عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 05-09-2020, 04:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,521
الدولة : Egypt
افتراضي رد: إن الله هو السلام


فيا أيها الإخوة! أفشوا السلام بينكم فإن من أراد القرب من الله تعالى فعليه بإفشاء السلام، فعن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام ". [17] والحديث أخرجه أبو داود بإسناد جيد، وأخرجه الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه قيل يا رسول الله، الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام، قال أولاهما بالله تعالى.[18]


وهناك - أيها الإخوة -! سنن مهجورة في باب السلام رحم الله من حرص عليها وأحياها.

ومن هذه السنن نذكر ما يلي أولًا: استحباب إعادة السلام على من تكرر لقاؤه من قرب بأن دخل ثم خرج ثم دخل في الحال، أو كاثنين حالت بينهما شجرة ونحوها.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث المسيء صلاته أنه جاء فصلى ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه فرد عليه السلام فقال: " ارجع فصل فإنك لم تصل " فرجع فصلى، ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وسلم حتى فعل ذلك ثلاث مرات " [19]


ثانيًا: السلام عند القيام من المجلس كما في الحديث الذي أخرجه البخاري في " الأدب المفرد ": " إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فيسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة ". [20]


قال العلامة الألباني - رحمه الله -: والسلام عند القيام من المجلس أدب متروك في بعض البلاد، وأحق من يقوم بإحيائه هم أهل العلم وطلابه، فينبغي لهم إذا دخلوا على الطلاب في غرفة الدرس مثلا أن يسلموا، وكذلك إذا خرجوا، فليست الأولى بأحق من الأخرى[21]


ثالثًا: من هذه السنن المهجورة في السلام الرد على من قال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته بأفضل منها بأن يقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾ [النساء: 86]، وقد دلت السنة على ذلك فقد أخرج ابن السني من حديث أنس قال " كان رجل يمر فيقول السلام عليك يا رسول الله فيقول له وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه ".

وأخرج البيهقي في " الشعب " من حديث زيد بن أرقم " كنا إذا سلم علينا النبي صلى الله عليه وسلم قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته "

قال الحافظ ابن حجر في الفتح: وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت قوي ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على وبركاته. [22]


قلت: لكن قد صح بعض هذه الأحاديث وهو حديث: [كنا إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم علينا قلنا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته]. صححه العلامة الألباني في الصحيحة.[23] فثبتت المشروعية والحمد لله رب العالمين.

فهذه - أيها الإخوة - ثلاث سنن مهجورات جعلنا الله ممن يحييها فيحيي الله بذلك قلوبنا.

رابعًا: سنة السلام على المصلي فإذا دخلت المسجد وليس فيه أحد إلا رجلًا قائمًا يصلي فيستحب السلام عليه وهو يرد إشارة بيده، فقد كان المسلمون يلقون السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة وكان يرد عليهم بالإشارة؛ فعن ابن عمر عن صهيب أنه قال: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فسلمت، فرد إليَّ إشارة. [24]


وفي الجملة - أيها الإخوة - ينبغي على المسلم أن يسلك سبيل السلام التي تؤدي إلى دار السلام قال الله عز وجل: ﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 16]، وقال: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [يونس: 25]

وللحديث بقية بعد جلسة الاستراحة وأستغفر الله لي ولكم.
• • •


الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.

أما بعد، فيا أيها الإخوة!
إن لاسم الله السلام أعظم الآثار في الأنفس والآفاق قال ابن القيم - رحمه الله تعالى - في اسم (السلام): [الله] أحق بهذا الاسم من كل مسمى به، لسلامته سبحانه من كل عيب ونقص من كل وجه فهو السلام الحق بكل اعتبار، والمخلوق سلام بالإضافة، فهو سبحانه سلام في ذاته عن كل عيب ونقص يتخيله وهم، وسلام في صفاته من كل عيب ونقص، وسلام في أفعاله من كل عيب ونقص وشر وظلم وفعل واقع على غير وجه الحكمة، بل هو السلام الحق من كل وجه وبكل اعتبار، فعلم أن استحقاقه تعالى لهذا الاسم أكمل من استحقاق كل ما يطلق عليه، وهذا هو حقيقة التنزيه الذي نزه به نفسه، ونزهه به رسوله. فهو السلام من الصاحبة والولد، والسلام من النظير والكفء والسمي والمماثل، والسلام من الشريك. ولذلك إذا نظرت إلى إفراد صفات كماله وجدت كل صفة سلاماً مما يضاد كمالها، فحياته سلام من الموت ومن السِّنة والنوم، وكذلك قيوميته وقدرته سلام من التعب واللغوب، وعلمه سلام من عزوب شيء عنه أو عرض نسيان أو حاجة إلى تذكر وتفكر، وإرادته سلام من خروجها عن الحكمة والمصلحة، وكلماته سلام من الكذب والظلم بل تمت كلماته صدقاً وعدلاً، وغناه سلام من الحاجة إلى غيره بوجه ما، بل كل ما سواه محتاج إليه وهو غني عن كل ما سواه، وملكه سلام من منازع فيه أو مشارك أو معاون مظاهر أو شافع عنده بدون إذنه، وإلاهيته سلام من مشارك له فيها، بل هو الله الذي لا إله إلا هو، وحلمه وعفوه وصفحه ومغفرته وتجاوزه سلام من أن تكون عن حاجة منه أو ذل أو مصانعة كما يكون من غيره، بل هو محض جوده وإحسانه وكرمه، وكذلك عذابه وانتقامه وشدة بطشه وسرعة عقابه سلام من أن يكون ظلماً، أو تشفياً أو غلظة، أو قسوة، بل هو محض حكمته وعدله ووضعه الأشياء في مواضعها، وهو مما يستحق عليه الحمد والثناء كما يستحقه على إحسانه، وثوابه، ونعمه، بل لو وضع الثواب موضع العقوبة لكان مناقضاً لحكمته ولعزته، فوضعه العقوبة موضعها هو من عدله، وحكمته، وعزته، فهو سلام مما يتوهم أعداؤه الجاهلون به من خلاف حكمته.

وقضاؤه وقدره سلام من العبث والجور والظلم، ومن توهم وقوعه على خلاف الحكمة البالغة.

وشرعه ودينه سلام من التناقض والاختلاف والاضطراب وخلاف مصلحة العباد ورحمتهم والإحسان إليهم وخلاف حكمته بل شرعه كله حكمة، ورحمة، ومصلحة، وعدل، وكذلك عطاؤه سلام من كونه معاوضة أو لحاجة إلى المعطي.

ومنعه سلام من البخل وخوف الإملاق، بل عطاؤه إحسان محض لا لمعاوضة ولا لحاجة، ومنعه عدل محض وحكمة لا يشوبه بخل ولا عجز.

واستواؤه وعلوه على عرشه سلام من أن يكون محتاجاً إلى ما يحمله أو يستوي عليه، بل العرش محتاجاً إليه وحملته محتاجون إليه، فهو الغني عن العرش وعن حملته وعن كل ما سواه، فهو استواء وعلو لا يشوبه حصر ولا حاجة إلى عرش ولا غيره ولا إحاطة بشيء به - سبحانه وتعالى -، بل كان سبحانه ولا عرش ولم يكن به حاجة إليه وهو الغني الحميد، بل استواؤه على عرشه واستيلاؤه على خلقه من موجبات ملكه وقهره من غير حاجة إلى عرش ولا غيره بوجه ما.

ونزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا سلام مما يضاد علوه وسلام مما يضاد غناه، وكماله سلام من كل ما يتوهم معطل أو مشبه، وسلام من أن يصير تحت شيء أو محصوراً في شيء، تعالى الله ربنا عن كل ما يضاد كماله.

وغناه وسمعه وبصره سلام من كل ما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل، وموالاته لأوليائه سلام من أن تكون عن ذل كما يوالي المخلوق المخلوق، بل هي موالاة رحمة، وخير، وإحسان، وبر كما قال: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ ﴾ [الإسراء: 111].

وكذلك محبته لمحبيه وأوليائه سلام من عوارض محبة المخلوق للمخلوق من كونها محبة حاجة إليه أو تملق له أو انتفاع بقربه، وسلام مما يتقوله المعطلون فيها.

وكذلك ما أضافه إلى نفسه من اليد والوجه فإنه سلام عما يتخيله مشبه أو يتقوله معطل.

فتأمل كيف تضمن اسمه السلام كل ما نزه عنه - تبارك وتعالى -. وكم ممن حفظ هذا الاسم لا يدري ما تضمنه من هذه الأسرار والمعاني والله المستعان. [25]


أيها الإخوة ومن معاني اسم الله السلام: أنه هو المسلم لعباده من الآفات والبليات، ولذلك لا يقال السلام على الله لأن هذا دعاء والله الغني عن العباد وليس بحاجة سبحانه إلى دعاء الناس فالعباد لن يبلغوا ضره فيضروه، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه، بل هم الفقراء إليه، المحتاجون إليه في جميع أحوالهم، وهو الغني الحميد.

وإنما المشروع هو تعظيمه وتقديسه سبحانه والإيمان بأنه موصوف بصفات الكمال روى البخاري ومسلم عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم فليقل التحيات لله والصلوات الطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله ثم ليتخير من الكلام ما شاء. [26]


ففي هذا الحديث - أيها الإخوة -: تفسير السلام، وأنه تحية ودعاء وأنه لا يصلح لله، لأنه يوهم نقص الله عز وجل، لأن فيه عيبًا والله عز وجل هو الغني عن العباد، وهم كلهم محتاجون إليه، فله تعالى الكمال المطلق، ولأنه خالف الحقيقة فالله - جل وعلا - يُدعى ولا يُدعى له، لأنه هو المسلِّم على عباده الذي يعطي السلام لجميع العباد وهو الغني عن العالمين، كما قال تعالى: ﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ ﴾ [النمل: 59] وقال تعالى: ﴿ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ﴾ [الصافات: 181] فهو السلام ومنه السلام، لا إله غيره ولا رب سواه. [27]


ولذلك قالت اللبيبة الأربية الفطنة الكاملة خديجة رضي الله عنها لما نقل إليها النبي صلى الله عليه وسلم ربها إليها كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّى، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَبَ.

وزاد النسائي كما في سننه الكبرى، أنها قالت: إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. [28] وهذا من فقهها رحمها الله ورضي عنها، أنها لم تقل: السلام على الله.

وصدق المصطفى: كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ ".[29]


نسأل الله أن يفقهنا في الدين وأن يعلمنا أسماءه وأن يلقي علينا وعلى بلادنا السلام ونسأله سبحانه أن يوفقنا للخير، وأن يلهمنا رشدنا، وأن يجعلنا إخوة متحابين متآلفين، وأن يجنبنا المحن والفتن ما ظهر منها وما بطن.

الدعاء.

[1] انظر معاجم اللغة مادة (سلم).
[2] أخرجه مسلم (179).
[3] أخرجه مسلم (592)
[4] أخرجه مسلم 6737.
[5] أخرجه البخاري (2/ 233 - 234) والسياق له، ومسلم (1/ 112 - 114).
[6] أخرجه مسلم 503.
[7] أخرجه الترمذي 3451، وهو في الصحيحة (1816)، الكلم الطيب (161 / 114).
[8] أخرجه البخاري 10، ومسلم 171.
[9] أخرجه البخاري 6016.
[10] الروض النضير 1075 و457 / 2، والصحيحة 1607.
[11] الصحيحة 184.
[12] أخرجه البخاري 6227 ومسلم 7342.
[13] أخرجه مسلم 203.
[14] شرح النووي على مسلم - (1 / 143).
[15] أخرجه البخاري موقوفا على عمار باب إِفْشَاءُ السَّلاَمِ مِنَ الإِسْلاَمِ.
[16] عون العلي الحميد، بتصرف.
[17] أخرجه أبو داود 5197، وصححه الألباني الكلم الطيب (198)، المشكاة (4646)، صحيح الكلم الطيب، الطبعة الجديدة الصفحة (72).
[18] أخرجه الترمذي 2694، وصححه الألباني المشكاة (4646)، تخريج الكلم الطيب (198).
[19] أخرجه البخاري 757، ومسلم 911.
[20] أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " (1007 و1008) وأبو داود (5208) والترمذي (2 / 118) وهو في الصحيحة 1 / 306.
[21] " السلسلة الصحيحة " 1 / 306.
[22] فتح الباري لابن حجر - (17 / 444).
[23] الصحيحة 1449.
[24] أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي، وصححه الألباني، انظر صحيح سنن الترمذي (301)، وفي رواية لمسلم عن جابر: (فسلمت عليه، فأشار إلي).وانظر: صحيح أبي داود (858).

[25] بدائع الفوائد - (2 / 364).
[26] أخرجه البخاري 835، مسلم 924.
[27] انظر: شرح كتاب التوحيد (240) للعلامة ابن باز.
[28] السنن الكبرى (8359)، (10208).
[29] أخرجه البخاري (3411)، (3433) ومسلم (2431).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.95 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.82%)]