عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 26-08-2020, 03:40 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,235
الدولة : Egypt
افتراضي رد: حياة القلوب في محبة علام الغيوب

وخذ يمنة عنها على المنهج الذي
عليه سرى وفد المحبة آهلا

وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة
فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا

فما هي إلا ساعة ثم تنقضي
ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا

أيها الكرام! إذًا فما هو الحب؟ وما هي المحبة؟
الحب هو الحب والمحبة هي المحبة وقد قيل: من المعاني ما هو كالورد يشم ولا يلمس، ويتنسم ولا يتحسس؛ لأنه يستروح به ولا يجدي أن "يفعص".

يقول العلامة ابن القيم: لا تحد المحبة بحد أوضح منها فالحدود لا تزيدها إلا خفاءً وجفاءً، فحدها وجودها، ولا توصف المحبة بوصف أظهر من المحبة.

وإن كان ولا بد فالمحبة هي وصف قائم بالقلب يؤدي إلى السرور وغيره من المقتضيات؛ كالطاعة واللذة ونحوها".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأصل المحبة قوة في القلب تحرك إرادة الإنسان لتحصيل المحبوبات أصلًا، ودفع المكروهات تبعًا، فتميل النفس إلى الشيء إذا كان محبوبًا، وتنفر عنه إن كان مكروهًا.
وقف الهوى بي حيث أنت
فليس لي متأخر عنه ولا متقدم

أجد الملامة في هواك لذيذة
حبا لذكرك فليلمني اللوم

أشبهت أعدائي فصرت أحبهم
إذ كان حظى منك حظى منهم

وأهنتني فأهنت نفسي صاغرًا
ما من يهون عليك ممن يكرم


وكما قال بعضهم:
ولئن ساءني أن نلتني بمضرة فلقد سرني أني خطرت ببالك

هذا كلام يقوله أهل الدنيا في محبة بعضهم بعضًا فما البال إن كان المحبوب الذي هو بكل جميل كفيل وهو الحسب ونعم الوكيل، فما من نعمة إلا هو منعمها، وما من منة إلا هو صاحبها، وما يعرف يد لها جميل إلا هو سائقها وموجهها، عز شأنه وعظم سلطانه وتعظمت آلاؤه وتقدست أسماؤه، فهو سبحانه أولى بالحب من كل أحد.

ولذلك أيها الإخوة الكرام كان لا بد وأن نجعل محبة الله في القلب في أعلى وأوسع وأرسخ مكان، وأن تأتي المحاب كلها في القلب بعد ذلك، هذا من أصل التوحيد ولبه، وإلا كانت شركًا، وبهذا نعلم أن المحبة نوعان؛ أي: بالنسبة إلى الله تعالى، محبة واجبة، ومحبة محرمة، فالمحبة الواجبة هي محبة الله تعالى أكبر من محبة غيره.. والمحبة المحرمة هي محبة غير الله أعظم من محبته أو مثل محبته فمن المحبة المحرمة أن تدفعك محبة شخص إلى طاعته في الكفر، فهذا حرام؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 165]، أو تدفعك محبته إلى عبادته كذات الإله والسجود له والاستغاثة به، ولا شك أن هذا شرك أكبر.

ومن المحبة المحرمة محبة الكفار لدينهم أو محبة دينهم، وهذا كفر، والأدلة على هذا فى القرآن والسنة كثيرة جدًّا كما قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة:51]، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المرء مع من أحب"[1]، فلا شك أن من أحب الكفار لدينهم وكفرهم كفر.

فهذه أمثلة للمحاب المحرمة وكل محبة جائزة دفعتك إلى فعل محرم أو ترك واجب، فهي محرمة، إذًا محبة الله واجبة، وهذه المحاب التي ذكرناها محرمة، وهناك نوع ثالث وهي المحاب الجائزة، فمنها: محبة المال والزوجة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حُبِّب إلي من دنياكم النساء والطيب"[2].

ومنها محبة الولد لوالده، ومحبة الطالب لأستاذه وشيخه، ومنها محبة الوالد لولده ومحبة المسكين والمريض، ومنها المحبة التي تكون للألف والأنس؛ أي: للمؤالفة والمؤانسة كمحبة المشركين في صنعة، ومحبة الذين من بلد واحد في الغربة.

وهذه المحاب جائزة في الأصل؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ.... ﴾ [التوبة:24] الآية[3].

فالشرط ألا تكون مثل محبة الله ولا أكثر، والأصل فى هذا كله أن نفهم هذه الآيات: "﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 165 - 167].

قال ابن القيم: أخبر أن من أحب من دون الله شيئًا كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا، فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدًا من أهل الأرض لم يثبت هذا الند في الربوبية بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله أندادًا في الحب والتعظيم.

فينبغي أيها الإخوة أن نضبط مقاييس هذه المحاب في القلوب، وأن يكون مرجع ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله، فما وجدناه حلالًا فعلناه، وما كان حرامًا اجتنبناه، فإن الله - عز وجل - ذم من آثر على محبته محبة غيره مع أنه مجبول عليها، فقال - عز وجل -: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24].

ودعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه مقبول بالتعاسة وخيبة الرجاء، وانقلاب المقصد إلى ضد ما يقصد، فقال صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الذي أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِىَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلاَ انْتَقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِى الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ "[4].

فحاذر أيها الكريم أن يكون أحد في قلبك أعظم محبة من الله تعالى، والسؤال الآن: كيف يصل إلى قلب المسلم هذا التصور ويرسخ فيه كاعتقاد؟
والجواب:
يكون ذلك بأمور:
منها: أن يتفكر في خلق الله - عز وجل - فيصل بذلك إلى تعظيمه ومحبته، فإن من عظَّم شيئًا، خضَع له.

ومنها: أن يستشعر نعم الله عليه، وأنها لا تعد ولا تحصى، فيؤسر قلبه لذلك، فالإنسان أسير الإحسان، والإحسان يدك العنق، وكما قيل:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فلطالما استعبد الإنسان إحسان

ومنها: التعرف إلى الله - عز وجل - بأسمائه الحسنى، ومنها الودود القريب المجيب، الرحمن الرحيم الرؤوف، المنان الحنان، وكذلك التعرف إلى صفاته العليا، فعن طريق معرفة الأسماء الحسنى والصفات العلا، يحب المرء الله تعالى، فيرسخ في قلبه حبه عز وجل.

ومنها: الاقتراب منه تعالى، وإدمان طَرْق بابه، والوقوف على نِعَمه الخفية التي لا يشعر بها إلا من اغترف من معين العبودية، وكما قيل: من ذاق عرف ومن عرف اغترف.

بهذه الأسباب وأشباهها - أيها الإخوة - يجد القلب محبة الله، ومن وجد محبة الله ذاق طعم الإيمان، ووجد حلاوته، واستشعر نعيمه ولذته، واستمتع بهذا الدين فعاش في جنة في الدنيا قبل الآخرة.

روى البخاري ومسلم من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ"[5].

إنه فرح ولذة وسرور ونشوة لا يعدلها شيء في الدنيا على الإطلاق، حتى قال من وجدها يومًا: إنا لفي نعيم لو يعلم به الملوك وأبناء الملوك، لجالدونا عليه بالسيوف، وقال آخر: "إنه لتمر على القلب لحظات أقول عنها: لو أن أهل الجنة في مثل ما أنا فيه من النعيم، إنهم لفي نعيم مقيم".

وقال آخر: "مساكين أهل الدنيا خرجوا منها ولم يذوقوا أحلى ما فيها، قيل: وما أحلى ما فيها؟ قال: ذكر الله - عز وجل".

وقال آخر: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، وفي الدنيا نعيم من لم يذقه، فلن يذوق نعيم الآخرة"، يقصد: جنة محبة الله، ونعيم القرب من الله.

لله در شيخ الإسلام ابن تيمية وقد حبسوه في سجن القلعة، فقال: ﴿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ [الحديد: 13].

ثم قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أينما ذهبت فهي معي، إن نفوني فنفيي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، وإن سجنوني فسجني خَلوة".

ثم قال: "المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه، والله لو بذلت ملء القلعة ذهبًا ما عدل ذلك عندي شكر نعمة الحبس، وما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير، اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، سبحان الله ينطق حاله قائلاً:
أنا لست إلا مؤمنًا بالله في سري وجهري أنا نبضة في صدر هذا الكون فهل يضيق صدري

يقول تلميذه [ابن القيم] - رحمه الله -:
وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والتنعم، وما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق، ومع ذلك فهو من أطيب الناس عيشًا وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فآتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها.
رجحوا حلمًا وخفوا هممًا ونشوا سِيدًا وشبوا عُلَما

علموا من أين ينزاح الشقاء، فأزاحوه وعاشوا سعداء.

إنه بلسم الحياة.

وإذا بآخر يحكم عليه بالقتل ويُعلن عليه يحكم عليه، فما يزيد على أن يفتر ثغره عن ابتسامة نابعة من صدر مطمئن هادئ، واثق بموعود الله، فيقال له: ما تنتظر؟ قال: أنتظر القدوم على ربي، لقد عملت لهذا المصرع خمسة عشر عامًا، وإني لأرجو الله أن تكون شهادة في سبيله:
فوالله إني أرى مصرعي
ولكن أمدُّ إليه الخطى.

وتالله هذا ممات الرجال
فمن رام موتًا شريفًا فذا[6]



وهكذا - أيها الإخوة - سرور وفرحة ورغد ونشوة خير من كل متاع، إنها على حد تعبير بعضهم لحظات من الجنة.

فلا ريب أن يكون التعبير عنها بهذا اللفظ: "وجد حلاوة الإيمان"، فأثبت النبى صلى الله عليه وسلم للإيمان حلاوة، أقول بل أثبت النبي صلى الله عليه وسلم أن للإيمان مذاقًا وطعمًا، كذلك ففي الحديث الذي أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا".[7]

أيها الإخوة! كيف السبيل إلى وجدان هذه الحلاوة؟ والجواب - كما أوضحه الحديث - بثلاثة:
الأول: تقديم محبة الله والرسول صلى الله عليه وسلم على ما سواهما؛ يعني: أن يقدم العبد أمر الله وأمر رسوله ونواهي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على كل شيء.

الثاني: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله، لا من أجل دنيا يصيبها ولا مصلحة يحصلها، بل لله وحده محبة خالصة يكتب الله لها الدوام والاتصال، ويتصل نعيمها بنعيم الآخرة؛ كما قال - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10].

الثالث: أن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار.

فأثبت لهم عقد الإيمان والأخوة، فلا يحب محبة خالصة إلا المؤمن ولا يكون مؤمنًا حقًّا إلا إذا أحب محبة خالصة، فإذا رأيت إيمانًا بلا أخوة، فاعلم بأنه إيمان ناقص، وإن رأيت أخوة بلا إيمان، فاعلم أنها التقاء مصالح وتبادل منافع، وإذا رأيت أخوة الإيمان، فتلك التي سمى الله - عز وجل - في كتابه.

بثلاثة أمور يجد العبد طعم الإيمان - أيها الإخوة -: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، و أن يكره الكفر كراهية شديدة كما يكره أن يلقى في النار.

فمن حرص على هذه الأمور الثلاثة فقد حصَّل محبة الله تعالى وعلى قدر الطاعة لله وعلى قدر العبادة لله يذوق العبد حلاوة الإيمان، وعلى قدر المعصية يفقد هذه الحلاوة حسب زيادة الإيمان ونقصانه، فعقيدتنا عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بزيادة الطاعات والصالحات، وينقص بالمعاصي والزلات والسيئات، وعلى قدر الإيمان يكون مذاقه وطعمه وحلاوته.

أيها الإخوة!
ناجى نبي الله داود ربه فقال: "يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ فقال الله - عز وجل -: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني وحببني إلى خلقي، فقال داود: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك، قال: يا داود ذكِّرهم بآلائي، ونعمائي وبلائي".

ومن جعل السعي إلى مرضاة الله تعالى وجهه ومقصده، كان من أكمل الناس إيمانًا، فلا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، ولا يصل إلا لله، ولا يقطع إلا لله؛ روى أبو داود وحسنه الألباني من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "من أحب لله وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله - فقد استكمل الإيمان"[8].

وروى أحمد وابن جرير عن ابن عباس أنه قال: "من أحب في الله وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئًا"[9].

هذه هي حقيقة الموالاة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ﴾ [المائدة: 55]، فالموالاة بنص هذه الآية لا تكون إلا لله تعالى لذاته، وتكون لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين لأمر الله تعالى بموالاتهم، فمن كان عنده موالاة لغير الله ورسوله والمؤمنين، فقد أشرك مع الله غيره في الحب، ولا شك أن شرك الولاية داخل في شرك المحبة، لكون موالاة أهل الشرك والكفر من نواقض التوحيد، بل لا تتحقق شهادة أن لا إله إلا الله إلا بإخلاص المحبة والولاية لله وحده لا شريك له، وموالاة من أمر الله تعالى بموالاتهم، فمن فعل ذلك ضمن مع الله تعالى النجاح والفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة، فما كان لله دام واتصل/ وهذا هو الذي والى الله ورسوله والمؤمنين، وما كان لغيره سبحانه انقطع وانفصل، وهذا هو الولاء للشرك والمشركين والمنافقين، وصدق الله تعالى إذ يقول: ﴿ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ﴾ [آل عمران:28].

وقال تعالى: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ ﴾ [البقرة:166]، قال حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما: "المودة"[10].

وهذا يدلنا على أن المحبة التي تكون لغير الله لا تنفع، وعلى أن المحبة من أجل الدنيا مذمومة، وصدق ربي إذ يقول: ﴿ الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف:67].[11]

وهكذا أيها الكرام فأصل التوحيد وروحه إخلاص المحبة لله وحده، بل هي حقيقة العبادة ولا يتم التوحيد حتى تكمل محبة العبد لربه، وتسبق محبته جميع المحاب وتغلبها، ويكون لها الحكم عليها؛ بحيث تكون سائر محاب العبد تبعًا لهذه المحبة التي بها سعادة العبد وفلاحه.

نعم - أيها الإخوة - لا يكمل للعبد إيمان ولا يتم له توحيد إلا إذا أخلص المحبة لله وحده، فأحب ما يحبه الله من الأشخاص والأعمال، وأبغض ما يبغضه الله من الأشخاص والأحوال، ووالى أولياءه وعادى أعداءه.

وللحديث صلة بعد جلسة الاستراحة إن شاء الله وأستغفر الله لي ولكم.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 37.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.08 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.67%)]