عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 15-09-2020, 05:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,704
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (84)
الحلقة (91)




تفسير سورة البقرة (53)


بأمر من الله خرج إبراهيم بهاجر وإسماعيل إلى مكة، وهناك حيث لا ماء، ولا زرع، ولا ضرع تركهما، تركهما في حفظ الله ورعايته، ومرّت السنون ويعود إلى مكة ليجد ابنه يافعاً، ويأتيه الأمر الإلهي ببناء البيت الحرام برفقة ابنه إسماعيل، فوفيا بالمهمة، وكان البيت الذي غدا مثاباً ومرجعاً للناس، يؤدون فيه صلواتهم، ويستيغيثون حوله بربهم.

تفسير قوله تعالى: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ...)

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً، أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إن السورة ما زالت كعهدنا بها سورة البقرة، ومع الآيات المباركات التي نستعين الله تعالى على تفسيرها وفهم معانيها، سائلين الله عز وجل أن يرزقنا الاهتداء بهديها والعمل بها، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.والآيات بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [البقرة:125-126] إلى آخر ما جاء في هذا السياق القرآني المبارك الكريم.

معنى قوله تعالى: (وإذ جعلنا البيت)

معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125] هذا خبر، وكأن الله تعالى يقول لرسوله: اذكر لهم إذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً.وقد سبق أن عرفنا دعوى اليهود، والنصارى، والمشركين أنهم حنفاء، وأنهم أتباع إبراهيم، وإبراهيم مقدس عندهم مطهر، مبجل، مرجل، وكل طائفة تنتسب إليه، وتدعي أنها من أتباع إبراهيم، وهم كاذبون، فأزاح الله الستار عنهم، وكشف عورتهم، وليس لهم بإبراهيم إلا النسبة الفارغة، وإبراهيم كان موحداً وهم مشركون، وما بقي بعد هذا شيء.فها هو تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ [البقرة:125] أيُّ بيت هذا يرحمكم الله؟ إنه الكعبة المشرفة .. إنه البيت العتيق، فـ(أل) للعهد، فهو المبيت المعروف، إذ حج هذا البيت آدم، ونوح، وهود، وصالح، وموسى، ومن بعده من الأنبياء.وهذا البيت أول بيت بني في الأرض، وذلكم أن آدم عليه السلام لما نزل من سماء الكمال إلى الأرض استوحش، فقد كان في أنس، ثم أصبح غريباً في هذه الديار مع زوجه حواء، وقيل: إنهما تلاقيا في عرفة، وكل عرف الآخر، فبنى الله تعالى بواسطة ملائكته أو من شاء من خلقه هذا البيت، فكان آدم إذا استوحش يأتي إلى ربيت ربه يسأله حاجته، ويطلب من الله مراده، فكان ملاذاً، ونِعْمَ الملاذ لآدم وحواء ولذريتهما من بعدهما.وسبب كون إبراهيم عليه السلام بناه؛ لأن السيول والأودية هدمته، وبقي زمناً طويلاً وهو عبارة عن كوم من التراب، فهذا هو البيت.

معنى قوله تعالى: (مثابة للناس)

يقول تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ أي: اذكر يا رسولنا، والمبلغ عنا! إذ جعلنا البيت مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125] ما معنى مثابة؟المثابة: مصدر ثاب إليه يثوب إذا جاء ورجع إليه، والمثابة مصدر زيدت فيه التاء.ومعنى: مَثَابَةً لِلنَّاسِ أي: مرجعاً، يروحون ويعودون، فيذهبون ويجيئون الدهر كله. أي: للطواف به، ولسؤال ربهم حاجاتهم، فهم عبيده، وهذا بيت مولاهم، وإلى الآن إذا عظمت عليك مسألة ولم تجد لها حلاً فافزع إلى الله واغتسل، وتطهر، وتجرد، ولبِ وامشِ، وبين المقام والحجر اسأل الله، فلن تخيب.وقوله: مَثَابَةً لِلنَّاسِ أولهم وآخرهم، أبيضهم وأسودهم، فليس للعرب ولا للعجم فقط، فلفظ الناس يعني لكل إنسان، فهذا بيت ربه.

معنى قوله تعالى: (وأمناً)

قال تعالى: مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125] البيت هو الأمن .. الحرم هو الأمن، وهذه لا يقدر عليها إلا الله، فالرجل يمر بقاتل أبيه أو قاتل أخيه أو سالبه ماله وحياته، ويمر به في الحرم يطأطئ رأسه، ولا ينظر إليه.والذي غرز هذه الغريزة في قلوب الجهلة في الجاهلية هو الله!قال تعالى من سورة المائدة: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ [المائدة:97] أي: معايشهم قائمة عليها، فالتجارة الفخمة العظيمة هي تجارة الحج، فيأتي العرب من أنحاء ديارهم يسوقون أموالهم وتجاراتهم، ويبيعون، ويشترون، ويتزوجون لمدة سنة، فيقطعون المسافات ولا يعترضهم أحد، ولا تشن عليهم غارة، ولا ينصب لهم كمين أبداً، وذلك في الأشهر الحرم: القعدة، والحجة، ومحرم، ثلاثة أشهر يوضع فيها السلاح، وشهر رجب وإن كان بعيداً لكن تدبير الله أن جعله في الوسط، فقد يحتاجون إلى رحلات في الشرق والغرب، فهذا الشهر -أيضاً- شهر الأمان، فاركب ناقتك، واحمل ذهبك، ولا يصدك صاد.قال: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ [المائدة:97]، فكانوا يهدون الإبل، والغنم، والأموال إلى الحرم .. إلى سكان بيت الله وحرمه .. إلى جيرة الكعبة، وقد سمعتم أن رجلاً واحداً كان ينحر كل موسم ألف بعير! وليس بصاحب بنك كأنتم، ولا صاحب مصانع، ولا بصاحب تجارة مع أوروبا، لا، إنما عبد جاهل هو الآن في النار، فيذبح ألف بعير للحجيج؛ نساء ورجالاً! ويكسو ويوزع كل سنة ألف حلة للفقراء والمساكين، والحلة: ثوبان من نوع واحد.وها هو عبد الله بن جدعان الذي انعقد في بيته حلف الفضول التاريخي الذي ما عرفت الدنيا نظيره، وشهده الرسول صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، تقول عنه أم المؤمنين رضي الله عنها للرسول: ( أرأيت يا رسول الله عبد الله بن جدعان فقد كان يفعل ويفعل هل هو في الجنة؟ قال: لا، إنه في النار ) لم؟ ( لأنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ) فما كان مؤمناً، بل كان كافراً لا يؤمن بالبعث والجزاء، ولا بالنبوة، والرسالة، والوحي الإلهي.إذاً: معاشر المستمعين والمستمعات! من القائل: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125]؟ الله.نسمع كلام الله؟ إي والله! هذا كلامه.الحمد لله! الحمد لله أن عرفنا ربنا، ونسمع كلامه، ونحن -والله- جالسون في بيته! وملايين البشر تائهون في أودية الضلال كالبهائم، لا بصيرة، ولا نور، ولا هداية، ولا معرفة، فهم أشبه بالحيوانات، والحيوانات أطهر منهم! فهم يعملون الليل والنهار من أجل -فقط- قضاء شهوة البطن والفرج.وأية نعمة أكبر من نعمة الإيمان؟! واقرءوا قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا [المائدة:3] هذه نزلت في عرفات.وقوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا [البقرة:125] ما معنى الأمن؟ الأمن بكامله، فمن دخل الحرم أو دخل في الأشهر الحرم فهو آمن، وهذا كان في الجاهلية، حيث لا قانون، ولا شريعة، ولا نبي، ولا رسول! فلما جاء الإسلام، وساد الأرض، وظهرت أعلام العدل فيه كان المسلمون هم المسئولون عن تحقيق الأمن في ذلك البلد الآمن.نعم، الآن يوجد سراق، فيأتي حجاج لهذه المهمة، يسرقون، ويأخذون أموال الحجاج وهم يطوفون بالبيت! والله العظيم.فلم ما فعل الله بهم كما فعل بالأولين؟الجواب: لأن الأولين لا شرع لهم، ولا قانون، ولا رسالة، ولا دولة، ولا حكومة، فلا بد وأن يرحمهم، فيلقي في قلوبهم مخافة الله والهيبة من الله؛ حتى لا يعتدوا على حاج أو معتمر.

معنى قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)

ثم قال تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] هذه قراءة سبعية، وقرأ نافع بصيغة الماضي واتخَذوا من مقام إبراهيم مصلى .يقول عمر رضي الله عنه: ( وافقت ربي في ثلاث )، وزاد: وافق في خمس!ومما وافق فيه الله تعالى أو وافقه الله تعالى فيما قال، ونزل القرآن به، أنه الذي اقترح وقال: ( يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟! فنزلت هذه الآية: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] )، والمصلى مكان للصلاة، وها نحن -والحمد لله- نصلي خلف المقام، فأيما طائف أو طائفة بالبيت إذا فرغ من الأشواط السبعة، ولا يكون الطواف إلا سبعة أشواط، فلا يصح ستة ولا ثمانية، ومن زاد أو نقص بطل مفعول هذه العبادة، ومعنى بطل مفعولها: لم تولد الطاقة المطلوبة، فهي تعب فقط؛ لأن العبادة إذا قننها الحكيم، واختل أداؤها بالزيادة، أو النقص، أو التقديم، أو التأخير؛ فإنها لا تولد الحسنات!وليس معنى لا تولد الحسنات أن الله لا يعطي حسنات، أو أن الملائكة لا يكتبون، إنما المعنى أن هذه العبادة توجد نوراً وطهراً في قلب العبد؛ فلهذا كم من مصل، وكم من صائم، وكم من متصدق، وكم من طالب علم، وكم من مجاهد، وكم من مرابط، وكم من ذاكر، وكم من راكع وساجد؛ يخرجون كما يقال: أصفار اليدين لا شيء!وإن قلت: كيف؟أقول: لأن هذه العبادات مقننة تقنيناً أعظم من تقنين الكيمياويات وتراكيبها، ومتى حصل فيها خلل فإنها لا تنتج أبداً.ولو عرف المسلمون هذا ما بقي مسلم لا يطلب العلم أبداً، نعم، وفي القرون الذهبية كان النساء كالرجال، فكل مؤمن يعرف كيف يعبد ربه! لكن لما صرفنا، واستجبنا للصرفة، وصرفونا، ما وجد من يعرف.فإذا سألت الفقيه: يا شيخ! أنا صليت المغرب وزدت ركعة متعمداً؟ فيقول: صلاتك باطلة، أعد صلاتك، وهذا الذي يملكه الفقيه!وآخر يقول: أنا تكاسلت فصليت العصر ثلاث ركعات فقط؟ فيقول الفقيه: صلاتك باطلة.أما نحن ففهمنا من قوله: باطلة أنها ما أنتجت، وما ولدت، فأعد الصلاة!فقوله تعالى: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125] وافق فيها عمر ربه.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.89 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.27 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.03%)]