
23-09-2020, 03:58 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,491
الدولة :
|
|
رد: الوفاء بالعهود ومجالاته
جَرَى عهدُ الثّقاتِ على فَعالٍ
وعهدُ الغادرينَ على كلامِ
أَنا الخِلُّ الوفيُّ وإنَّ نفسي
تَفي حقَّ الصَّديقِ على التَّمامِ
أُراعي حقَّهُ ما دامَ حيّاً
وبعدَ وفاتِهِ حقَّ العِظامِ
العنصر الأول: معنى الوفاء بالعهد وفضله:
اعلم علمني الله وإياك: أن العهد عبارة عن تعاقد بين طرفين أساسه وعد كل منهما أن يفي تجاه صاحبه بأمر من الأمور، ويقول ابن الجوزي رحمه الله: العهد الذي يجب الوفاء به هو الذي يحسن فعله فإذا عاهد العبد عليه وجب الوفاء به والوعد من العهد.
وقال أيضا: العهد وهو عام فيما بينك وبين الله وفيما بينك وبين الناس[1]
وقال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد[2]
يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]، قال ابن عباس ومجاهد و وغير واحد يعنى العهود، وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك..
وقال على ابن طلحة عن عباس في قوله ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1] يعنى العهود، ما احل الله وما حرم، وما فرض وما حد في القران كله ولا تغدروا ولا تنكسوا ثم شدد في ذلك، فقال تعالى ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾ [الرعد: 25] إلى قوله ﴿ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [الرعد: 25].
وقال الضحاك ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1] قال: ما احل الله وحرم وما اخذ الله من الميثاق على من اقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما اخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام.
وقال زيد بن اسلم " ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1] قال هي سنة الله عهد الله وعقد الحلف وعقد الشركة وعقد البيع، وعقد النكاح وعقد اليمين "[3].
اعلم علمني الله وإياك: إن الوفاء خلق من أخلاق الأنبياء والأولياء والصالحين وهو كمال وافر وسلوك نبيل وهمه عالية وشجاعة نادرة، فالوفي عبد صادق مع ربه صادق مع نفسه صادق مع إخوانه لا يعرف الغدر والخيانة ولا نقض العهود.
والوفاء بالعهد صفة من صفات أولى الألباب الذين اختصهم الله بواسع رحمته واعد لهم جنته حيث يقول سبحانه ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴾ [الرعد: 20].
فهؤلاء الأوفياء ومن سار على نهجهم اعد الله لهم جنات عدن يقول سبحانه ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 22 - 24].
ولقد أمر المولى سبحانه عباده بالوفاء ونهاهم عن الغدر ونقض العهود فقال سبحانه ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 34].
وقال سبحانه ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ﴾ [النحل: 91].
وقال ﴿ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [الأنعام: 152].
وقال سبحانه ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 95]، ومن هنا وجب على كل مسلم ومسلمة الوفاء بالعهود التي أخذها الله علينا وأخذناها على أنفسنا.
العنصر الثالث: مجالات الوفاء العهود:
المجال الأول: الوفاء بعهد الله:
اعلم علمني الله وإياك... أن الله اخذ علينا العهود والمواثيق وامرنا بالوفاء بها ونهانا عن نقضها: و أول هذه العهود الإيمان به وإفراده بالعبودية ولا نشرك به أحد، فقد اخذ الله عليك العهد والميثاق في عالم الذر وقد أقررت بذلك يقول سبحانه ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ﴾ [الأعراف: 172].
يقول الشنقيطي - رحمه الله -:
فمعنى قوله: ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ [الأعراف: 172] أن إشهادهم على أنفسهم إنما هو بما نصب لهم من الأدلة القاطعة بأنه ربهم المستحق منهم لأن يعبدوه، وحده، وعليه فمعنى قالوا بلى، أي قالوا ذلك: بلسان حالهم لظهور الأدلة عليه ونظيره من إطلاق الشهادة على شهادة لسان الحال قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ﴾ [التوبة: 17] أي بلسان حالهم على القول بذلك، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ [العاديات: 6، 7] أي بلسان حاله أيضاً على القول بأن ذلك هو المراد في الآية أيضاً.
وأما السنة: فإنه قد دلت أحاديث كثيرة على أن الله أخرج ذرية آدم في صورة الذر فأخذ عليهم الميثاق كما ذكر هنا، وبعضها صحيح قال القرطبي في تفسير هذه الآية: قال أبو عمر - يعني ابن عبد البر - لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم.،محل الحاجة منه بلفظه، وهذا الخلاف الذي ذكرنا هل يكتفي في الإلزام بالتوحيد بنصب الأدلة، أو لا بد من بعث الرسل لينذروا؟ هو مبنى الخلاف المشهور عند أهل الأصول في أهل الفترة. هل يدخلون النار بكفرهم؟ وحكى القرافي عليه الإجماع وجزم به النووي في (شرح مسلم)، أو يعذرون بالفترة وهو ظاهر الآيات التي ذكرناها، وإلى هذا الخلاف أشار في (مراقي السعود) بقوله:
ذو فترة بالفرع لا يراع ♦♦♦ وفي الأصول بينهم نزاع[4]
ولما كان من طبيعة الإنسان النسيان فقد بعث الله رسله مبشرين ومنذرين، وبهذا العهد مذكرين، فمن أطاعهم فقد وفي، ومن عصاهم فقد نقض عهد الله من بعد ميثاقه، والله تعالى ينكر على من لا يجيبه من بعد ميثاقه، والله تعالى ينكر على من لا يجيب رسوله ولا يفي بعهده فيقول ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الحديد: 8]، ويوم القيامة يوبخ الله تعالى الذين نقضوا الميثاق يوبخهم على رؤوس الأشهاد فيقول ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴾ [يس: 59 - 64].
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقول الله تعالى أهون أهل النار عذاباً لو كانت لك الدنيا كلها أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أيسر من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئاً ولا أدخلك النار وأدخلك الجنة فأبيت إلا الشرك "[5]
فمن آمن بالله وعبده حق عبادته فعلم علم اليقين أنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير فتوكل واستعان واستغاث ونذر وأحب وأبغض لله فقد أوفى بعهد الله تعالى، ومن أحب غيره أو اعتقده في غيره أنه ينفع ويضر فنذر وخاف واستعان به من الولي أو النبي فقد نقص عهد الله من بعد ميثاقه.
الواقع التطبيق لهذا المجال:
وهيا لنقف مع الأوفياء الذين أوفوا بما عاهدوا الله عليه:
أولاً: إبراهيم - عليه السلام - فهو إمام الحنفاء وإمام الأوفياء يقول سبحانه وتعالى ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [النجم: 37].
يقول ابن كثير - رحمه الله - قال سعيد بن جبير - " وفي " أي بلغ جميع ما أمر به، وقال ابن عباس " وفي " لله بالبلاغ، وقال سعيد بن جبير " في " ما أمر به، وقال قتادة " وفي " طاعة الله وأدى رسالته إلى خلقه وهذا القول هو اختيار ابن جرير وهو يشمل الذي قلبه ويشهد له قوله تعالى ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ [البقرة: 124].
فقام بجميع الأوامر وترك جميع النواهي وبلغ الرسالة على التمام والكمال فاستحق بهذا أن يكون للناس إماماً يقتدي به في جميع أحواله وأقواله وأفعاله قال الله تعالى ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 123][6]
ثانياً: وفاء أنس بن النضر - رضي الله عنه -:
عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر فقال: يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت فيه المشركين لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة، ورب الكعبة إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما أصنع، قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف وطعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه قال أنس كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ﴾[الأحزاب: 23][7]
وفاء أعرابي: وهذا أعرابي آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وبايعه على الجهاد في سبيل الله فعن شداد بن الهاد - رضي الله عنه - أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فلما كانت غزوة غنم النبي - صلى الله عليه وسلم - سبياً فقسم، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخذه فجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما هذا؟ قال: " قسمته لك "، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكنني اتبعتك على أن أرمي ها هنا - وأشار إلى حلفه - بسهم فأموت فأدخل الجنة فقال " إن تصدق الله يصدقك " فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي - صلى الله عليه وسلم - أهو هو؟ قالوا: نعم، قال: صدق الله فصدقه " ثم كفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - في جبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قدمه فصلى عليه، فكان فيما ظهر من صلاته " اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً فقتل شهيداً أنا شهيد على ذلك "[8]
المجال الثاني: الوفاء مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
اعلم علمني الله وإياك: أن العبد إذا نطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وجب عليه أن يفي بمضمون تلك الشهادة لأن الشهادة إقرار وتعهد من العبد أن لا إله سوى الله تعالى الذي أخذه علينا في عالم الذر، والآن نقف مع الوفاء بعهد رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
فاعلم زادك الله علماً: أن الوفاء مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما يكون بطاعته وإتباعه والتمسك بسنته والعض عليها بالنواجذ فإن طاعته من طاعة الله يقول سبحانه وتعالى ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80] بل إنه سبحانه جعل طاعته من موجبات الهداية فقال سبحانه ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ﴾ [النور: 54].
واعلم أنك لن تحقق الوفاء بعهد الله إلا إذا حققت الوفاء مع نبيه - صلى الله عليه وسلم - لذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قيل ومن يأبى يا رسول الله؟ قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى "[9]
الواقع التطبيقي لهذا المجال:
الربيع - رضي الله عنه - وقد قضى نحبه في سبيل إعلاء كلمة الله فعن زيد بن ثابت قال بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد لطلب سعد بن الربيع وقال: إن رأيته فأقرئه مني السلام وقل له: كيف تجدك؟ قال فأتيته وهو في آخر رمق به سبعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف، ورميه بسهم، فقلت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال إني في الأموات فأبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عني السلام وقل إن سعد بن الربيع يقول جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وقل: إني أجد ريح الجنة وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: لا عذر لكم عند الله تعالى إن خلص إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكروه وفيكم عين تطرف ثم لم يبرح أن مات ))[10]
المجال الثالث: الوفاء مع الناس:
اعلم زادك الله علماً أن الوفاء بعهد الله ورسوله يقتضي الوفاء مع عباد الله ولقد أمرنا سبحانه بذلك في كتابه فقال سبحانه ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ ﴾ [النحل: 91، 92]
فالله سبحانه أمرنا بالوفاء سواء كانت هذه العهود بين المسلم وربه أو كانت بينه وبين رسوله - صلى الله عليه وسلم - كالتي كانت بين النبي والأنصار، أو كانت بينه وبين أخيه المسلم، أو كانت بينه وبين الكافرين فالآية عامة تشمل جميع تلك العهود والمواثيق.
وعهد الله: هو العهد الذي يوثق باسمه ويقام تحت سلطانه ونقض العهد ونكثه وعدم الوفاء به، والذي يعاهد قد جعل الله هو الضامن لما كفل من عهد...
والوفاء بالعهود هو الضمان لبقاء عنصر الثقة في التعامل بين الناس وبدون هذه الثقة لا تستقر الحياة ولا يعم الرخاء ولا يسود الأمن والسلام.
وإنه لجرم عظيم أن يعطي الإنسان عهداً باسم الله ويتخذ من هذا الاسم الكريم مدخلاً إلى ثقة الناس به واطمئنانهم إليه، ثم يكون منه غدر وخيانة.
وتأمل أخي المسلم إلى ذلك المثل الذي ضربه الله للعهود ولمن نقضها، حيث أنه سبحانه شبه الذي ينقض العهود بامرأة خراق إلا عقل لها ولا رأى لها فهي تغزل حتى إذا أتمت غزلها نقضته مرة أخرى فهل يرضى المسلم العاقل أن يكون مثل تلك المرأة الحمقاء؟!
ثم أوضح سبحانه أنه يختبرنا بتلك العهود فقال ﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ﴾ [النحل: 92] قال ابن جرير أي بأمره إياكم بالوفاء بالعهد ﴿ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [النحل: 92] فيجازى كل عامل بعمله من خير وشر.
واسمع إلى تلك الوصية الربانية التي يوصيك الله فيها بالوفاء بالعهد وينهاك أن تنقض العهد من أجل عرض من الدنيا قليل فيقول سبحانه ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 95، 96]
يقول ابن كثير - رحمه الله - أي لا تعتاضوا عن الإيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها فإنها قليلة ولو حيزت لابن آدم بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له، أي جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به وطلبه وحفظ عهده رجاء موعودة، ولهذا قال " إن كنتم تعلمون ما عندكم ينفد" أي يفرغ وينقضي فإنه إلى أجل معدود ومحصور مقدر متناه " وما عند الله باق " أي وثوابه لكم في الجنة باق " انقطاع ولا نفاد له فإنه دائم لا يحول ولا يزول ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 96] قسم من الرب تعالى مؤكد باللام أنه يجازى أحسن أعمالهم أي ويتجاوز عن سيئها "[11]
فيا أولي الألباب هذا جزاء من أوفى بالعهد وطلب موعود الله له فهل يليق بمسلم بعد ذلك أن ينقض العهد؟ واسمع إلى وصف المؤمنين الذين يرثون الفردوس وهم فيها خالدون لقد ذكر الله من خلالهم وصفاتهم أنهم يوفون بعهود هم ويحافظون عليها فقال جل جلاله ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 8 - 11].
الوفاء للزوجة:
واعلم علمني الله وإياك: أن العهود التي ينبغي لك الوفاء بها مع عباد الله كثيرة منها: الوفاء بعقد الزواج والوفاء بشروطه والوفاء للزوجة وكذا الزوج فإنه من أسمى العقود والعهود وقد سماه سبحانه وتعالى ميثاقاً غليظاً وحث على الوفاء به فقال سبحانه ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ [النساء: 20، 21] فليكن الزوج وفيّا لزوجته يحسن صحبتها ويعرف حقها فهي وصية النبي - صلى الله عليه وسلم - لجميع الأزواج فقال استوصوا بالنساء خيراً " فكم خدمتك زوجتك وكم سهرت من أجلك، وكم شقيت معك، وكافحت لتبني حياتك ومستقبلك، فاعرف لها فضلها واحفظ لها جميلها، وكن وفيا لها، لا تغدر بها ولا تخنها ولا تضيعها.
الواقع التطبيق لهذا المجال:
وفاء النبي - صلى الله عليه وسلم لزوجته - خديجة - رضي الله عنها:
واقتد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلقد كان المثل الأعلى في الوفاء لأزواجه تزوج خديجة - رضي الله عنها - فأقام معها خمساً وعشرين سنة لم يتزوج عليها حتى ماتت، وكان بعد موتها يذكرها بالجميل ويثنى عليها ويبر أهلها وخلائلها وفاء لها، حتى غارت عائشة - رضي الله عنها " ما غرت على أحد من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - - ما غرت على خديجة - رضي الله عنها، وما رأيتها قط، ولكن كان يكثر ذكرها ربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد[12]
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|