الموضوع: صيحة نذير
عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 31-08-2020, 04:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,245
الدولة : Egypt
افتراضي رد: صيحة نذير


لقد بيّن الله تعالى أن الحكم بغير ما أنزل الله حكم الجاهلين، وأن الإعراض عن حكم الله تعالى سبب لحلول عقابه، وبأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين، يقول سبحانه: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 49] ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ والقارئ لهذه الآية والمتدبر لها يتبين له أن الأمر بالتحاكم إلى ما أنزل الله، أكد بمؤكدات ثمانية:
الأول: الأمر به في قوله تعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾.
الثاني: أن لا تكون أهواء الناس ورغباتهم مانعة من الحكم به بأي حال من الأحوال وذلك في قوله: ﴿ وَلَا تَتَّبِعْ أَهواءَهُمْ ﴾.

الثالث: التحذير من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير، والصغير والكبير، بقوله سبحانه: ﴿ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾.

الرابع: أن التولي عن حكم الله وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم موجب للعقاب الأليم، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ﴾.

الخامس: التحذير من الاغترار بكثرة المعرضين عن حكم الله، فإن الشكور من عباد الله قليل، يقول تعالى: ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾.

السادس: وصف الحكم بغير ما أنزل الله بأنه حكم الجاهلية، يقول سبحانه: ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ ﴿ يَبْغُونَ ﴾.

السابع: تقرير المعنى العظيم بأن حكم الله أحسن الأحكام وأعدلها، يقول -عز وجل-: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا ﴾.

الثامن: أن مقتضى اليقين هو العلم بأن حكم الله هو خير الأحكام وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأن الواجب الانقياد له، مع الرضا والتسليم، يقول سبحانه: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾.

وقد قال ابن عباس -رضي الله عنه- لبعض من جادله في بعض المسائل: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر).

ومعنى هذا: أن العبد يجب عليه الانقياد التام لقول الله تعالى، وقول رسوله، وتقديمهما على قول كل أحد، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة.[18].


إن الفساد الذي يستشري في الناس الآن لهو بسبب المعاصي والذنوب ومن أولها إبطال شريعة رب العالمين يقول ابن القيم -رحمه الله- في قوله -عز وجل-: ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ﴾ [الأعراف: 56]: قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل وبيان الشريعة والدعاء إلى طاعة الله فإن عبادة غير الله والدعوة إلى غيره والشرك به هو أعظم فساد في ألأرض بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به ومخالفة أمره قال تعالى ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس وقال عطية في الآية ولا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم وقال غير واحد من السلف: إذا قحط المطر فإن الدواب تلعن عصاة بني آدم وتقول اللهم العنهم فبسببهم أجدبت الأرض وقحط المطر وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله هو أعظم الفساد في الأرض ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود والدعوة له لا لغيره والطاعة والأتباع لرسوله ليس إلا وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة فإن الله أصلح الأرض برسوله ودينه وبالأمر بتوحيده ونهي عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله، ومن تدبير أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله وكل شر في العالم وفتنة وبلا وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فسببه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله [19].


والسؤال الآن -أيها الإخوة-: ما هو واجب المسلمين اليوم إزاء هذه القضية الخطيرة في حياة الإسلام؟
وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء ونلتقي به بعد جلسة الاستراحة أسأل الله أن يحفظ علينا شريعتنا وأن يعيد إلينا عزتنا.
♦♦♦♦


الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.

أما بعد، فيا أيها الإخوة! ثالثا: ورقة عمل: ما هو واجب المسلمين اليوم نحو القيام بتحكيم شريعة رب العالمين؟
والجواب في نقاط محددة: أولًا: ما هو واجب المسلمين اليوم إزاء هذه القوانين الوضعية الجائرة وهم ملزمون في بلادهم بالتحاكم إليها، يرزحون تحت نيرها وتئن بلادهم من ظلماتها؟
والجواب عن هذه النقطة: "الواجب عليهم شرعًا أن يتحاكموا إلى من يحكم بينهم بحكم الكتاب والسنة من علمائهم – وإن لم يكن لهم القوة المادية لإلزام الناس بالأحكام أو لتطبيق كل أحكام الشريعة – إلا أن قوة إيمان المسلم تدفعه للقبول بحكم الشرع … وإذا وقف المسلم مضطرًا أمام هذه المحاكم الوضعية فعليه أن يدعوهم، ويأمرهم أن يحكموا له بحقه الشرعي فقط. وكذلك من ترافع أمام هذه المحاكم لدفع الظلم عن مسلم أو رفعه، فعليه أن يطلب مثل ذلك. ومن يطلب هذا الحق لنفسه أو لغيره من المسلمين فلا جناح عليه، لأنه لم يأمر إلا بمعروف."[20].


ثانيا: ما هو واجب المسلمين ودورهم تجاه العمل لتحكيم شريعتهم؟ وأقول واجب المسلمين فهو واجب وفرض لازم وهو واجب المسلمين كل المسلمين بلا استثناء.

يقول العلامة الألباني -رحمه الله تعالى-: لا بد لكل جماعة مسلمة من العمل بحق لإعادة حكم الإسلام ليس فقط على أرض الإسلام بل على الأرض كلها وذلك تحقيقًا لقوله -تبارك وتعالى-: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ [التوبة: 33]. وقد جاء في بعض بشائر الأحاديث النبوية أن هذه الآية ستتحقق فيما بعد، فلكي يتمكن المسلمون من تحقيق هذا النص القرآني والوعد الإلهي فلا بد من سبيل بين وطريق واضح [21].


إذا ما هو المنهج؟ وما هو الطريق؟
والجواب: الطريق سهلة واضحة فهي كما يقول العلامة الألباني: "لا شك أن الطريق الصحيح هو ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدندن حوله ويذكر أصحابه به في كل خطبة: "وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم"[22] فعلى المسلمين كافة - وبخاصة منهم من يهتم بإعادة الحكم الإسلامي - أن يبدؤوا من حيث بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما نوجزه نحن بكلمتين خفيفتين: (التصفية والتربية) ومعناهما: أن نبدأ - وجوبًا - بما بدأ به الرسول عليه الصلاة والسلام (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). ولكن بماذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.

من المتيقن أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعوة بين الأفراد الذين كان يظن فيهم الاستعداد لتقبل الحق ثم استجاب له من استجاب من أفراد الصحابة - كما هو معروف في السيرة النبوية - ثم وقع بعد ذلك التعذيب والشدة التي أصابت المسلمين في مكة ثم جاء الأمر بالهجرة الأولى والثانية حتى وطد الله -عز وجل- الإسلام في المدينة المنورة وبدأت هناك المناوشات والمواجهات وبدأ القتال بين المسلمين وبين الكفار من جهة ثم اليهود من جهة أخرى... هكذا.

إذًا لا بد أن نبدأ نحن بتعليم الناس الإسلام الحق كما بدأ الرسول عليه الصلاة والسلام لكن لا يجوز لنا الآن أن نقتصر على مجرد التعليم فقط فلقد دخل في الإسلام ما ليس منه وما لا يمت إليه بصلة من البدع والمحدثات مما كان سببًا في تهدم الصرح الإسلامي الشامخ فلذلك كان الواجب على الدعاة أن يبدؤوا بتصفية هذا الإسلام مما دخل فيه هذا هو الأصل الأول: (التصفية).

وأما الأصل الثاني: فهو أن يقترن مع هذه التصفية تربية الشباب المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفي، فلا نزال نسمع من كثير من المسلمين العقائد المخالفة للكتاب والسنة والأعمال المنافية للكتاب والسنة فضلًا عن تكرارهم تلك المحاولات الفاشلة المخالفة للشرع، وهناك كلمة لأحد الدعاة طيبة هي: (أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم لكم على أرضكم)، لأن المسلم إذا صحح عقيدته بناء على الكتاب والسنة فلا شك أنه بذلك ستصلح عبادته وستصلح أخلاقه وسيصلح سلوكه... الخ.

ثالثا: فلنحكم الإسلام في شؤننا الخاصة:
أيها الإخوة! إن الشريعة لا يمكن أن تطبق تطبيقًا حقيقيًّا إلا إذا قام على تطبيقها أناس يؤمنون بقدسيتها، وربانية مصدرها، وعدالة أحكامها، وسمو أهدافها، ويتعبدون لله بتنفيذها، وهذا يجعلهم يحرصون على فهمها فهمًا دقيقًا، وعلى فقه أحكامها ومقاصدها فقهًا عميقًا، ويتفانون في تذليل العقبات أمامها، كما يحرصون على أن يكونوا صورة طيبة لمبادئها، وأسوة حسنة لغير المقتنعين بها، يراهم الآخرون في إيمانهم وأخلاقهم وسلوكهم، فيحبون الشريعة لما يرون من أثرها في حياتهم. وهكذا كان الصحابة والمسلمون الأوائل - رضي الله عنهم - أحب الناس الإسلام بحبهم، ودخلوا فيه أفواجًا، متأثرين بأخلاقهم وإخلاصهم، فقد كان كل منهم قرآنًا حيًّا يسعى بين الناس على قدمين. إن عيب كثير من التجارب العاملة لتطبيق الشريعة الإسلامية، التي كانت موضع المؤاخذة والتنديد من الناقدين والمراقبين: أنها نفذت بأيدي غير أهلها، أعني غير دعاتها ورعاتها. أي على أيدي أناس كانوا من قبل في صف المناوئين لها، أو على الأقل، من الغافلين عنها، غير المتحمسين لها، والملتزمين بها.

إن الرسالات الكبيرة تحتاج إلى حراس أقوياء، من رجالها وأنصارها يكونوا هم المسئولين الأوائل عن وضع قيمها وتعاليمها النظرية موضع التنفيذ، وبغير هذا يكون التطبيق أمرًا صوريًّا لا يغير الحياة من جذورها، ولا ينفذ بالإصلاح إلى أعماقها.

أيها الإخوة! إن تطبيق الشريعة ليس عمل الحكام وحدهم، وإن كانوا هم أول من يطالب بها، باعتبار ما في أيديهم من سلطات تمكنهم من عمل الكثير من الأشياء التي لا يقدر عليها غيرهم، وقد كان بعض السلف يقولون: لو كانت لنا دعوة مستجابة لدعوناها للسلطان، فإن الله يصلح بصلاحه خلقًا كثيرًا. وهذا كان في عصر لم يكن زمام التعليم، والإعلام، والتثقيف، والتوجيه، والترفيه بيد السلطان كما هو اليوم.

ومع هذا نقول: إن على الشعب مسؤولية تطبيق الشريعة في كثير من الأمور التي لا تحتاج إلى سلطان الدولة وتدخل الحكام.

إن كثيرًا من أحكام الحلال والحرام، والأحكام التي تضبط علاقة الفرد بالفرد، والفرد بالأسرة، والفرد بالمجتمع، قد أهملها المسلمون أو خالفوا فيها من أمر الله، وتعدوا حدود الله، ولن يصلح حالهم إلا إذا وقفوا فيها عند حدود الله تعالى، والتزموا بأمره ونهيه بوازع من أنفسهم، وشعورهم برقابة ربهم عليهم.

ويجب على الدعاة والمفكرين والمربين أن يبذلوا جهودهم لتقوم الشعوب بواجبها في تطبيق ما يخصها من شرع الله، ولا يكون كل همها مطالبة الحكام بتطبيق الشريعة، وكأنهم بمجرد أن يرفعوا أصواتهم بهذه المطالبة قد أدوا كل ما عليهم.

هذه إلماحة سريعة عن الطريق إلى تحكيم الشريعة وكيفية إعمالها ونوجز الوسائل الى ذلك فى نقاط كما يلى:
1- البدء بما بدء به النبي صلى الله عليه وسلم من تعليم الناس الإسلام الحق الصافي من البدع والمحدثات.
2- تربية الشباب المسلم الناشئ على هذا الإسلام المصفى.
3- تحكيم الإسلام فى الشؤن الخاصة من الحلال والحرام وغيرها مما لا دخل للسلطان فيه.

أيها الإخوة.. إن الحكم بغير ما أنزل الله يوجب غضب الله وينزل مقته وعقابه ولن تعود الأمة إلى سالف عزها ومجدها إلا بالعودة إلى الله وتحكيم شرعه، فإننا جنس لا يصلح أبدا بغير دين ولا نستعلي ونعز إلا بعقيدة، وعقيدة التوحيد تقتضي وجوب تحكيم الشريعة والعمل بأحكام الشريعة الإسلامية في جميع مناحي الحياة، وإن قوما يرددون القول بعدم صلاحية الشريعة لزماننا لأنها نازلة فى بيئة عربية بدائية لأفاكون كذبة.

إن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان قادرة على حل مشاكلها التي تحياها والتي ستكون إلى قيام الساعة كما لا يقدر قانون على وجه المعمورة أن يحلها سواها، شهد بذلك الوحي وشهد بذلك التاريخ وشهد بذلك المنصفون حتى من رجال القانون الوضعي وحتى من غير المسلمين وشهد بذلك الواقع الذي نعيشه، الوحي شهد بأن هذه الشريعة هي خاتمة الشرائع (ولكن رسول الله وخاتم النبيين)، ما دامت هذه الشريعة ليس بعدها شريعة معناها أنها صالحة لكل زمان ومكان ثم إنها شريعة عالمية ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107] فهي شاملة مكانًا وزمانًا وشانًا لأنها أيضًا تشمل كل شؤون الحياة، فالوحي شهد لها، التاريخ أيضًا شهد لها، نحن لو تتبعنا التاريخ الإسلامي نجد أن المسلمين عندما يعملون بالشريعة ويطبقونها تطبيقًا صحيحًا يكونون أسعد ما يكونون، يزدادون قوة على قوة وينتصرون على أعدائهم، تتوحد كلمتهم ويشعرون بالرخاء والازدهار في حياتهم، إذا ابتعدوا فالمد والجزر والامتداد والانكماش والازدهار والذبول والنصر والهزيمة والسعادة والشقاء مرتبطان بمدى الاقتراب من الشريعة الإسلامية أو البعد عنها، فهذا ما سجله التاريخ ولذلك أعظم فترات التاريخ هي الفترات التي نرى فيها أناسًا يحسنون تطبيق الشريعة الإسلامية مثل عهد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز، نور الدين محمود الشهيد، صلاح الدين الأيوبي، وهكذا، فنجد عهد هؤلاء يحصل النصر والازدهار والقوة والوحدة، هذا التاريخ يقول لنا.

الواقع يقول لنا أيضًا أن المؤتمرات العالمية شهدت لهذه الشريعة بالخصوبة وبالتميز مثل مؤتمر لاهاي في سنة 1937م ومؤتمر باريس للحقوق الدولية سنة 1951م وحضر أناس مثلوا الشريعة الإسلامية في هذه المؤتمرات، ثم الواقع يقول لنا، بدراستنا نحن للشريعة نجد هذه الشريعة والحمد لله تضمنت أفضل المبادئ وأرسخ القواعد وأدق التشريعات لصلاح الفرد وصلاح الأسرة وصلاح المجتمع وصلاح الأمة وصلاح الدولة وصلاح الإنسانية، ونحن لا نقول هذا مجرد كلام عاطفي، هذا كلام أُلِّفت فيه الكتب وقامت عليه أدلة وقُدِّمت فيه دراسات وأطروحات للماجستير وللدكتوراه بالمئات، سواء في الجانب القانوني البحت أو الجانب الاقتصادي أو الجانب السياسي، قدمت مئات الأطروحات من هذه الناحية وأجازتها الجامعات، ورجال القانون الوضعي أيضًا يشهدون بهذا[23].


وأبشركم -أيها الإخوة- لقد بدأ التشريع في شرق العالم وغربه يقترب من التشريع الإسلامي في المئات من المسائل حتى بات لا يختلف كثيرًا عنه، وأحيانًا يكاد يتطابق معه.

في نظام المواريث الإسلامي، وفي نظام الطلاق الحر، وتعدد الزوجات ونظام العدة بالنسبة للمرأة المطلقة، والذمة المالية للمرأة، وتحريم تعاطي الخمور ومحاربتها التي صارت سياسة عامة، ونظام تقنين التأمين الاجتماعي الذي بدأه الإسلام منذ أربعة عشر قرنًا وبدأه العالم في نهاية القرن التاسع عشر، وفي الاقتصاد العالمي الذي يسجل نجاحًا مطردًا بقدر ما يقترب من الاقتصاد الإسلامي الذي وضع أسسًا للتعامل الاقتصادي يمارسها العالم اليوم، وغيرها من الأمور الكثير التي تثبت أن العالم في مسيره يتجه نحو التشريع الإسلامي [24].


فقد صحا العالم وأفاق وتنبه إلى أن التشريع الإسلامي فيه صلاح حاله وسلامة وضعه فسعى إلى الاقتباس منه لكنه إلى الآن لا زال لم يفق كامل الإفاقة ليعرف أن الإسلام صالح للحال والمآل ولكي يكون ذلك لا بد أن يدخله كافة وأن يعمل بأحكامه جمعاء والمسلمون أولى الناس بضرب المثل والقدوة والأسوة للغرب في ذلك فهلا فعلوا.

اللهم انصر الإسلام وأعز أهله اللهم أيدنا بالإسلام وأيد الإسلام بنا، اللهم يا ولى الإسلام وأهله مسكنا بالإسلام حتى نلقاك، اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك ويحكم فيه كتابك وسنه نبيك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، يا مجيب الدعاء.


[1] ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده (ص)، للعلامة القرضاوي.

[2] ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده (ص)، الدكتور يوسف القرضاوي.

[3] الاقتصاد للغزالي ص 199، وينسب إلى أمير المؤمنين علي، انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (1/200).

[4] تفسير ابن كثير - (6 / 380).

[5] أخرجه مسلم (126).

[6] الظلال 2/697.

[7] أخرجه البخاري 7280.

[8] فتح المجيد 398.

[9] أخرجه أبو داود 4901، وصححه الألباني في المشكاة (2347 / التحقيق الثاني).

[10] حقيقة التوحيد ص 28-131

[11] أخرجه البخاري 6851، من حديث أبي هريرة.

[12] لزوم التزام المسلم بأحكام الشريعة الإسلامية.

[13] أخرجه النسائي (4905)، من حديث أبي هريرة، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3130).

[14] وجوب تطبيق الحدود الشرعية (ص)، لفضيلة الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق.

[15] تطبيق الشريعة (ص 27).

[16] التحرير والتنوير (3/58).

[17] أخرجه البغوي في شرح السنة (1/ 98)، وقال النووي في أربعينه: "هذا حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح"، لكن ضعفه الألباني في ظلال الجنة 15، و المشكاة 167، وانظر رسالة العبودية لشيخ الإسلام.

[18] وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه ص (6 - 14)، لسماحة العلامة عبد العزيز بن باز -رحمه الله تعالى-، بتصرف كثير.


[19] بدائع الفوائد - (3 / 525).

[20] فضل الغني الحميد تعليقات على كتاب التوحيد: ص 171 – 172.

[21] فتنة التكفير (ص 13وما بعدها).

[22] أخرجه مسلم 1435.

[23] المجتمع المسلم الذي ننشده (ص)، للدكتور القرضاوي.

[24] انظر كتاب مسيرة العالم نحو التشريع الإسلامي للدكتور حافظ يوسف.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.58 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 38.95 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.59%)]