد دون اعتراض أو تلكؤٍ أو نكوص فإذا ما جاءتهم قالوا: سمعنا وأطعنا، وضربوا لذلك أمثلة رائعة وذائعة وعظيمة من ذلك:
فمن تلكم النماذج ابن رواحة، روت عَائِشَةُ - رضي الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا جَلَسَ قَالَ: "اجْلِسُوا"، فَسَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ قَوْلَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "اجْلِسُوا"، فَجَلَسَ فِي بَنِي غَنَمٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَاكَ ابْنُ رَوَاحَةَ جَالِسٌ فِي بَنِي غَنَمٍ، سَمِعَكَ وَأَنْتَ تَقُولُ لِلنَاسِ: "اجْلِسُوا"، فَجَلَسَ فِي مَكَانِهِ. المعجم الأوسط.

ورواه عبد الرزاق في المصنف وزاد: فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَهُ: "مَا شَأْنُكَ؟"، قَالَ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ: "اجْلِسُوا"؛ فَجَلَسْتُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "زَادَكَ اللَّهُ طَاعَةً" مصنف عبد الرزاق.

ومن النماذج ما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى خَاتمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ وَقَالَ: " يَعْمدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ"، فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَمَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:" خُذْ خَاتِمَكَ انْتَفِعْ بِهِ"، قَالَ:" لَا وَاللَّهِ! لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ". رواه مسلم.

وفي قصة نزول آية تحريم الخمر خير دليل على الانقياد التام لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب من فضيخ زهو وتمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها، فأهرقتها. رواه البخاري.

والشاهد أنهم لم يتحققوا من قول القائل بأن الخمر هل حرمت، فبمجرد السماع بالتحريم أذعنوا مباشرة وانقادوا للأمر، وأراقوا الخمر التي كانوا يشربونها من لحظتها.

صور مشرقة من تسليم المسلمات:
وللنساء في التسليم مثال فريد، وموقف شريف، ومشهد يذكر، فعنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ:" لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ﴾ [الأحزاب:59]، خَرَجَ نِسَاءُ الأَنْصَارِ كَأَنَّ عَلَى رُؤوسِهِنَّ الْغِرْبَانُ مِنَ الأَكْسِيَةِ" رواه أبو داود. يعني: امتثلن الأمر واستسلمن له فاحتجبن وتسترن.

أما موقف أم سليم الأنصارية فكان من أعجب المواقف التي سجلها تاريخ الصحابة الحافل بالمآثر والفضائل في أمر التسليم، فقد أظهرت أم سليم الأنصارية - رضي الله عنها - قوة وثباتا على تحمل المكاره والاستسلام لقضاء الله وقدره مع الرضا.

روى الإمام البخاري من حديث أنس - رضي الله عنه - أنه قال: "مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، قال: فجاء فقربت إليه عشاء، فأكل وشرب، ثم تصنَّعت له أحسن ما كانت تصنع مثل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قوما أعاروا أهل بيت عارية فطلبوا عاريتهم ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك؛ فغضب وقال: تركتني حتى تلطختُ ثم أخبرتني؟.

فصلى أبو طلحة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما كان منهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما".

قال سفيان راوي الحديث: قال رجل من الأنصار: "فرأيت لهما تسعة أولاد، كلهم قرؤوا القران". رواه البخاري. وكان هذا ببركة التسليم والانقياد لقضاء الله وقدره.

ثمرات التسليم و الانقياد:
أمة الإسلام: إن للانقياد و التسليم لأمر الله تعالى ثمرات يجد فيها المسلم السعادة و الهناء.

منها: نفي الإيمان لمن لم يسلِّم لشرع الله وحكمه، ولم يرض بالحكم بقلب سليم، ونفس راضية، واقتناع تام بعدالة الحكم الإلهي؛ قَالَ - تعالى -: ﴿ فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

ومفهوم المخالفة أن من انقاد و استسلم فقد اكتمل إيمانه و رسخ يقينه.

ومنها أن من أخصّ صفات المؤمنين المفلحين، شعار "سمعنا وأطعنا "، لا شعار المغضوب عليهم الذين قالوا: "سمعنا وعصينا"؛ قال الله: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [النور:51].

وكذلك التسليم هو السبب المباشر لزيادة التدين للعبد المسلم، ورفع درجته وتزكيته عند مولاه - جل في علاه -: قال - تعالى -: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ [النساء:125]، ومعنى أسلم وجهه لله: طاعته، وإذعانه، وانقياده لله - تعالى - بامتثال أمره، واجتناب نهيه.


كما أن الاستسلام لله ولرسوله والانقياد للشريعة سبب للنجاة من عذاب الله؛ قال - تعالى -: ﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾ [لقمان:22]، أي: فقد أخذ موثقا من الله متينًا أنه لا يعذبه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.88 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.87%)]