وقال قتادة: أمَر الله أنْ يُهابَ نبيُّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأنْ يُبَجَّلَ وأنْ يُعظَّمَ وأنْ يُسوَّدَ.
وقال مُقاتِل بن حيَّان: لا تُسمُّوه إذا دعَوْتموه: "يا محمد"، ولا تقولوا: "يا ابن عبد الله"، ولكن شَرِّفُوه، فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله.
وقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ [الأحزاب: 53]
وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 53].
وتوقيرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمه واحترامه بعد وفاته لازم كما كان حالَ حياته، وذلك عند ذِكره وذكر حديثه وسنته، وسماع اسمه وسيرته، وتوقيرُ أهل بيته وصحابته.
عن السائب بن يزيد قال: كنتُ قائمًا في المسجد فحصَبَنِي رجلٌ، فنظرت فإذا عمرُ بن الخطاب، فقال: اذهَبْ فائتني بهذين، فجئتُه بهما، فقال: مَن أنتما؟ أو مِن أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتُما من أهل البلد لأوجعتُكما؛ تَرفعان أصواتَكما في مسجدِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
وقد كان من توقير أهل العلم للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يحدثون بحديثه إلا وهم على أحسن حال وهيئة، ويربون أتباعهم على ذلك، قال أبو سلمة الخزاعي رحمه الله تعالى: (كان مالك بن أنس إذا أراد أن يخرج ليُحدّث توضأ وضوءه للصلاة، ولبس أحسن ثيابه، ولبس قلنسوة، ومشط لحيته، فقيل له في ذلك، فقال: أوقر به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحاضرين بالسكوت وقال: ﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾ [الحجرات: 2] ويتأول أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله.
وهذا الحسن البصري رحمه الله تعالى كان يبكي إذا حدّث بحديث الجذع الذي بكى لما فارقه النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: يا عباد الله، الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ شوقا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه.
من توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم: كثرة الصلاة والسلام عليه:
فالمحِب لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي لا يمل من كثرة الصلاة والسلام عليه، هو الذي لا يبخل بالصلاة عليه عند سماع اسمه وقراءة حديثه، فقد قال عليه الصلاة والسلام: « البخيل مَن ذُكِرتُ عنده ثم لم يُصَلّ عَليّ ». أخرجه الإمام أحمد وابن حبان والنسائي والحاكم وصححه.
ومن توقيره عليه الصلاة والسلام: تعظيمُ شرعِه وحُكمِه وسُنّتِه:
فما عظّمَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ولا وقَّرَه من يعترض على شرعه وحُكمه؛ فعن أبي رافع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا أُلْفِيَنَّ أحدَكم مُتّكِئا على أريكتِه، يأتيه الأمرُ من أمري مما أمَرْتُ به أو نهيْت عنه، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه». أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
وقال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65]. أي: إذا حَكَّموك في أمر من الأمور فعليهم أن يطيعوك في بَواطنهم، فلا يجدُون في أنفسهم حرَجًا ممَّا حكمت به، وينقادون له في الظاهر فيُسلِّمون لذلك تسليمًا كليًّا من غير مُمانَعة ولا مُدافَعة ولا مُنازَعة.
وعن سفيان بن عيينة قال: قال رجلٌ لمالك رحمه الله: مِنْ أينَ أُحْرِم؟ قال: مِن حيثُ أمَر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأعاد عليه مِرارًا، قال: فإنْ زدتُ على ذلك؟ قال: فلا تفعل، فإنِّي أخاف عليك الفتنة، قال: وما في هذا مِن الفتنة؟! إنما هي أميال أزيدُها، قال: إنَّ الله يقول: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]. قال: وأيُّ فتنة في هذا؟ قال: وأيّ فتنة أعظمُ مِن أنْ ترى أنَّك أصبتَ فضلاً قصُرَ عنه رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم؟ أوْ تَرى أنَّ اختيارَك لنفسِك خيرٌ مِن اختيار الله؟.
ومن توقيره عليه الصلاة والسلام: محبته أكثر من غيره من الخلق:
قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24]
وروى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه مِن والِده ووَلَده، والناسِ أجمعين».
وفي بيان قدر النبي صلى الله عليه وسلم ووجوب نصرته يقول ربنا عز وجل: ﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ [التوبة: 120]
ويقول سبحانه: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [الأحزاب: 6]
وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن هشام رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آخِذٌ بيَدِ عمرَ بن الخطاب، فقال له عمرُ: يا رسول الله، لأنتَ أحَبّ إليّ مِن كل شيء إلا مِن نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك» فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحبّ إليّ من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر».
ومن توقيره عليه الصلاة والسلام: طاعتُه واتباعه:
فطاعته طاعة لله، كما أن مخالفته مخالفة لأمر الله، قال تعالى: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]
وقال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: 7]. أي: مهما أمرَكُم به فافعَلُوه، ومهما نَهاكم عنه فاجتَنِبوه، فإنَّه إنَّما يأمُر بخيرٍ وإنَّما ينهى عن شرٍّ.
ومن خالف أمره عليه الصلاة والسلام فقد ضل عن سواء السبيل، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 50]
وطاعة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه علامة على صدق محبة العبد لربه سبحانه، لقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾[آل عمران: 31، 32].
ولا سبيل إلى الجنة إلا بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلّ أمتي يدخلون الجنة إلا مَن أبى»، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: «مَن أطاعني دخل الجنة، ومَن عصاني فقد أبى».
فأين نحن من توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتقديره واحترامه؟.
أين نحن من توقيره؛ ونحن نخالف أمره ونترك سنته؟.
أين نحن من توقيره؛ ونحن نتلاعب بدينه وشرعه؟.
فهل وقرَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَن غيّرَ دينَ الله تعالى، وأولّ النصوص المحكمة الواضحة، ليوافقَ أهواء البشر ورغباتهم؛ لجاهٍ يبتغيه، أو مالٍ يطلبه، أو دُنيا يريدها، والنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أنه سيتبرأ يوم القيامة ممن بدّل وغيّر مِن بَعْدِه. ففي الصحيحين عن سهل بن سعد، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني فرَطُكم على الحوض، مَن مَرّ علي شَرب، ومَن شرب لم يظمأ أبدا، لَيَرِدَنّ عليّ أقوام أعْرِفُهم ويَعْرِفوني، ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مِني، فيُقال: إنك لا تدري ما أحْدثوا بعدَك، فأقول: سُحقا سُحقا لمن غيّرَ بَعدي».
وهل وقرَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَن يَسْخَرون مِن سُنتِه، ويطالبون باطراح دينه، ويسعون في صرف الناس عنه واستبداله بمناهج الشرق والغرب؟.
وهل وقرّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم من يريد القضاء على أخلاقه التي ربى عليها أمته، ووعد المتخلقين بها بجواره في مجالس الجنة، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون»، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون». أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله عنه، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة.
فاتقوا الله عباد الله، وتمسكوا بدينكم، واعْرِفوا لنبيكم صلى الله عليه وسلم حَقّه وقدْرَه، ووقروه وعزروه، وعظموا سنته، واحفظوا له مكانته، وأنزلوه منزلته التي أنزله الله تعالى إياها بلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو وتقصير، واقرؤوا سيرته، وتزودوا من حديثه، وأطيعوا أوامره، واجتنبوا زواجره؛ فذلكم هو طريق النجاة والنجاح، وسبيل الفوز والفلاح، ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 71].
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الفائزين، وأن يجعلنا من المفلحين، وأن يجعلنا من أتباع نبيه الأمين.
اللهم اجعلنا من المتمسكين بسنته، المتبعين لهديه، الفائزين بشفاعته.
اللهم أوردنا حوضه، واحشرنا في زمرته، ومُنّ علينا بمرافقته في جنات النعيم، يا رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على حبيبنا ونبينا وقدوتنا وقرة أعيننا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.