عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 01-09-2020, 04:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أصناف الناس مع نعم الله



ويمنح الله الذرية – مع رحمته – فإذا هي زينة في الحياة ومصدر فرح واستمتاع، ومضاعفة للأجر في الآخرة بالخلف الصالح الذي يذكر الله. ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء ونكد وعنت وشقاء، وسهر بالليل وتعب بالنهار!

ويهب الله الصحة والقوة – مع رحمته – فإذا هي نعمة وحياة طيبة. والتلذذ بالحياة. ويمسك نعمته فإذا الصحة والقوة بلاء يُسلِّطه الله على الصحيح القوي. فينفق الصحة والقوة فيما يحطم الجسم ويفسد الروح، ويدخر السوء ليوم الحساب!

ويعطي الله السلطان والجاه – مع رحمته – فإذا هي أداة إصلاح. ومصدر أمن. ووسيلة لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر. ويمسك الله رحمته فإذا الجاه والسلطان مصدر قلق على قوتهما، ومصدر طغيان وبغي بهما، ومثار حقد وموجدة على صاحبهما لا يقر له معهما قرار. ولا يستمتع بجاه ولا سلطان، ويدخر بهما للآخرة رصيدًا ضخمًا من النار!

والعلم الغزير. والعمر الطويل. والمقام الطيب. كلها تتغير وتتبدل من حال إلى حال... مع الإمساك ومع الإرسال.. وقليل من المعرفة يثمر وينفع، وقليل من العمر يبارك الله فيه. وزهيد من المتاع يجعل الله فيه السعادة.

ورحمة الله لا تعز على طالب في أي مكان ولا في أي حال. وجدها إبراهيم عليه السلام في النار. ووجدها يوسف عليه السلام في الجُب كما وجدها في السجن. ووجدها يونس – عليه السلام – في بطن الحوت في ظلمات ثلاث. ووجدها موسى عليه السلام في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به ويبحث عنه. ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور. فقال بعضهم لبعض: ﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ [الكهف:16]. ووجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار.. ووجدها كل من آوى إليها يأسًا من كل ما سواها. منقطعًا عن كل شبهة في قوة، وعن كل مظنة في رحمة، قاصدًا باب الله وحده دون الأبواب.

ثم إنه متى فتح الله أبواب رحمته فلا ممسك لها. ومتى أمسكها فلا مرسل لها. ومن ثم فلا مخافة من أحد ولا رجاء في أحد. ولا مخافة من شيء، ولا رجاء في شيء، ولا خوف من فوت وسيلة، ولا رجاء مع الوسيلة إنما هي مشيئة الله. ما يفتح الله فلا ممسك. وما يمسك الله فلا مرسل، والأمر مباشرة إلى الله.. ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾.. يقدر بلا معقب على الإرسال والإمساك. ويرسل ويمسك وفق حكمة تكمن وراء الإرسال والإمساك وما بين الناس ورحمة الله إلا أن يطلبوها مباشرة منه، بلا وساطة وبلا وسيلة إلا التوجه إليه في طاعة وفي رجاء وفي ثقة وفي استسلام. [8].

أيها الإخوة! "إنها دعوة حرّى لليقين بأن الله -عز وجل- هو مسبب الأسباب ومقدر الأقدار وهو المعطي المانع الضار النافع لا مضادة لأمره ولا معقب لحكمه ولا محادة لقضائه يفعل ما يشاء ويختار، وحين يتم هذا اليقين في قلب فلا يمكن أبدًا في لحظة من اللحظات أن ينسب نعم الله إلى من سواه الذين لا يعدون أيضا أن يكونوا من خلق الله[9].

أيها الإخوة! إن نعم الله على الناس واضحة بينة، يرونها ويحسونها ويلمسونها، ولكنهم ينسون فلا يذكرون.

وحولهم السماء والأرض تفيضان عليهم بالنعم، وتفيضان عليهم بالرزق؛ وفي كل خطوة، وفي كل لحظة فيض ينسكب من خيرات الله ونعمه من السماء والأرض. يفيضها الخالق على خلقه. فهل من خالق غيره يرزقهم بما في أيديهم من هذا الفيض العميم؟ وجواب المسلمين والكافرين عن هذا السؤال معروف وهو: لا، لا خالق إلا الله، فإذا لم يكن هناك خالق رازق غير الله، فما لهم لا يذكرون ولا يشكرون؟ وما لهم ينصرفون عن حمد الله والتوجه إليه وحده بالحمد والابتهال؟ إنه ﴿ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ فكيف يصرفون عن الإيمان بهذا الحق الذي لا مراء فيه.. ﴿ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾.. وإنه لعجيب أن ينصرف منصرف عن مثل هذا الحق، الذي يواجههم به ما بين أيديهم من الرزق. وإنه لعجيب أن ينصرف عن حمد الله وشكره من لا يجد مفرًّا من الاعتراف بذلك الحق المبين“[10].

ومن الناس -أيها الإخوة- من يرزقه الله -عز وجل- النعمة فيجعلها من نتيجة عمله وعاقبة جده وسعيه وينظر إلى نفسه باستحقاقها وأهليتها له.

كما قص الله علينا في القرآن في قصة قارون أنه قال: "إنما أوتيته على علم عندي" قال قتادةك أي علم بوجوه المكاسب.

وقال آخرون معناه: على علم من الله أنى له أهل وعلى شرف كما عنده، وكذب فإن المتفضل ابتداء وانتهاء هو الله رب العالمين.

وقال تعالى يتحدث عن هذا الصنف "﴿ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ﴾ [فصلت: 49 - 51].

وقد قص علينا الصادق المصدوق قصة ثلاثة من بني إسرائيل أنعم الله عليهم بعد حاجة وأعطاهم بعد فقر ليبتليهم ويختبر إيمانهم فكانت عاقبة من شكر فضل الله الزيادة وعاقبة من جحدها ونسبها إلى نفسه الخسران والبوار والكساد ففي الصحيح عن أبي هريرة أنه سمع رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ ثَلاَثَةً فِى بَنِى إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ وَأَقْرَعَ وَأَعْمَى بَدَا لِلَّهِ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا، فَأَتَى الأَبْرَصَ. فَقَالَ أَىُّ شَىْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ لَوْنٌ حَسَنٌ وَجِلْدٌ حَسَنٌ، قَدْ قَذِرَنِى النَّاسُ. قَالَ فَمَسَحَهُ، فَذَهَبَ عَنْهُ، فَأُعْطِىَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا. فَقَالَ أَىُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الإِبِلُ - أَوْ قَالَ الْبَقَرُ هُوَ شَكَّ فِى ذَلِكَ، إِنَّ الأَبْرَصَ وَالأَقْرَعَ، قَالَ أَحَدُهُمَا الإِبِلُ، وَقَالَ الآخَرُ الْبَقَرُ - فَأُعْطِىَ نَاقَةً عُشَرَاءَ. فَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الأَقْرَعَ فَقَالَ أَىُّ شَىْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّى هَذَا، قَدْ قَذِرَنِى النَّاسُ. قَالَ فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ، وَأُعْطِىَ شَعَرًا حَسَنًا. قَالَ فَأَي الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْبَقَرُ. قَالَ فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حَامِلاً، وَقَالَ يُبَارَكُ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ أي شيء أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ يَرُدُّ اللَّهُ إِلَىَّ بَصَرِى، فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ. قَالَ فَمَسَحَهُ، فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ. قَالَ فَأَىُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ الْغَنَمُ. فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِدًا، فَأُنْتِجَ هَذَانِ، وَوَلَّدَ هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ. ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِى صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ، تَقَطَّعَتْ بِىَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلاَ بَلاَغَ الْيَوْمَ إِلاَّ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بالذي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ عَلَيْهِ في سفري. فَقَالَ لَهُ إِنَّ الْحُقُوقَ كَثِيرَةٌ. فَقَالَ لَهُ كَأَنِّى أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ فَقَالَ لَقَدْ وَرِثْتُ لِكَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ. فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ، وَأَتَى الأَقْرَعَ فِى صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ هَذَا فَقَالَ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ. وَأَتَى الأَعْمَى فِى صُورَتِهِ فَقَالَ رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ وَتَقَطَّعَتْ بِىَ الْحِبَالُ فِى سفري، فَلاَ بَلاَغَ الْيَوْمَ إِلاَّ بِاللَّهِ، ثُمَّ بِكَ أَسْأَلُكَ بالذي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا في سفري. فَقَالَ قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرِى، وَفَقِيرًا فَقَدْ أغناني، فَخُذْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لاَ أَجْهَدُكَ الْيَوْمَ بشيء أَخَذْتَهُ لِلَّهِ. فَقَالَ أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنْكَ وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ» [11].

فعلى المسلم أن يتحرز في ألفاظه ويتحرى في كلماته، ولذلك حال متى بلغها الإنسان استطاع ذلك التحرز والتحري بيسر وسهولة، فمتى يكون ذلك؟
نكمل الحديث عن هذه النقطة بعد جلسة الاستراحة هذا وأستغفر الله لي ولكم.
♦♦♦♦♦


الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.

أما بعد، فيا أيها الإخوة!
على المسلم أن يتحرز في ألفاظه ويتحرى في كلماته ومثل هذا التحرز والتحفظ لا يصدر إلا عن قلب معظِّم مُجِلٍ مخبتٍ لله -جل وعلا-، يعلم أن ربه هو ولي الفضل وهو وحده وليُّ الإنعام وهو يستحق أن يُجَلَّ فوق كلِّ جليل وأنْ يُحبَ فوق كل محبوب، وأنْ يُعظم فوق كل معَظمَّ وهذا يوجب توقيره وتعظيمه بالألفاظ.

وعلى المسلم الذي امتلأ قلبه بالتوحيد أن يعلم أن الله هو المستحق للعبودية وهو المستحقُّ للشكر وللإجلال وحده؛ فالعباد فقراء مذنبون، وأن طاعاتِ العباد وأعمالَهم – مهما عظمت أو جلت – لا تفي لحظة بأصغر نعمةٍ أسْبغها الله وخوَّلها لعبيده.فها هو الصدِّيق يُعلِّمُه النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول في آخر صلاته: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي»[12]. فإذا كان مِثلُ أبي بكر الصديق علمًا وعملا وجهادا ودعوة ونصرةً للنبي صلى الله عليه وسلم يقول هذا فكيف بحال المساكين أمثالنا؟ كيف يظنون أنهم يستحقون على الله شيئًا؟![13] نسأل الله أن يسترنا وألا يؤاخذنا بذنوبنا وأن يرحمنا وألا يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدًا.

وعلى المسلم أن يخرج من الحول والقوة وأن يبرأ منهما ويعلم يقيناً أن كل خير هو فيه فإنما هو من الله وأن ما به من نعمة فهي من الله سواء كان بواسطة خلق من خلقه أو بلا واسطة.

وعلى المسلم أن يشكر نعم الله عليه بالجنان واللسان والأركان.

وعلى المسلم أن يتخلَّص من رؤية نفسه، وأن يعلم أنه لاحول ولا قوة إلا بالله، فلذا كانت هذه الكلمة كنزٌ من كنوز الجنة، روى عَنْ أَبِى مُوسَى الأشعري -رضى الله عنه- قَالَ لَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- خَيْبَرَ - أَوْ قَالَ لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- - أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ، فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهْوَ مَعَكُمْ». وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فسمعني وَأَنَا أَقُولُ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَقَالَ لي «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ». قُلْتُ لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ». قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فِدَاكَ أَبِى وأمي. قَالَ «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ» [14].

وعلى الموحد أن يحاول تَخْليصَ قلبه ولسانه من الألفاظ للاعتقادات الباطلة من ظن المرء أنه يستحق أشياء على الله -جل وعلا-؛ فالتوحيد هو أن يكون العبد ذليلاً خاضعًا بين يدي الله، ويوقن أنه لا يستحق شيئًا على الله، وإنما هو محض فضل الله يؤتيه من يشاء، فالعباد أحوج ما يكونون إلى الاعتراف والعلم بأسماء الله وبصفاته وبآثار ذلك في ملكوته وفي ربوبيته – جل وعلا – على خلقه، وأن يعبدوه حق عبادته [15].

فالزم يا عبد الله عتبة الحمد، احمد الله على كل نعمة ودقق النظر إن أخطأت الشكر والحمد على النعم فيمن أصيبوا من أصحاب الأسرة البيضاء من أصحاب الملازمة للفراش، وانظر لنفسك، انظر إلى تاج الصحة على رأسك في حين أصيب قوم في نفوسهم في أجسامهم أو في عقولهم وآخرون في أبنائهم وسل الله تعالى العافية وهؤلاء كثير في العالم من حولنا لكننا لا نحس بالمرض إلا إذا حل بنا وللأسف فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

أما أن ينسب العبد فضل الله الذي أنعم به عليه إلى غيره، أو يزعم أن الله آتاه النعمة لاستحقاقه ذلك وجدارته به وأحقيته وأهليته له يرى نفسه له مستحقاً وجديراً فهذه حال الكافرين ولذا كانوا يعبدون أبناءهم إلى آلهتهم كعبد عمرو وعبد الكعبة وعبد العزى وعبد يا ليل وهكذا كما قال -عز وجل-: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آَتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الأعراف: 189، 190]

واستطرادا أقول: هذه الآية - أيها الإخوة!- أشكل فهمها على كثير من الناس، فظنوا - وأخطأوا - أن النفس الواحدة هي آدم والزوج التي خلقها الله منها هي حواء، وجعلوا الإشراك في الولد قد وقع من آدم وحواء، واتبعوا فى ذلك بعض الأحاديث المنكرة والروايات المكذوبة التي تخبر أن آدم وزوجه حواء سميا ابنهما عبد الحارث، يقولون: والحارث هذا اسم إبليس وهو تعبيد للابن إلى إبليس يقولون: وإنما فعلوا ذلك لأن إبليس هددهما إن لم يفعلا ذلك قتله أى قتل الولد وهذا خطأ بل الصحيح أن هذه الآية وهذا الكلام في المشركين من جنس ولد آدم فالحديث فى الآية هوعن كل ذكر وكل أنثى من جنس بني آدم وهذا قد وقع فعلًا كما أخبر الله -عز وجل- في المشركين الذين عبدوا أبناءهم لغير الله تعالى.

ولا يزال في المسلمين للأسف الشديد من يشابه الكافرين في هذه العادة المرذولة فيسمون أبناءهم عبد النبي وعبد الرسول وهناك من يسمي عبد المسيح وعبد علي وعبد الحسين وعبد المهدي وعبد المطلب وهذا كله حرام وعلى من كان اسمه كذلك يا عباد الله أن يسعى في تغييره فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغير الأسماء القبيحة إلى أسماء حسنة وكثير منها لم يكن شركاً فكيف بما نعلم يقيناً أنه شرك؟ هو أولى بلا شك بالتغيير.

وهناك من الإشراك في نعمة الولد صور غير هذه منها:
أن ينسب نعمة الولد إلى غير الله إيجادًا وخلقًا، وهذا كفر لأنه إثبات خالق مع الله وهو يدخل في الآية.
أو أن يضيفوا سلامة الولد إلى الطبيب أو القابلة وهذا أيضًا من الإشراك.
أو أن يقدم الأبوان محبة الولد على محبة الله[16].
أو يحدث أن يطيع الوالدان أولادهما في معصية الله كما قال بعض السلف وهو قتادة إن من الإشراك بالله الإشراك في الطاعة بمعنى أن من أطاع الأولاد في معصية الله وجعلهم ندّاً لله في المحبة وقدم محبتهم على محبة الله، فإن ذلك من الإشراك بالله، فلا ينبغي -أيها الإخوة- للمسلم أن يسخط ما وهبه الله كما يفعل أهل الجاهلية، بل يحمد الله على نعمة الولد ولا ينسبها إلى غيره كائنا من كان، ولهذا كانت عائشة رضي الله عنها، إذا بُشِّرت بمولود لم تسأل إلا عن صورته لا عن ذكوريته وأنوثته، وأن تسمية الولد وتعبيده لغير الله – كما يفعله الجهلة – هو من جعل المشركين لله -عز وجل- شركاء فيما آتاهم.

وحقيق على من أنعم الله عليهم بالأولاد، وكمل الله له النعمة بهم بأن جعلهم صالحين في أبدانهم ودينهم أن يشكروا الله على إنعامه وأن لا يعبِّدوا أولادهم لغير الله، أو يضيفوا النعم مما سوى ذلك لغير الله، فإن ذلك كفران للنعم منافٍ للتوحيد."[17].

وهكذا حال وأصناف الناس مع نعم الله تعالى نسأل الله أن نكون ممن شكروا نعم الله عليهم وأن يوفقنا إلى المزيد من الشكر، اللهم كم من نعمة أنعمت بها علينا قل لك عندها شكرنا وكم من بلية ابتليتنا بها قل لك عندها صبرنا فيا من قل عند نعمائه شكرنا فلم يحرمنا، ويا من قل عند بلائه صبرنا فلم يطردنا اجعلنا لنعمائك من الشاكرين وعند بلائك من الصابرين... اللهم اغمرنا بنعيم الإيمان وعافية الأبدان وبركات الإحسان اللهم ارزقنا عند لقاك رضاك... الدعاء.


[1] أخرجه الترمذي (2327) والحاكم (1 / 408)، وهو في الصحيحة"6 / 676.

[2] أخرجه البخاري 7443، ومسلم 2395.

[3] أخرجه أبو داود (2 / 195) وأحمد (2 / 226 - 227)، وانظر"السلسلة الصحيحة"4 / 51.

[4] أخرجه البخاري 304.

[5] أخرجه مسلم (79) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه، و (80) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

[6] أخرجه البخاري (846) وأخرجه مسلم (71).

[7] تفسير ابن كثير - (7 / 544).

[8] في ظلال القرآن - (5 / 2923).

[9] عون العلي الحميد (2/ 229).

[10] الظلال (5/ 2921).

[11] أخرجه البخاري (3464) و (6653)، ومسلم (2964).

[12] أخرجه البخاري (8387) و (7388) ومسلم (2705).

[13] التمهيد لشرح كتاب التوحيد - (2 / 197).

[14] رواه البخاري (6610) ومسلم (2704).

[15] التمهيد لشرح كتاب التوحيد - (2 / 197).

[16] عون العلي الحميد (2/ 325).

[17] القول السديد (ص 122، 123)، بتصرف.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.96 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.82%)]