الموضوع: من تخاف؟
عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 27-08-2020, 02:36 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,268
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من تخاف؟

ونتيجة هذا الخوف فقد أطاعوهم في كل ما يأمرون وينهون، فأحلوا الحرام، وحرموا الحلال ونبذوا شريعة الله، واستبدلوها بأحكام هؤلاء الكفرة وعادوا أولياء الله –عز وجل– وقربوا أعداءه، وهذا كله بناءً على خوفهم لهم من دون الله - عز وجل -[10]



فلا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم رد المسلمين إلى دينك ردًا جميلا، وخذ بأيديهم إليك أخذ الكرام عليك، فلا يجوز أبداً - أيها الإخوة - أن نخاف من غير الله تعالى كل هذا الخوف ولا أن نجعل الخوف من بطشه كخوفنا من الله فنرضى أن نتنازل عن ديننا وعقيدتنا وعن فعل الخير حتى لا نقع تحت البطش والتهديد والخوف زاعمين أنا بذلك ننجو من البطش ونهرب ونحن بذلك نضحك على أنفسنا نكذب ونصدقها ولا نسألها أفإن تركنا ذلك الدين والعمل له وتركنا الالتزام والخير والعمل به ونجونا من البطش أفننجو من عذاب الله الذي عصينا أوامره والجواب بلا شك واضح نهرب من عذاب بشر ولكننا لن نهرب من عذاب رب البشر ولذلك جاء التعبير القرآني رائعاً في قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ﴾ [العنكبوت: 10].



إن عذاب الله - عز وجل - يصد العبد أن يعصيه فكلما تذكر العبد أنه منهي عن المعصية فإن فعلها عوقب بعقاب من الله صده ذلك عن اقتراف المعصية، فإذا جعل ما يصيبه من أذى في طريق الله صادّاً له عن الطاعة فيتركها بسبب هذا الأذى ويفعل المعصية خوف الأذية فهو بذلك قد جعل فتنة الناس كعذاب الله فسوى بين الله وبين عباده ففي هذه الآية - أيها الإخوة - أنه لا يجوز أن يخشى العبد الناس ويخافهم مهما عظمت البلية ومهما كثرت الفتن والمصائب وكل على قدر إيمانه كما نوضح ذلك إن شاء الله، الآن ونحن نتحدث عن طرق الخوف من الله وكيف يغرس المرء اليقين بالله في قلبه وانتبه أيها الحبيب إلى هذه اللطيفة في الآية فإن الله تعالى سمى بطش البشر وتعذيبهم فتنة فالناس لا يملكون إلا الفتنة وأما عمل الله - عز وجل - وفعله فسماه عذاباً فأيهما ينبغي أن يخاف العبد؟ ثم إن تسميتها فتنة أي اختبار وامتحان وابتلاء إشارة إلى أنها من الله - عز وجل - أجراها على يد هؤلاء ليبتلي عبده المؤمن بهذا، فهي أيضاً من الله لم تخرج عن فعله وإرادته ومشيئته - سبحانه وتعالى - فمم الخوف؟! فليتيقن القلب بأن الله لا يسلم أولياءه لأعدائه أبداً وإنما هو الامتحان والابتلاء والفتنة، فلا يقدم الإنسان التنازلات سريعاً فإنه من ضعف الإيمان واليقين أن ترضى الناس بسخط الله وأن تحمدهم على رزق الله وأن تذمهم على ما لم يؤتك إلا الله، حبيبي إن رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كراهية كاره وإن عذاب الله لا يدفعه التجاء أو احتماء بغيره أبداً.



وما أجمل الكلمات التي تحدث فيها شيخ الإسلام عن اليقين وتتضمن القيام بالطاعة والأوامر والبعد عن المعاصي والنواهي فلنصغ إليه ونلقي الأسماع بين يديه.



قال شيخ الإسلام: "إن اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله وما وعد أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله؛ لم تكن موقنا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك، إما ميلٌ إلى ما في أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، وإما ضعف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد في الدنيا والآخرة؛ فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفا منهم، ورجاءًا لهم، وذلك من ضعف اليقين"[11].



ولذلك جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من التمس رضى الله بسخط الناس - رضي الله عنه - وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضي الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس"[12] والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه بسند صحيح.



سبحان الله! كان يسعى إلى رضاء الناس ففقده وقبل ذلك فقد رضا الله فخسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، فماذا كسب من خسر الله؟ أما من أرضى الله بسخط الناس فإن الله يرضى عنه ويُرضي عنه الناس أيضاً.



ففي هذا الحديث وجوب تجريد الخوف من الله - عز وجل - وضرورة وجوب تقديم رضا الله على رضا المخلوق والوعيد لمن خاف الناس فآثرهم على رضا الله -جل وعلا- فهو من ضعف الإيمان ومن علامات وموجبات نقصانه ولا حول ولا قوة إلا بالله.



والخلاصة مما مر - أيها الإخوة - وهي النتيجة التي لابد أن نخرج بها من هذا اللقاء أن نخاف الله ولا نخشى سواه وأن نحقق ذلك عمليّاً لا قولاً ولفظاً فحسب، وأن ندأب على توقيع هذا المعنى في نفوسنا ونروضها عليه حتى يستقيم لها ذلك على الطبيعة، والآن بعد أن تبينا الخوف الذي هو عبادة لله، والخوف الذي هو شرك بالله، لا زلت وأنا أتحدث ألمح سؤالاً يراود الأذهان ويداعب الأفهام يكاد يسرع إلى اللسان ليقول: لكن الخوف شيء جبليّ فطر عليه العبد وجبل عليه الإنسان وخلق عليه المخلوق أفيعاب على الإنسان أن يخاف مما يعلم أنه يصيبه بالضر؟ إننا ولابد نخاف من السباع بل من الكلاب ونخاف من الحيات والثعابين بل هناك من يخاف من الصراصير والفئران فهل هذا حرام علينا؟ لطفك لا تقول نعم فأنت أيضا يا شيخ من بعض هذا تخاف.



وأقول: نعم.. ولا عيب ولا شين في هذا لا علي ولا عليكم - أيها الإخوة - فإن الله تعالى ما كلفنا أبداً أن نخرج ذلك الخوف من قلوبنا فهذا لا يذم وكيف يذم وقد قال الله في حق نبي مرسل من أولي العزم هو موسى عليه السلام: "فخرج منها خائفاً يترقب" وقال: "فأوجس في نفسه خيفة موسى" فهذا خوف طبيعي لا يذم بل ربما يحمد إذا ساعد وحمل صاحبه على أخذ الأهبة والاستعداد لكنه - وتشاركوني الرأي في هذا- يذم إذا كان حاملاً على الجبن والخور والانهزام وترك الإقدام، وهناك أيضاً الخوف الوهمي من شيئ لا وجود له أو شيء ضعيف واه لا يكاد يكون سبباً لخوف وهذا أيضًا خور وضعف وجبن كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله منه صباح مساء فيقول: اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل". [13] فهو بهذا من الأخلاق الرذيلة التي يجدر بالمسلم أن يترفع عنها لكن من غلبته طبيعته فلم يستطع أن يخرج ذلك من نفسه فلا يأثم ولا يذم، لكن أن يداهن المرء في دينه خشية أن يقول الناس متشدد أو غير حضاري فهذا غدًا يقول له رب العالمين إياي كنت أحق أن تخشى.



ويذكر هذا بما "حدث في لجنة الشؤون الدينية بمجلس الشعب فقد جرى كلام حول استصدار قرار بإلغاء مهرجانات السينما لما فيها من عري وفساد وما لها من تأثير على دين الناس، فاستنكر ذلك صاحب أخبار الناس بجريدة الأخبار، ويبدو أن استنكاره كان موجها لرئيس اللجنة، فسارع رئيس لجنة الشؤون الدينية الذي يحمل درجة الدكتوراه لينفي اللوم عنه وعن جميع أعضاء اللجنة، ولو مجرد التفكير في هذا القرار فقال ردا على المقال: عزيزي محرر صفحة أخبار الناس، بخصوص مقالتك الخاصة بإلغاء مهرجانات السينما في مصر إن الأمر لم يتعد رأيا من الضيوف الذين يحضرون اجتماعات اللجنة، ولم يؤيده أحد من الأعضاء، وبالتالي لم يصدر به قرار".



فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - إذ يقول: "والسعادة في معاملة الخلق أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله".



وبعد أيها الإخوة.. وقد طوفنا في بستان الخوف هل لنا أن نستروح عبير الخائفين من رب العالمين، ونستنشق نسيم اللائذين بجناب رب العالمين؟ نعم ولكن نلتقي بهم بعد جلسة الاستراحة بمشيئة الله تعالى وأستغفر الله لي ولكم.



الخطبة الثانية


الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.



أما بعد، فيا أيها الإخوة!

إلى وردات طيبات نتنسمها من هذا البستان الماتع اليانع من بستان الخائفين اللائذين بجناب رب العالمين، وأستحي أن أقدم أحدًا بين يدي أعظم الناس خوفاً من الله وهو رسوله ونبيه ومصطفاه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فها هو الترمذي يخرج عن خباب بن الأرت – وكان قد شهد بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه (راقب رسول الله الليلة كلها (وفي لفظ: في ليلة صلاها كلها) حتى كان مع الفجر فلما سلم من صلاته قال له خباب: يا رسول الله بأبي أنت وأمي لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها، قال: "أجل، إنها صلاة رغب ورهب [وإني] سألت ربي - عز وجل - ثلاث خصال فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا (وفي لفظ: أن لا يهلك أمتي بسنة) فأعطانيها، وسألت ربي - عز وجل - أن لا يظهر علينا عدواً من غيرنا فأعطانيها، وسألت ربي أن لا يلبسنا شيعاً فمنعنيها).[14]



وهاهو أيضا صلى الله عليه وسلم كما في النسائي وغيره (يقوم ليلة بآية يرددها حتى أصبح وهي: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم [بها يركع وبها يسجد وبها يدعو] [فلما أصبح قال له أبو ذر رضي اللهعنه: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها] [وتدعو بها] [وقد علمك الله القرآن كله] [لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه] [قال: (إني سألت ربي - عز وجل - الشفاعة لأمتي فأعطانيها وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئاً)][15]



وروى ابن حبان في صحيحه وسنده حسن عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقال عبد الله بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وقالت: قام ليلة من الليالي، فقال: يا عائشة! ذريني أتعبد لربي قالت: قلت: والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك قالت: فقام فتطهر ثم قام يصلي فلم يزل يبكي حتى بل حجره ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض وجاء بلال يؤذنه بالصلاة فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ثم تلا الآيات من آخر سورة آل عمران "إن في خلق السموات والأرض". [16]



وفي الحديث كما هو ظاهر واضح: بيان "فضل النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة خشيته، وخوفه من ربه، وإكثاره من عبادته، مع أنه تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فهو المنتهى في الكمال البشري. ولا جرم في ذلك فهو سيد البشر صلى الله عليه وسلم".



وكل ورد البستان ورياحينه قد أخذت من ريحه صلى الله عليه وسلم مسًّا ومن طيبه عبقًا ومن أريجه مسكة فها هو عمر - رضي الله عنه - كما روى ذلك ابن حبان عن جعفر بن زيد العبدي قال: خرج عمر يَعِسَ المدينة ذات ليلة، فمر بدار رجل من المسلمين، فوافقه قائماً يصلي، فوقف يستمع قراءته فقرأ: "والطور" حتى بلغ ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ﴾ [الطور: 7، 8]. فقال: قسم - ورب الكعبة - حق. فنزل عن حماره واستند إلى الحائط، فمكث ملياً، ثم رجع إلى منزله، فمكث شهراً يعوده الناس لا يدرون ما مرضه، رضي الله عنه.



وروى الإمام أبو عبيد في "فضائل القرآن": عن الحسن: أن عمر قرأ: "إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع"، فربا له ربوة عيد منها عشرين يوماً.



وهذا الأسود بن يزيد وهو من سادات التابعين روى عن عائشة وغيرها، ويقول عنه علقمة بن مرثد: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم الأسود بن يزيد، كان مجتهداً في العبادة يصوم حتى يخضر جسده ويصفر، وكان علقمة بن قيس يقول له: لم تعذب هذا الجسد؟ فيقول: راحة هذا الجسد أريد. فكان من أشد الناس خوفاً من الله: لما احتضر بكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ قال: مالي لا أجزع ومن أحق بذلك مني، والله لو أتيت بالمغفرة من الله - عز وجل - لهمني الحياء منه مما قد صنعته. إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه، فلا يزال مستحيياً منه.



وهذا إمام أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل يدخل عليه تلميذه أبو حامد الخلقاني يستفتيه في مسألة تعرفون ما هذه المسألة؟ نظر إلى الإمام وقال:

ماذا أقول لربي..



إذا ما قال لي يوماً

أما استحييت تعصيني



وتخفي الذنب من خلقي

وبالعصيان تأتيني



فما قولي له لما

يعاتبي ويقصيني؟






فنظر إليه الإمام وقال: أعدها علي بالله عليك يا أبا حامد، كرر علي هذه الأبيات فكررها عليه أبو حامد يقول: فدخل الإمام داره وهو يبكي وأغلق بابها قال: فسمعته من وراء الباب ينتحب وهو يردد الأبيات ويقول:



إذا ما قال لي يوماً

أما استحييت تعصيني



وتخفي الذنب من خلقي

وبالعصيان تأتيني



فما قولي له لما

يعاتبي ويقصيني؟






ولما وقف الفضيل بن عياض على جبل عرفات في هذا الموقف الأعظم في هذا اليوم الأكرم الأشرف رفع رأسه إلى السماء وهو قابض على لحيته يبكي بكاء شديداً مراً وهو يقول: واسوأتاه منك يا سيدي وإن عفوت واسوأتاه منك يا سيدي وإن عفوت.



وعن جعفر بن زيد - رحمه الله - قال: خرجنا غزاة إلى [كأبول] وفي الجيش [صلة بن أشيم العدوي] - رحمه الله -، قال: فترك الناس بعد العتمة (أي بعد العشاء) ثم اضطجع فالتمس غفلة الناس، حتى إذا نام الجيش كله وثب صلة فدخل غيضة وهي الشجر الكثيف الملتف على بعضه، فدخلت في أثره، فتوضأ ثم قام يصلي فافتتح الصلاة، وبينما هو يصلي إذ جاء أسد عظيم فدنا منه وهو يصلي!! ففزعت من زئير الأسد فصعدت إلى شجرة قريبة، أما صلة فوالله ما التفت إلى الأسد!! ولا خاف من زئيره ولا بالى به!! ثم سجد صلة فاقترب الأسد منه فقلت: الآن يفترسه!! فأخذ الأسد يدور حوله ولم يصبه بأي سوء، ثم لما فرغ صلة من صلاته وسلم، التفت إلى الأسد وقال: أيها السبع اطلب رزقك في مكان آخر!! فولى الأسد وله زئير تتصدع منه الجبال!! فما زال صلة يصلي حتى إذا قرب الفجر!! جلس فحمد محامد لم أسمع بمثلها إلا ما شاء الله، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجيرني من النار، أو مثلي يجترئ أن يسألك الجنة!!! ثم رجع - رحمه الله - إلى فراشه (أي ليوهم الجيش أنه ظل طوال الليل نائماً) فأصبح وكأنه بات على الحشايا (وهي الفرش الوثيرة الناعمة والمراد هنا أنه كان في غاية النشاط والحيوية) ورجعت إلى فراشي فأصبحت وبي من الكسل والخمول شيء الله به عليم.



أمثلة وأمثلة ولو ذهبنا نستقصي ونتتبع ما انتهينا إلى آخر، فلقد كان سلفنا رحمهم الله يخشون ربهم كلهم حق الخشية ويخافون ويحذرون غضبه وعقابه.



وعلى ضوء هذه المصابيح النيرة تعالوا بنا نؤمل الوصول كما وصلوا، فأين هو الطريق إلى خوف الله - عز وجل - كيف نجعل النفوس تخشى ربها وتهابه وتخشى غضبه وعقابه وألخص ذلك في نقاط، فمن أول ذلك - أيها الإخوة - معرفة الله - عز وجل - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى محال أن تخشى وتخاف منه وأنت لا تعرفه تعرف على الله، تعرف على عظمته وجلاله وقدره وقوته وشدته وبأسه وطالع فعله بأعدائه وانتقامه منهم لأوليائه كيف فعل بهم وكيف نكل! بل اقرأ قبل ذلك في صفات الجمال ونعوت البهاء والله تبكي رقة وخشية قبل أن تبكي خوفاً وهيبة.



فأول خطوة على الطريق معرفة الله - عز وجل -، إن الخوف أساسه المعرفة فكلما كان الإنسان أعرف بربه وغناه وعظمته، وأعرف بنفسه وفقره وحاجته كان أخوف لله تعالى، ولذلك كان المصطفى صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بربه وأخوف وأخشى الناس لربه كما في الحديث: "فوالله إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية".[17]



وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28] أي: ما يخشى الله حق خشيته مثل العارفين العالمين بقدره وقوته وعظمته.



وذلك لأن المعرفة إذا كملت أثمرت الخوف ففاض أثره على القلب ثم ظهر على الجوارح والصفات فينكف العبد عن المعاصي ويلتزم بالطاعات ولهذا جاء في الحديث من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل"[18] أي من خاف فوات الوقت سار مسرعاً واستيقظ وتنبه قبل أن يلحقه قاطع أو يعوقه عائق.



ثانياً: - أيها الإخوة - تجديد الإيمان في القلوب، لأن الخوف من الإيمان والإيمان يزيد وينقص فمراعاة الإيمان وتجديده باستمرار يقوي الخوف في القلب تبعاً لقوة الإيمان فيه وقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم كما في المستدرك بسند حسن من حديث عبد الله بن عوف: "إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب – أي كما يبلى الثوب – فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم"[19]



وهذا إنما يحصل بالذكر وقراءة القرآن والمحافظة على الطاعات والبعد عن المعاصي والسيئات وكل هذه الأعمال تقوي الإيمان في القلب وبالتالي يقوى الخوف من الله فيه.



ثالثاً: وأجمع فيها أسباباً عدة: مطالعة أخبار السلف الصالح ومعرفة أحوالهم والعلم بخطر المعصية وقدر جناية العبد إذا خالف أوامر الله، والمعرفة بعقوبات المعاصي ولك أن تقرأ ما كتب ابن القيم في آثار الذنوب والمعاصي في كتابه القيم الداء والدواء ففيه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ذكر فيه مائة أثر للمعصية أو يزيد تحل كعقوبات عليها.



رابعًا: ومن عوامل ترسيخ الخوف من الله في القلب: مجالسة العلماء العاملين من عباد الله تعالى الذين يذكرون العبد بالله إذا نسي ويعينونه إذا ذكر:

قيل للحسن: يا أبا سعيد كيف نصنع نجالس أقواما يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تطير فقال: والله إنك إن تخالط أقواما يخوفونك حتى يدركك أمن خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى يدركك خوف.



خامسًا وأخيراً: الخوف من أن يمنع الإنسان من التوبة بأن يحال بينه وبينها إذا وقع في الذنب فربما جاءه الموت قبل أن يتوب فلا تقبل توبته كما قال الله - عز وجل -: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء: 18].



أيها الإخوة!

لما ظهر السلطان ابن غازان على دمشق المحروسة، جاءه ملك الكرج، وبذل له أموالا كثيرة جزيلة على أن يمكنه من الفتك بالمسلمين من أهل دمشق، فوصل الخبر إلى شيخ الإسلام ابن تيمية فقام من فوره، وشجع المسلمين ورغبهم الشجاعة، ووعدهم على قيامهم بالنصر والظفر والأمن وزوال الخوف، فانتدب منهم رجال من وجوههم وكبرائهم وذوي أحلامهم، فخرجوا معه إلى حضرة السلطان غازان، فلما رأى الشيخ أوقع الله فه في قلبه هيبة عظيمة، حتى أدناه منه وأجلسه، وأخذ الشيخ في الكلام معه في عكس رأيه من تسليط المخذول ملك الكرج على المسلمين، وأخبره بحرمة دماء المسلمين، وذكره ووعظه فأجابه إلى ذلك طائعا وحقنت بسببه دماء المسلمين وجميت ذراريهم وصين حريمهم.



قال الشيخ كمال الدين بن الأنجا: كنت حاضرا مع الشيخ فجعل يحدث السلطان بقول الله ورسوله في العدل وغيره، ويرفع صوته على السلطان، ويقرب منه في اثناء الحديث، حتى لقد قرب أن يلاصق بربكبته ربكة السلطان والسلطان مع ذلك مقبل عليه بكليته مصغ لما يقول، شاخص إليه لا يعرض عنه، وإن السلطان من شدة ما أوقع الله في قلبه من المحبة والهيبة سأل من هذا الشيخ فإني لم أر مثله، ولا أثبت قلبا منه، ولا أوقع من حديثه في قلبي ولا رأيتني أعظم انقيادا لأحد منه، فأخبر بحاله، وما هو عليه من العلم والعمل، فقال الشيخ للترجمان: قل لغازان أنت تزعم أنك مسلم ومعك قاض وإمام وشيخ ومؤذنون على ما بلغنا، فغزوتنا وأبوك وجدك كانا كافرين، وما عملا الذي عملت عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت، وجرت ثم خرج من بين يديه مكرما معززا بحسن نيته الصالحة من بذل نفسه في طلب حقن دماء المسلمين فبلغه الله تعالى ما اراده، وكان أيضا سببا لتخليص غالبا اسارى المسلمين من أيديهم، وردهم على أهليهم وحفظ حريمهم وهذا من أعظم الشجاعة والثبات وقوة التجاسر.



وكان يقول: لا يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه، فإن رجلا شكا إلى أحمد بن حنبل خوفه من بعض الولاة فقال: لو صححت لم تخف أحداً، أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك.



أسأل الله أن يجعلنا ممن يخشاه ويتقيه ويخافه حق الخشية والتقوى والخوف... الدعاء.





[1] فتح القدير(1/ 400).




[2] تعليقات على القول المفيد للشيخ عبدالرحمن المحمود نقلًا عن عون العلى الحميد(2/ 97).



[3] تفسير ابن كثير - (7 / 501)، والحديث أخرجه الجماعة: البخاري (4878) ومسلم (180) والترمذي (2528) والنسائي في الكبرى (7765) وابن ماجه (186).



[4] سنن الترمذي برقم (1639)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 1229.



[5] أخرجه البخاري (660، 1423)، ومسلم (1031).



[6] أخرجه مسلم 7157.



[7] أخرجه أبو نعيم في الحلية وحسنه الألباني انظر حديث رقم: 4332 في صحيح الجامع.



[8] أخرجه الترمذي، 1516، وصححه الألباني في صحيح الترمذي 2648، وفي ظلال الجنة 315 - 318.



[9] ينظر روايات المتصوفة في هذا الشأن: "طبقات الشافعية" للسبكي (9/ 211، 410)، و"الكواكب الدرية "للمناوي (1/ 13، 66)، و"جامع كرامات الأولياء" للنبهاني (2/ 244- 275)، و"الطبقات الكبرى"للشعراني (5/ 88، 106).



[10] الشرك بالله 496، وما بعدها، نقلًا عن عون العلي الحميد (2/ 95، 96).



[11] مجموع الفتاوى: 1/ 51.



[12] أخرجه ابن حبان 1 / 247، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2250.



[13] أخرجه البخاري 2822.



[14] أخرجه النسائي (1/ 243)، والترمذي (2/ 26 - طبع بولاق)، وأحمد (5/ 108و 109)، (وابن حبان (7192 - الإحسان)، والطبراني (1/ 187/ 2) = [4/ 57 و 58و 59]) وانظر: أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم - (2 / 535).



[15] أخرجه النسائي (1/ 156 - 157)، وابن ماجه (1/ 407)، والطحاوي (1/ 205)، والحاكم (1/ 241)، وأحمد (5/ 156 و177) من طرق عن قُدامة بن عبد الله العامري عن جَسْرَةَ بنت دِجاجةَ عنه. وقال الحاكم: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي. وكذا صححه الحافظ العراقي (1/ 252) وغيره. وفي"الزوائد":
"إسناده صحيح، ورجاله ثقات". وانظر: أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم - (2 / 535).



[16] أخرجه ابن حبان 622، والأصبهاني كما في الترغيب والترهيب برقم (666)، وأبو الشيخ ابن حبان في"أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم"(200 - 201) وانظر: "الصحيحة"1 / 106.



[17] أخرجه البخاري (7301)، ومسلم (2356).




[18]أخرجه أبو نعيم في" الحلية" (8 / 377) عن وكيع و الحاكم (4 / 308)، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" 2 / 675.



[19] أخرجه الحاكم (1 / 4)، وقال الهيثمي في" المجمع" (1 / 52): "رواه الطبراني في" الكبير "، وإسناده حسن"، وصححه الألباني في صحيح الجامع 1590.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.56 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.64%)]