
08-09-2020, 05:37 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,399
الدولة :
|
|
رد: أمانة التجارة في الإسلام
4 - التجارة في الحلال والمباح:-
المسلم أن يتاجر في المباح ولا يتاجر فيما يحرم شرعاً: كالخمر أو ما فيه ضرر كالمخدرات، والتدخين ونحوه؛ لا يصح للتاجر المسلم أن يتاجر بشيء من ذلك، حتى ولو باعها لغير مسلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار). رواه مالك والحاكم والبيهقي والدار قطني وابن ماجه وأحمد وغيرهم، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة ).
والنبي صلى الله عليه وسلم لعن في الخمر عشرة: عاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه، وساقيها وبائعها وآكل ثمنها. فكل من شارك فيها بجهد ما فهو ملعون على لسان النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه قربة مملوءة خمرًا ليهديها إلى النبي، فقال له عليه الصلاة والسلام: ( إن الله قد حرم الخمر )، قال له: إذن أبيعها. قال: ( إن الذي حرم شربها حرم بيعها ). قال: إذن أكارم بها اليهود - أي يهديها لهم مجاملة فقال: ( إن الذي حرم بيعها وشربها حرم أن تكرم بها اليهود ). قال: فماذا أصنع بها؟ قال: ( اذهب فشنها على البطحاء ) (رواه الحميدي في مسنده ) أي صبها وأهرق ما فيها على الطريق.
ومن هنا نعلم بأن صناعة الخمر، واستيرادها، وتصديرها، والتجارة فيها، وكل ما يتعلق بها فهو حرام، بل أكثر من ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حبس العنب أيام القطاف ليبيعه من يهودي أو نصراني أو ممن يتخذه خمرًا فقد تقحم النار على بصيرة) (رواه الطبراني في الأوسط وحسنه الحافظ في بلوغ المرام). وقياسا علي ذلك حرمة التجارة في ما فيه ضر للناس.
5 - عدم الغش والتدليس:-
روى مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صُبرة طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: (أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، فمن غشنا فليس منَّا) (رواه مسلم ).
وما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «مر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) برجل يبيع طعاما، فأدخل يده فإذا هو مبلول، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ليس منا من غش» (صحيح أبي داود)، وهذا غش قصد منه إيهام الناس بأن الطعام صالح للاستعمال الآدمي، إلا أنه في الحقيقة ليس كذلك، وفيه إضرار بصحتهم وإضاعة لأموالهم، وقد نهى الإسلام عن ذلك.
فعلي البائع إظهار ما في المبيع من عيوب وهذا واجب ومن حق المسلم علي أخيه المسلم،إذ روي عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بيّنه له»(صحيح ابن ماجه).
وعن أبي سباع رضي الله عنه قال: (اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع، فلما خرجت بها أدركني يجر إزاره فقال: اشتريت؟، قلت: نعم، قال: أبيّن لك ما فيها، قلت: وما فيها؟ قال: إنها لسمينة ظاهرة الصحة، قال: أردت بها سفرا أو أردت بها لحما؟، قلت: أردت بها الحج، قال: فارتجعها، فقال صاحبها ما أردت إلى هذا أصلحك الله، تفسد علي، قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا يحل لأحد يبيع شيئا إلا بين ما فيه، ولا يحل لمن علم ذلك إلا بينه» (صحيح الترغيب) كذلك حذر المولي سبحانه وتعالى من الغش في الكيل والميزان،فجاءت آيات القرآن تذكر الناس بمراعاة القسط في المكاييل والموازين كما في قوله تعالى: ﴿ السَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ [الرحمن: 7 - 9].
وهدد الذين يتلاعبون بالمكاييل والموازين بعذاب أليم يوم القيامة فقال: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 1 - 6].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم للوزان« (زن وأرجح (رواه أبو داود والترمذي وقال: "حديث حسن صحيح).
التوجيه: فيه تنبيه إلى ما ينبغي أن يكون عليه التاجر من السعة في الوزن، وأن وزنه محاسبٌ عليه أمام الله تعالى، كما أخبر المولي سبحانه وتعالى في سورة المطففين.
6 - التزام الصدق والأمانة عند التعامل بيعا وشراء ونحوهما:
يدل على هذا ما روي عن رفاعة بن رافع الأنصاري رضي الله عنه: «أنه خرج مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى البقيع والناس يتبايعون، فنادى يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعوا أعناقهم وأبصارهم، فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق»(رواه الترمذي)، مما يدل على طلب الإسلام الصدق من المتعاملين والبر في معاملاتهم مع غيرهم.
وقد حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدق عامة، فقد روي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا»(رواه البخاري). وقال صلى الله عليه وسلم التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء) (رواه الترمذي وقال حديث حسن)، هو التاجر الذي يلتزم الأمانة والصدق في بيعه وشرائه وفي سائر معاملاته، وعن حكيم ابن حزام رضي الله عنه:أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) » (رواه البخاري ومسلم).
وكذلك نهي عن الحلف كاذباً: فإن الحلف كاذباً حرامٌ، وأشده حرمة من أجل الكسب؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه،يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل إزاره، والمنّان الذي لا يعطي شيئاً إلا منّة، والمنفق سعلته بالحلف الكاذب) (رواه مسلم).
ولقد أعطي السلف الصالح نموذجا رائعا للتاجر الصادق الأمين:
هذا يونس ابن عبيد الله رحمه الله تعالى من التجار فكان عنده حلل مختلفة الأثمان، ضرب قيمة كل حلة منها أربعمائة، وضرب كل حلة قيمتها مائتان، فمر إلى الصلاة وخلف ابن أخيه في الدكان، فجاء أعرابي وطلب حلة بأربعمائة فعرض عليه من حلل المائتين فاستحسنها ورضيها، فاشتراها فمضى بها وهي على يديه، فاستقبله يونس فعرف حلته، فقال للأعرابي: بكم اشتريت؟ فقال بأربعمائة، فقال: لا تساوي أكثر من مائتين فارجع حتى تردها، فقال: هذه تساوي في بلدنا خمسمائة وأنا أرتضيها، فقال له يونس: انصرف فإن النصح في الدين خير من الدنيا بما فيها، ثم رده إلى الدكان ورد عليه مائتي درهم، وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله وقال: أما استحييت، أما اتقيت الله، تربح مثل الثمن وتترك النصح للمسلمين، فقال: والله ما أخذها إلا وهو راض بها، قال: فهلا رضيت له بما ترضاه لنفسك.
7 - الشعور الدائم بمراقبة الله تعالى:-
وهذا من منهج الإسلام الذي وضعه لتربية الناس على خلق الأمانة خاصة في البيع والشراء فقد غرس الإسلام في نفوس أتباعه الشعور الدائم بمراقبة الله تعالى، والإحساس بمعيته في جميع الأحوال في السفر والحضر، في الخلوة والجلوة، في الليل والنهار، في السرّ والعلانية، كما في قوله تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: 7].
كما غرس فيهم عقيدة إحصاء الأعمال وتسجيلها على أصحابها بواسطة الملائكة كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: 10 - 12].
كما غرس فيهم عقيدة البعث والحساب على الأعمال يوم القيامة، كما في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8].
وهكذا ربط هذا المنهج التربوي الناس بربهم فراقبوه في أعمالهم حتى أينعت ثمرات هذا المنهج، فظهرت الأمانة في أبهى صورها عبر أحداث روتها لنا كتب الحديث الصحيحة ومن ذلك ما روى عن عبد الله بن دينار أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة، فعرسنا في بعض الطريق، فانحدر بنا راعٍ من الجبل فقال له:
يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم، فقال: إني مملوك فقال: قل لسيدك أكلها الذئب، فقال الراعي: فأين الله؟ فبكى عمر رضي الله عنه ثم غدا مع المملوك، فاشتراه من مولاه، وأعتقه، وقال: أعتقتك الصدق في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن يعتقك في الآخرة.
8 - عدم الاحتكار:-
وهو حبس الشيء عن العرض وقت الرخص، وبيعه وقت الغلاء في السوق، وعند اشتداد الحاجة إليه.
لأن الاحتكار حرام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحتكر إلا خاطئ)» رواه مسلم وأبو داود)، ويتناول كل سلعة يحتاج إليها المسلمون، ووصفه أنه "خاطئ" ليس هيّناً، وقد وصف الله فرعون وهامان وجنودهما فقال: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ ﴾ [القصص: 8]. وقد وصف الله تعالى أهل النار بأنهم خاطئون فقال تعالى: ﴿ وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ ﴾ [الحاقة: 36، 37].
وروي عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس) (الترغيب والترهيب).
وروي عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من احتكر طعاما أربعين ليلة، فقد برئ من الله وبرئ الله منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا، فقد برئت منهم ذمة الله تبارك وتعالى) (الترغيب والترهيب).
وذهب جمهور الفقهاء على أن ما يحرم احتكاره هو أقوات الآدميين والدواب، بينما يرى فريق من الفقهاء منهم المالكية حرمة احتكار كل ما يحتاجه الناس وإن لم يكن من قبيل الأقوات، فيدخل على هذا احتكار مواد البناء والأدوية والثياب والسلع الاستهلاكية ونحوها من كل ما يحتاجه الناس ويترتب على احتكاره ضيق لهم وعنت وأضرار بهم.
إنَّ الاحتِكار جريمةٌ ضدَّ الإنسانيَّة تستوجِبُ الطَّرد من رحمة الله؛ ولذلك قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم الجالب مرزوق والمحتكر ملعون)؛ لأنَّ المحتكرين كما يقول أحد أساتذة الاقتصاد في الجامعة الأمريكية - تائِهون في مُطاردة المال الذي يَجب أن يكون الوسيلةَ إلى الحياة الطيِّبة، لا غاية في ذاته، حتى نسُوا الغاية وأمعنوا في التعلُّق بالوسيلة.
فأين أولئك المحتكرون أصحاب رؤوس الأموال في الدول الكبري من موقفِ المسلمين في مشارِق الأرْض ومغاربِها عام الرَّمادة، يوم أن أصاب القحط الجزيرة العربية، فانْهمرت المؤن من مِصر وإفريقيا والعِراق، وكل أرْضٍ عَلَتْ فيها رايةُ الحقِّ - لتنقذ إخوةً في الإنسانية، حتَّى كانت قوافل عمرو بنِ العاص بالنَّجدة أوَّلها في المدينة المنوَّرة، وآخرها في الفسْطاط على النيل.
وأين هم من سيدنا عثمان ابن عفان رض الله عنه هذا عثمان رضي الله عنه في عام الرمادة وقد أشتد بالمسلمين الفقر والجوع جاءت تجارته من الشام ألف بعير محملة بالتمر والزيت والزبيب فجاءه تجار المدينة وقالوا له تبيعنا و نزيدك الدرهم درهمين؟ فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه لهم لقد بعتها بأكثر من هذا. فقالوا نزيدك الدرهم بخمسة؟ فقال لهم عثمان رضي الله عنه لقد زادني غيركم الدرهم بعشرة: فقالوا له فمن الذي زادك؟ وليس في المدينة تجار غيرنا؟ فقال لهم عثمان رضي الله عنه لقد بعتها لله ولرسوله فهي لفقراء المسلمين. الله أكبر!!. ماذا لو لم يكن يحمل بين جوانحه ضمير المؤمن الحي لكانت هذه الفرصة لا تعوض ليربح أموال طائلة ولو كانت على حساب البطون الجوعى والأجساد العارية وآهات المرضى والثكالى وهموم أصحاب الحاجات. إنه مهما خوف الناس وبعث في قلوبهم الرعب برقابة البشر فهي تسقط أمام رقابة الذات ورقابة الله وما تغيرت الحياة وحدث البلاء ووجدت الخيانة وانتشر الظلم إلا يوم ضعفت رقابة الله في قلوب البشر.
9 - الحذر من الربا:
الحذر كل الحذر من الربا،وذلك للنصوص الكثيرة من الكتاب الكريم والسنة المطهرة الدالة على حرمة المعاملات الربوية، من مثل قول الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 278، 279].
وقال تعالى له: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275].
وعند مسلم وغيره من حديث جابر: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه) وقال: هم في الإثم سواء.
10 - البعد عن الإضرار بأهل السوق من التجار:
إذا لا يجوز للتاجر أن يبيع علي بيع أخيه كما يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح البخاري ومسلم: "لا يبع بعضكم على بيع بعض".
كذلك لا يجوز له أن يبيع سلعته بأرخص مما يبيع أهل السوق، رغبة في الإضرار بهم، وإحداث الكساد لتجارتهم، وقد نهى سيدنا عمر رضي الله عنه خليفة المسلمين التجار عن الإضرار بزملائهم في السوق، ببيع سلعهم بأرخص مما يبيع به سائرهم، فقد روي عن سعيد بن المسيب: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر على حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وهو يبيع زبيبا له في السوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا» (سنن البيهقي)، وما روي عن عمرو بن شعيب قال: «وجد عمر بن الخطاب حاطب بن أبي بلتعة يبيع الزبيب بالمدينة، فقال: كيف تبيع يا حاطب؟، فقال: مُدّين، فقال له عمر: تبتاعون بأبوابنا وأفنيتنا وأسواقنا، وتقطعون في رقابنا، ثم تبيعون كيف شئتم، بع صاعاً وإلا فلا تبع في سوقنا، وإلا فسيروا في الأرض واجلبوا ثم بيعوا كيف شئتم»(مصنف عبدالرزاق)، وقول عمر رضي الله عنه ذلك لحاطب يدل على حرمة مخالفة بعض البائعين للسعر الذي تعارف عليه سائرهم لبيع سلعهم به في السوق، ولهذا طلب عمر من حاطب الالتزام بنظام السوق في البيع، حتى لا يضر بمن يبيعون نفس السلعة، أو يجلب سلعته ثم يبيعها في أي موضع آخر غير السوق، وفي هذا حماية للبائعين حتى من زملائهم الذين يبيعون نفس السلعة في السوق.
11 - اليسر والسماحة في البيع والشراء:-
كثيرًا ما يخسر الناس بعضهم البعض بسبب البيع والشراء؛ وذلك لأن كل طرف يُريد أن يحقِّق أكبر قدر من الربح؛ وحيث إن الكثير من البضائع ليس لها سعر محدَّد معروف يُصبح التفاوض حول الثمن أمرًا حتميًّا قد يقود إلى أزمات بين البائع والمشتري؛ ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى دومًا إلى سلامة العلاقات الإنسانية في مجتمعه فإنه وَجَّه الجميع إلى التعامل بروح السماحة في العمليات التجارية المختلفة؛ فقد روى البخاري عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى".
وهذه السماحة تقتضي أن يتنازل كلُّ طرف عمَّا يراه مناسبًا، ولو بدرجة نسبية؛ بحيث يلتقي البائع والمشتري في منتصف الطريق؛ وذلك دون أن تضيع روح المودَّة والأدب بين الطرفين.
وفي لفظ آخر للترمذي:غَفرَ الله لرجل كان قبلكم سهلاً إذا باع، سَهلاً إذا اشترى سهلاً إذا اقتضى )أخرجه الترمذي عن جابر وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام أيضاً:أَلا أخبركم بمن يحرم على النار، وبمن تحرم عليه النار؟ على كل قريب هين سَهْل ([ الترمذي]).
12 - إعطاء حق الله في المال مثل الزكاة والصدقات حتى تتحقق البركات والنماء والطهارة.
يقوّم بضاعته كل عام ويزكيها بنسبة ربع العشر، أي: 2،5%، في كل ما هو معد للبيع، ويصرفها كما أمر الله تعالى في الأصناف الثمانية، فلا يترك للشيطان مجالاً للوسوسة وللأمر بالفحشاء والتخويف من الفقر، كما قال تعالى: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 268].
وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39].
العنصر الرابع: أثر الالتزام بالضوابط الشرعية في التجارة:-
هذه الضوابط الشرعية للتجارة تحقق المقاصد الآتية:
• تحقيق الخير والبركة والنماء في الأرزاق.
• تجنب الوقوع في الحرام وبالتالي عدم ارتكاب الذنوب والمعاصي والرذائل.
• تجنب الشك والريبة بين المسلمين وتحقيق العدل بين الناس في المعاملات.
• التأكيد على شمولية الإسلام وأنه دين عبادات وأنه منهج حياة.
• الدعوة إلى الله على بصيرة وعلم وربط الأقوال بالأفعال.
• تقديم نموذج متميز لرجل الأعمال المسلم في حلبة الحياة العملية.
• التمكين لشرع الله أن يطبق ويسود لإنقاذ البشرية مما هي فيه من بؤس وشقاء وضنك.
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا في أموالنا وأن يؤلف بين قلوبنا وأن يصلح ذات بيننا،واللهم اغننا بحَلالِك عنحرامك وبفضلك عمَّن سواك، وتوفنا وأنت راض عنا يا كريم. اللهم آمين.
تمت بفضل الله ورحمته.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|