فلا يصحُّ القياس على نصٍّ ثبت بالقياس؛ لأن العلة الجامعة بين القياسين إن اتحدتْ كان ذِكر الأصل الثاني تطويلًا بلا فائدةٍ، فيُسْتَغْنَى عنه بقياس الفرع الثاني على الأصل الأول، وإن اختلفتْ لم ينعقد القياس الثاني، لعدم اشتراك الأصل، والفرع في علة الحكم[25].
وكذلك لا يصحُّ القياسُ على أصلٍ غير مُجمَع عليه[26].
مثال [1]: قياس الذُّرة على الأرز في الربا.
هذا قياس غير صحيح؛ لأن الأرز ثبت جريان الربا فيه بالبُر، والصحيح أن تقاس الذرة على البُر في تحريم الربا.
مثال [2]: قياس وجوب التسمية في الغسل على وجوبها في الوضوء.
هذا قياس غير صحيح؛ لأن الأصل وهو وجوب التسمية في الوضوء مختلف فيه.
مثال [3]: قياس عدم طهارة جلد الميتة بالدباغ على عدم طهارة جلد الكلب بالدباغ.
هذا قياس غير صحيح؛ لأن الأصل وهو عدم طهارة جلد الكلب بالدباغ مختلفٌ فيه.
مثال [4]: قياس الأرز على البُر في جريان الربا.
هذا قياس صحيح؛ لأن الأصل وهو جريان الربا في البُر ثبت بالنَّص والإجماع.
قَوْلُهُ: (2-أَنْ تَكُونَ عِلَّةُ الحُكْمِ فِي الأَصْلِ مَعْلُومَةً بِنَصٍّ، أَوْ إِجْمَاعٍ):أي لا بُدَّ أن تكون علة الحكم منصوصًا عليها في القرآن، أو السنة، أو الإجماع، حتى يُمكن الجمعُ بين الأصلِ والفرعِ، وما لا علَّة له منصوصة في الكتابِ، أو السُّنَّة، أو الإجماع؛ كأوقاتِ الصلواتِ، وعددِ الركعاتِ، ومقادير الحدود والكفارات لم يَجُزِ القياس عليه؛ لأنه لا يُعلم تعديه، فلا يُمكن تعديةُ الحكمِ فيه[27].
مثال [1]: قياس نقضِ الوضوء من أكل لحم الخيل على نقض الوضوء من أكل لحم الإبل.
هذا قياس فاسد؛ لأن الأصل وهو نقض الوضوء من أكل لحم الإبل، ليس له علة معلومة.
مثال [2]: قياس طهارة الحمار والفأرة على طهارة الهِرَّة.
هذا قياس صحيح؛ لأن الأصل وهو طهارة الهرة له علة معلومة، وهي الطوافُ، وكثرةُ معايشتِها للناس ثابتة بالنص[28]، وهذه العلة موجودة في الحمار والفأرة.
قَوْلُهُ: (3-أَنْ تَكُونَ العِلَّةُ مُؤَثِّرِةً فِي الحُكْم):أي أن يكون وصفُها مما يصح تعليقُ الحكم بها، فإن لم يجُز تعليق الحكم بها على وصف لم يَجُزْ أن يكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم.
ومعنى كون العلة مُؤَثِّرَة في الحكم: هو أن يغلب على ظنِّ المجتهدِ أن الحكم حاصلٌ عند ثبوتِها لأجلها دون شيء سواها، والمرادُ من تأثيرِها في الحكم دون ما عداها أنها جُعِلت علامة على ثبوتِ الحكمِ فيما هي فيه[29].
فإن لم تؤثِّر العلة في الحكم لم يَجُزْأن يكون علَّة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجم ماعزًا لاسمه ولا لهيئة جسمه، ولكن الزنا علة الرجم، وكذا الطُّعم علة الربا دون الزرع[30].
مثال العلة المُؤَثِّرَة في الحكم:
[1]: الطُّعم، والوزن في تحريم الربا.
[2]:الإسكار في تحريم الخمر.
[3]:الصِّغَر في الوِلاية في تزويج الطفل الصغير.
ومثال العلة غير المُؤَثِّرَة في الحكم:
[1]:اللون، أو الطَّعم في تحريم الربا.
[2]:الطول، والقِصَر في الرجم.
[3]: الثمنية في تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة.
مثال تطبيقي [1]: قياس عدم جواز تقديم الأذان قبل الفجر على عدم جوازه في المغرب؛ لأن كلا الصلاتين لا تقصر.
هذا قياس فاسد؛ لأن العلة، وهي عدم القَصْر غير مُؤَثِّرَة في الحكم[31].
مثال تطبيقي [2]: قياس عدم جواز بيع السلعة غير المرئية على عدم صحة الطير في الهواء؛ لعدم الرؤية.
هذا قياس فاسد؛ لأن العلة، وهي عدم الرؤية غير مُؤَثِّرَة في الحكم؛ لأن بيع الطير في الهواء لا يجوز وإن كان مرئيًّا[32].
قَوْلُهُ: (4-أَنْ تُوجَدَ العِلَّةُ فِي الفَرْعِ):أي لا بُدَّ أن توجد علةُ حكم الأصل في الفرع بتمامها كوجودها في الأصل، فإن لم توجد علة الحكم في الفرع، لم يصح القياس[33]؛ لأن من شرط القياس تساوي الفرعِ والأصل في العلة[34].
مثال [1]: الإيذاء في ضرب الوالدين.
مثال [2]:الإسكار في النبيذ.
مثال [3]: الوزن والطُّعم في الأرز.
مثال تطبيقي [1]: قياس البَيْض على البُرِّ في جريان الربا لعلة الكيل.
هذا قياس فاسد؛ لأن العلة، وهي الكيل غير موجودة في الفرع، وهو البيض.
مثال تطبيقي [2]: قياس الجَوْهر على الذهب في عدم الأكل في آنيته لعلة الثمنية.
هذا قياس فاسد؛ لأن العلة، وهي الثَّمَنيَّة غير موجودة في الفرع، وهو الجوهر.
قَوْلُهُ: (5-أَنْ لَا يَمْنَعَ مِنَ القِياسِ مَانِعٌ):كأن يكون حكم الأصلمختصًّا بالأصل؛ لأن اختصاصه به يمنع تعديته إلى الفرع، وإذا امتنعت التعدية امتنع القياس قطعًا؛ لأن القياس في هذه الحالة مناقض للدليل الذي دل على اختصاص الأصل بالحكم، والقياس المناقض للدليل باطلٌ[35].
مثال [1]: قياس إباحة نكاح أكثر من أربع زوجات على نكاح النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من أربع زوجات.
هذا قياس فاسد؛ لأن إباحة نكاح أكثر من أربع زوجات خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
مثال [2]:قياس تحريم نكاح الزوجات المتوفى عنهنَّ أزواجهنَّ على تحريم نكاح زوجات النبي صلى الله عليه وسلم من بعده.
هذا قياس فاسد؛ لأن تحريم نكاح الزوجات من بعد وفاة الزوج خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
مثال [3]: قياس قبول شهادة الواحد على قبول شهادة خُزَيمةَ بنِ ثابت رضي الله عنه.
هذا قياس فاسد؛ لأن شهادة الواحد خاص بخُزَيمة بن ثابت رضي الله عنه.
وكذلك لا يصح القياس إذا وُجد نصٌّ أو إجماع يخالف المسألة المقيس عليها[36].
مثال [1]: قياس جواز نكاح المرأة بغير إذن وليِّها على بيعها سلعتها.
هذا قياس فاسد؛ لمخالفته النص، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ))[37].
مثال [2]: قياس عدم وجوب الصلاة في السفر على عدم وجوب الصوم في السفر؛ لوجود المشقة.
هذا قياس فاسد؛ لمخالفته الإجماع، وهو عدم اعتبار المشقة في الصلاة، ووجوب أدائها في السفر مع وجود المشقة[38].
[1] انظر: العين، ومقاييس اللغة، مادة «قيس».
[2] انظر: الصحاح، مادة «قيس».
[3] انظر: روضة الناظر (3/ 806-807).
[4] انظر: الإحكام في أصول الأحكام (4/ 30-31).
[5] انظر: مجموع الفتاوى (20/ 395).
[6] متفق عليه: رواه البخاري (1953)، ومسلم (1148)، واللفظ له.
[7] انظر: شرح صحيح مسلم (8/ 26).
[8] أورق: أي أسمر، [انظر: النهاية في غريب الحديث (5/ 175)].
[9] متفق عليه: رواه البخاري (6847)، ومسلم (1500).
[10] انظر: شرح صحيح مسلم (10/ 134).
[11] صحيح: رواه الدار قطني في سننه (4471)، والبيهقي في الكبرى (20537)، والمعرفة (19792)، واللفظ له.
[12] انظر: إعلام الموقعين (1/ 68).
[13] انظر: روضة الناظر (3/ 809).
[14] انظر: إعلام الموقعين (1/ 157).
[15] انظر: شرح الكوكب المنير (4/ 6).
[16] انظر: رسالة لطيفة جامعة في أصول الفقه، للسعدي، صـ (97).
[17] انظر: شرح الكوكب المنير (4/ 12).
[18] انظر: شرح مختصر الروضة (3/ 226).
[19] انظر: شرح الكوكب المنير (4/ 12).
[20] انظر:العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى (1/ 176)، وشرح الكوكب المنير (4/ 13).
[21] انظر: شرح الكوكب المنير (4/ 12).
[22] انظر: شرح مختصر الروضة (3/ 231).
[23] انظر: المُسَوَّدَة، لآل تيمة، صـ (396).
[24] انظر: شرح مختصر الروضة (3/ 292).
[25] انظر: بيان المختصر (3/ 73)، وشرح مختصر الروضة (3/ 293-294)، والإبهاج في شرح المنهاج (3/ 157)، والبحر المحيط في أصول الفقه (7/ 106).
[26] انظر: شرح مختصر الروضة (3/ 295).
[27] انظر: روضة الناظر (3/ 882)، والمُسَوَّدَة، صـ (401)، والتحبير شرح التحرير (7/ 3148).
[28] أي: قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ، وَالطَّوَّافَاتِ» [صحيح: رواه أبو داود (75)، والترمذي (92)، والنسائي (68)، وابن ماجه (367)، وأحمد (22528)، عن أبي قتادة رضي الله عنه].
[29] انظر:البحر المحيط في أصول الفقه (7/ 167).
[30] انظر: المُسَوَّدَة، صـ (401)، والبحر المحيط في أصول الفقه (7/ 167).
[31] انظر: شرح مختصر الروضة (3/ 547-548).
[32] انظر: شرح مختصر الروضة (3/ 548).
[33]انظر: التحبير شرح التحرير (7/ 3298-3299)، وشرح الكوكب المنير (4/ 105-106).
[34] انظر: شرح الكوكب المنير (4/ 108-109)، ومذكرة في أصول الفقه، صـ (258).
[35] انظر: الوجيز في أصول الفقه، صـ (199).
[36] انظر: شرح الكوكب المنير (4/ 85-86).
[37] صحيح: رواه أبو داود (2083)، والترمذي (1102)، وحسنه، واللفظ له، وابن ماجه (1879)، والنسائي في الكبرى (5373)، وأحمد (24205)، عن عائشة رضي الله عنها، وصححه الألباني.
[38] انظر: شرح الكوكب المنير (4/ 85-86).