عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 23-08-2020, 02:30 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,246
الدولة : Egypt
افتراضي رد: سلوة القلوب في فرقة المحبوب

سلوة القلوب في فرقة المحبوب


د. شميسة خلوي



وفي موقف الوداع الأخير يُعبِّر بهاء الدين زهير عن لوعة فراق الموت فيقول:



أَراكَ هَجَرتَني هَجراً طَويلاً

وَما عَوَّدتَني مِن قَبلُ ذاكا




وَما فارَقتَني طَوعاً وَلَكِن

دَهاكَ مِنَ المنِيَّةِ ما دَهاكا




يَعِزُّ عَلَيَّ حينَ أُديرُ عَيني

أُفَتِّشُ في مَكانِكَ لا أَراكا




وَما لي أَدَّعي أَنّي وَفِيٌّ

وَلَستُ مُشارِكاً لَكَ في بَلاكا




وَيا خَجَلي إِذا قالوا مُحِبٌّ

وَلَم أَنفَعكَ في خَطبٍ أَتاكا




وَلا زالَ السَلامُ عَلَيكَ مِنّي

يَرُفُ مَعَ النَسيمِ عَلى ذُراكا







ورثى عبدُ الله بن الأهتم ابنا له بقلب اعتصر ألما على فراقه فقال:



دَعوتُك يا بُنيِّ فلم تجِبْني

فَرُدّت دَعْوتي يأساً عليِّ




بموتكَ ماتَت اللّذات منّي

وكانت حَيَّة ما دُمتَ حيّاً




فيا أسفَا عليك وطُولَ شَوْقي

إليك لو أنَّ ذلك رَدّ شَيّا







يا من بَاتَ يَتَجَرَّعُ غُصَص الْكَرْب لمصيبة الفراق المحتوم حين غيَّب الثَّرى من أحبّ، تذكَّر: ï´؟ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ï´¾ [البقرة: 155-156].



ردّد إذن: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وأبشر بلطف خفيٍّ، من علَّام الغيوبِ.



حديثٌ فيه سلوة لقلوبِ من فقدَ عزيزا، وهل مثل فلذة الأكباد عزيز؟



وصف أنس بن مالك رضي الله عنه حالة الحبيب المصطفى عليه الصَّلاة والسَّلام بعدما انتقل ابنه إبراهيم إلى دار القرار، فقال: « دخلنا مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أبي سيف القين، وكان ظِئْرًا[6] لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إبراهيم، فقبَّله، وشمَّه، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، فجعلت عينا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: وأنت يا رسول الله؟ فقال: «يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ» ، ثم أتبعها بأخرى، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلَّا مَا يرضى رَبّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ»»[7]، يا الله على هذا المشهد ورسُولنا يذْرِفُ دموعه الطَّاهرات، فِداكَ أبي وأمي يا رسُول الهدى.



ألا إن للفراق حُرقة، وللوداع أشجان تُطبع على القلب لا تزول، وإنها دارُ الغرور.



يا خاطِبَ الدُنيا إِلى نَفسِها

تَنَحَّ عَن خِطبَتِها تَسلَمِ




إِنَّ الَّتي تَخطُبُ غَرّارَةٌ

قَريبَةُ العُرسِ مِنَ المأتَمِ[8]







تعالوا إلى مشهد آخر، مشهد يُدمع المآقي ويُثير في النَّفس شوقا لرؤية خير المرسلين، مشهدُ وفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس هذا المصاب كغيره، موتٌ انقطعَ به وحيُ السَّماء عن الأرض، طبت حيًّا وميِّتا يا صفيَّ الأنام، وهل بعد فقْد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد؟



كيف لا، وقد كان أمنةً للمؤمنين من الفتن والحروب واختلاف القُلوب؟ كان حبيبنا عليه الصلاة والسَّلام كثيرا ما يرفعُ رأسه إلى السّماء ويقول: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ».[9]



رسولُ الله يُخاطبكَ يا مَن فقدتَ من أحبَبْت، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ، فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي».[10]



فيا مُصابا بموت عزيز، تصبّر، تأسّى بفعل الصدِّيق رضي الله عنه حين توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال: « من كان منكم يعبد محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حيٌّ لا يموت، قال الله تعالى: ï´؟ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ï´¾ [آل عمران: 144] إلى ï´؟الشَّاكِرِينَï´¾ [آل عمران: 144] والله لكأنَّ الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزلها حتى تلاها أبو بكر رضي الله عنه، فتلقَّاها منه الناس، فما يسمع بشر إلا يتلوها ».[11]



يا محزون الصدر بفقد قريب أو حبيب أو صديق، تذكَّر: قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي المؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلَّا الجَنَّةُ»[12]، والصفيُّ هو كل من يحبُّه الإنسان ويتعلّق به، سواء كان من الأبناء أو الأهل أو الأصحاب أو الرِّفاق.



يا من احْتَضَركِ الهمُّ والجزع، واعْتَلَجتْ في صدركِ الآهات والأنّات بعد فقدكِ لرياحين فؤادكِ، تذكّري: قال رسول اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلاَثَةً مِنْ وَلَدِهَا، إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ» فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتَيْنِ؟ فَقَالَ: «وَاثْنَتَيْنِ»[13].



يا مكروب النفس بموت أطفالك، تذكّر: قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ««لاَ يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاَثَةٌ مِنَ الوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ، إِلَّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» قال أبو عبد اللَّهِ: ï´؟ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ï´¾[مريم: 71] »[14].



يا من ضَرَّمَ الحبّ أنفاسكَ، وبدّد البين صفاء الوُدّ بحليلتكَ في دار الدنيا، وفاضتْ نفس زوجتكَ إلى بارئها، تذكّر: ï´؟ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ï´¾ [النّساء: 78].

يا ربَّة العفاف، يا من تاقتْ نفسُكِ لزوج كان لكِ الأمان والسّكن، بعدما انْصَدَعَ شَمْلُكما، وانبتَّ حبْلُ الودّ الذي جمعكما في دار الدنيا بانقضاء أجلِه، تذكّري: ï´؟ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ï´¾ [الرحمن: 26-27].



متى نُدركُ أن الدنيا دار ممّرٍ لا دار قرارٍ، ودار فناءٍ لا دار بقاء؟ متى نستوعب ذلك؟ هي كما قال أبو العتاهية، حلاوتُها ممزوجةٌ بمرارةٍ، كذا راحَتُها ممزوجةٌ بعَناءِ!



يحق أن نتساءل الآن، تُرى، ما أشدُّ ألما على نفس المفارقِ، بيْنٌ وإلفُه حيٌّ يُرزق، أو بيْنٌ فيه إلفُه تحت الثَّرى موسّد؟



عند بعضهم يكون الفراق أشدُّ وأعظم من الموت، فألم الرَّحيل وعزُّ الإياب بالنسبة لهم هو الموت الحقيقي، يقول ابن الرومي:






وقد يتساوى الألم عند الشَّخص من شدَّة التعلّق أو ربّما لاستحالة اللِّقاء، يقول منصور النمري معبّرا عن هذا المعنى:



إِنَّ المنيَّةَ وَالفِراقَ لَواحِدٌ

أَو تَوءَمانِ تَراضَعا بِلَبانِ







يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 27.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 26.57 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.31%)]