عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 09-09-2020, 06:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: دعوة المظلوم: تبشير وتحذير

والله يسمعُ كلَّ حرفٍ موجَعٍ
فاهتْ لسانُك قائلاً رُحماكا

والله يبصرُ أفْقَك المنهوكَ ما
يبدو عليه ضياؤه لأساكا

والله يعلمُ من رماك بجَوره
ويرى على موجِ العَنا بلواكا

وهو القديرُ المستعانُ به على
قهرِ الذي أشجاك في نُعماكا

وهو القويُّ وذو الكمال فإن تَعُذْ
بجنابه وبعزّه نجاكا

فانزعْ لباسَ الحُزْنِ والْبسْ باسمًا
ثوبَ السرور فلن يخيب رجاكا

واقبرْ عنادَ اليأسِ وابعثْ للعلا
رُوحَ التفاؤلِ في جسومِ مُناكا

واعلمْ بأنَّ الظلمَ يسرعُ بالفتى
نحوَ الهلاكِ ويحصدُ السفّاكا

فانعَمْ فإنّ اللهَ ليس بغافلٍ
أو مُهمِلٍ ذاك الذي أشقاكا

واصبرْ فعُقبى الصبرِ تشرقُ بالذي
يُطفي لهيبًا ظلَّ جُرحَ حشاكا

أيها المسلمون، إن الظلم جريمة عظيمة، لا تقع في مجال واحد أو في جهة معينة، بل يقع مع جهات متعددة، ومجالات كثيرة، فالظلم يقع بين الأقربين، كما يقع بين الأبعدين، فيقع من الأولاد لوالديهم، ويقع بين الزوجين، ويقع بين الأقارب، وبين الجيران، وبين الأصدقاء، وبين الراعي والرعية، وبين الناس ممن ليست بينهم هذه الوشائج.

فمن الأولاد من يظلم والديه بقلة بره، وكثرة عقوقه، فكم من ابن عق أباه أو أمه، وكم من بنت عقت أباها أو أمها، فصبر الوالدان، لكن استمر لهيب العقوق، واختفت ظلال البر، فلم يجد الوالدان أو أحدهما-عند ذلك- إلا الدعاء على الابن العاق أو البنت العاقة، فتصعد دعوة مظلوم -وأي مظلوم! إنه أب أو أم!- إلى السماء فتستنزل من ربها العقوبة على الأولاد الظالمين بالعقوق.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد و دعوة المسافر و دعوة المظلوم)[9].


وقد يكون الظلم بين الزوجين، فيقهر زوج زوجته القائمة بحقوق الله وحقوقه، فيمنعها ما يجب عليه من الحقوق، ويتعدى عليها بما يؤذيها، وليس لها من يردعه عن غيه، ويعيده إلى رشده، فلا تجد لها ناصراً إلا دعوة مظلوم ترفعها إلى الحي القيوم، وقد تكون الزوجة هي الظالمة لزوجها بإيذائها له، وتسلطها عليه، ومنعها حقوقه، وليس من قدرة لكبح جماح ظلمها؛ لضعفه، أو لقوتها بقرابتها، فيرفع يدية إلى السماء تحملان معهما دعوة مظلوم لم يجد من ينصف له في الأرض.


وقد يكون الظلم بين الجيران، فيظلم جارٌ قويٌ قادر جاراً ضعيفًا عاجزاً، أو يكذب عليه حتى يأخذ حقه، ويستولي عليه ظلمًا وعدوانًا، ولا مغيث لذلك الجار يرد له حقه، إلا دعوة مظلوم يرسلها إلى عَنان السماء إلى الحكم العدل سبحانه وتعالى، جاء في الصحيحين عن محمد بن عبد الله بن عمر أن أباه حدثه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: أن أروى خاصمته في بعض داره فقال: دعوها وإياها؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من أخذ شبراً من الأرض بغير حقه طوقه في سبع أرضين يوم القيامة )، اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها، واجعل قبرها في دارها، قال: فرأيتها عمياء تلتمس الجدر تقول: أصابتني دعوة سعيد بن زيد، فبينما هي تمشي في الدار مرت على بئر في الدار فوقعت فيها فكانت قبرها).


أيها المسلمون، وقد يكون الظلم بين الأقارب، فربَّ قريبٍ يظلم أخاه، أو أخته، أو عمه، أو عمته، أو خالته، أو أولادهم، وليس للمظلوم قدرة على الانتصار، وأخذ الحق من الظالم، فتخرج عند ذلك من القلب المكلوم دعوة مظلوم، ترتفع إلى من لا يظلم عنده أحد.


إن رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يسلم من ظلم أقاربه، فقد أخرج الحاكم في مستدركه-بسند صحيح- عن أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه قال: كان لهب بن أبي لهب يسب النبي صلى الله عليه وسلم: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم سلط عليه كلبك)، فخرج في قافلة يريد الشام، فنزل منزلاً فقال: إني أخاف دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا له: كلّا، فحطوا متاعهم حوله، وقعدوا يحرسونه، فجاء الأسد فانتزعه فذهب به.


وقد يكون الظلم بين الراعي والراعية، فقد يوجد راعٍ يحكم رعيته بالجور والعسف، وسلب الحقوق، وكثرة الإضرار بهم، ورعيةٍ يظلمون راعيهم بعدم السمع والطاعة في المعروف، أو بالطعن فيه، وإحداث الأعمال المحظورة التي تؤذيه، فعند ذلك تصعد دعوة مظلوم إلى السماء تستنزل العقوبة على الظالم راعيًا كان أو مرعيًا. ففي محنة خلق القرآن التي ابتلى بها المأمون العباسي الناسَ وثبت فيها بعض العلماء، كان على رأسهم: الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح رحمهما الله، ذكر ابن كثير في البداية والنهاية أنهما حُملا على بعير وسيرَ بهما إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد...فلما اقترابا من جيش الخليفة ونزلوا بمرحلة جاء خادم -وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه- ويقول: يعز عليّ -أبا عبدالله- أن المأمون قد سلّ سيفًا لم يسله قبل ذلك، وإنه يقسم بقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف، قال: فجثا الإمام أحمد على ركبتيه، ورمق بطرفه إلى السماء، وقال: سيدي، غرَّ حلمُك هذا الفاجرَ حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهم فإن لم يكن القرآن كلامُك غيرَ مخلوق فاكفنا مؤنته، قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، قال: أحمد ففرحنا.


وعن عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر رضي الله عنه، فعزله واستعمل عليهم عماراً، فشكوا حتى ذكروا أنه لا يحسن يصلي، فأرسل إليه فقال: يا أبا إسحاق، إن هؤلاء يزعمون أنك لا تحسن تصلي ؟ قال أبو إسحاق: أما أنا والله فإني كنت أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرم عنها: أصلي صلاة العشاء فأركد في الاولين، وأخف في الأخريين، قال: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق، فأرسل معه رجلاً أو رجالاً إلى الكوفة فسأل عنه أهل الكوفة، ولم يدع مسجداً إلا سأل عنه، ويثنون معروفًا، حتى دخل مسجداً لبني عبس فقام رجل منهم يقال له: أسامة بن قتادة يكنى أبا سعدة قال: أما إذ نشدتنا فإن سعداً كان لا يسير بالسرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية، قال سعد: أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبًا قام رياء وسمعة فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن، وكان بعد إذا سُئل يقول: شيخ كبير مفتون، أصابتني دعوة سعد، قال عبد الملك: فأنا رأيته بعدُ قد سقط حاجباه على عينيه من الكِبَر، وإنه ليتعرض للجواري في الطرق يغمزهن) [10].


أيها الأخوة الأفاضل، نقول لكل مظلوم: أبشر، ولكن اشكُ مظلمتك إلى الله تعالى وحده، ولا تعرض مصيبتك من ظالمك على من لا يقدر على نصرك، أما من يعين على استرجاع الحق ودفع الظلم فلا بأس.


وعليك أن تدعو مخلصًا متضرعًا، مستمراً بلا استعجال؛ فقد يكون تأخير العقوبة على من ظلمك وظلم غيرك خيراً للمظلوم، وشراً على الظالم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ[آل عمران:178].


وعليك أن لا تعتدي في الدعاء على من ظلمك، فلتكن دعوتك على قدر مظلمتك.
وعليك أن لا تظلم أحداً؛ لكي تنال نصر الله لك، فهو نعم المولى ونعم النصير لمن لم يكن من الظالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
♦♦♦♦♦


الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين.


أما بعد:
أيها المسلمون، نداء لكل ظالم، ونصيحة لكل غاشم، ارفع يد الظلم، واكفف عن الإيذاء لخلق الله، قبل أن تدركك دعوات المظلومين، وتحيط بك عقوبة رب العالمين، وقبل أن تغادر الدنيا حاملاً مظالم الناس على ظهرك لتقف بين يدي الحكم العدل لينتصف لمظلوميك منك.


فسارع إلى التوبة إلى الله، ورد المظالم إلى أهلها-إن كانت مما يُرد- قبل أن يفجأك الموت فتقضي المظلومين من حسانتك، وتحمل من سيئاتهم.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يجيء الرجل يوم القيامة من الحسنات ما يظن أن ينجو بها، فلا يزال يقوم رجل قد ظلمه مظلمة فيؤخذ من حسناته فيعطى المظلوم، حتى لا تبقى له حسنة، ثم يجيء من قد ظلمه، ولم يبق من حسناته شيء، فيؤخذ من سيئات المظلوم فتوضع على سيئاته) [11].


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء، فليتحلله منه اليوم، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه ) [12].
( فخفِ القصاص غداً إذا وفّيتَ ما... كسبتَ يداك اليوم بالقسطاس
إن تمطلِ اليوم الحقوقَ مع الغنى... فغداً تؤديها مع الإفلاس ).


عباد الله، ومما ينبغي أن يسارع إليه الظالم التائب وغيرُه من المسلمين: نصرةُ المظلومين، ودفع الظلم عنهم، وإعانتهم، والتفريج عنهم؛ فقد كان من الأوامر التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرُ المظلوم[13].


وقال عليه الصلاة والسلام: (وأعينوا المظلوم) [14].
وقال أيضًا ومن مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزول الأقدام)[15].
هذا وصلوا وسلموا على النبي المختار...


[1] ألقيت في مسجد ابن الأمير الصنعاني في 25/4/1437هـ، 5/2/2016م.

[2] رواه الطبراني، وهو صحيح.

[3] رواه الحاكم، وهو صحيح.

[4] رواه الطبراني، وهو صحيح.

[5] رواه أحمد وابن حبان، وهو صحيح.

[6] متفق عليه.

[7] رواه أحمد، وهو حسن.

[8] رواه أحمد، وهو حسن.

[9] رواه البخاري في " الأدب المفرد" وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، وأحمد، وهو صحيح.

[10] رواه البخاري.

[11] رواه الطبراني، وهو صحيح.

[12] رواه البخاري.

[13] متفق عليه.

[14] رواه أحمد والترمذي، وهو صحيح.

[15] رواه أبو نعيم وابن أبي الدنيا، وهو حسن.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.89 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.26 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.03%)]