شرح العقيدة الواسطية (1)
الدكتور علي بن عبدالعزيز الشبل
مشكلة المصطلح:
والاصطلاحات التي تُلُوعِبَ بها سُمِّيت الأشياء بعد ذلك بغير اسمها، ألم يخبرنا النبي عن هذه الأزمة (أزمة الاصطلاحات) أنه يأتي في آخر الزمان من يشرب الخمر ويسميها بغير اسمها، فإذا سماها بغير اسمها درج ذلك عند الجهال، فظنوا أنها ليست الخمرة المحرمة.
ويؤكل الربا فيسمى بغير اسمه وهذا وقع، فالربا يُسمى فوائد استثمارات اقتصادية، وهو ربا صريح، ولو سُمِّي باسمه لحذره المسلمون، أما إذا سُمِّي بغير اسمه عند الجاهلين وغير العارفين، فإنه يسوغ عندهم، ويسوغ، ولا يُنكر والخمر مثلاً سُمِّيت مشروبات روحية، أو مشروبات الفرفشة، أو مشروبات حمراء، وصفراء، حتى درجت فنشأ أجيال بعد ذلك لا يظنوا أنها هي الخمر المحرمة.
وكذلك التدين إذا سُمِّي إرهاباً أُسِيء إليه، فالاستقامة على السنة لا تُسمى إرهاباً، لكن التشدد يُسمى تشدداً، ويُسمى تعسيراً كما سمته الشريعة.
وكذلك من الانحراف في الأسماء والمصطلحات رسم ذوات الأرواح، أو نحتها فإنه يُسمى فناً عند أهله، والغنى، واللهو، والفن، والطرب يُسمى فناً.
وتسميته فناً من اللعب بالمصطلح، فالمقصود أن هذا اعتقاداً، ولا يُسمى فِكراً، فإن تسميته فِكراً من المحدثات!.
الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ:
سُمِّيت الفرقة الناجية لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماها كذلك كما في الحديث المستفيض، والمتواتر، حيث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ستة عشر صحابياً حيث قال: (( افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً افْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الأُمَّةُ عَلى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً )). [12]وسماها فرقاً، ثم قال: (( كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَةً )). [13] فالحديث إلى هذا الجزء من الحديث متواتر إلى قوله: إلا واحدة. ولا عبرة فيمن يُضعف الحديث فإنه بلغ مبلغ التواتر إلى هذه الجملة، ثم بعد ذلك تباين الروايات، فأكثرها: (( قَالُوا: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟. قَالَ: مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي )). [14] وجاء في رواية: (( قَالَ: هُمُ السَّوَادُ الأَعْظَمُ )). وَجاء في رواية ثالثة فقال: (( هُمُ الْجَمَاعَةُ )).[15] ومن هذا الباب سُمِّي أهل السنة والجماعة أهل السنة؛ لأنهم على مثل ما عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أي: مع سنته.
وسموا بالجماعة لقوله: هم السواد الأعظم. فهذان الوصفان مستمدهما من هذا الحديث الشريف، وقد شرح شيخ الإسلام شرح حديث الافتراق شرحاً بديعاً.
فالرسول سماها فرقة، وجعلها فرقة ناجية، وغيرها هالكة كلها في النار، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (( كلها في النار )). أنه على جهة الوعيد.
وهو نوعان:
1- فمنها ما هي في النار خالدة إذا كانت بدعتها ومخالفتها وافتراقها مُكَفِّراً مخرجاً عن ملة الإسلام.
2- ومنها ما ليست في النار خالدة، وإنما على جهة الوعيد، وهو ما كانت بدعتها مضللة مفسقة، لم تبلغ حد التكفير، وهذا كثير.
أنواع البدع من حيث حكمها:
1- فمن البدع ما هي كفر كبدعة سب الصحابة وتكفيرهم، وكبدعة اعتقاد أن غير الله ينفع أو يضر، وكبدعة نفي القدر جملة فهذه مكفرة، وبدعة أن الله لا يعلم إلا الكليات كما هو مذهب الفلاسفة وبدع الباطنية، فهذه بالاتفاق أنها مكفرة، بل كفرها أكبر من كفر عقائد اليهود و النصارى وكثير من المشركين كما ذكره أهل العلم في فرق الباطنية، والإسماعيلية، والديصانية، والعبيدية، والحشاشين وأمثالهم.
2- وهناك بدع مضللة لا تبلغ حدَّ الكفر وإنما مبلغها مبلغ التضليل، كمؤولة بعض الصفات، ونحوهم، وهذه يأتي لها مزيد بسط وبيان في ذكر اعتقاد الشيخ.
أوصاف الطائفة الناجية:
فالفرقة الناجية هي ناجية في مقابل الفرق الهالكة.
1- الوصف الأول أنها فرقة.
2- والوصف الثاني أنها ناجية.
3- والوصف الثالث أنها منصورة. وهذا وصف ثالث لهذه الفرقة المعينة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: (( لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ )).[16] وفي بعض الألفاظ: (( لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورَةٌ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ )).[17] والصحيح أن المنصورة وصف لهذه الفرقة، فالفرقة الناجية منصورة وإن خذلها الناس.
النصرة نسبية قد تخفى في مناطق وأجيال وفئات، وتظهر في آخرين، والنصرة هاهنا من جهة أن الله نصرها وإن عرَّضها لأنواع البلاء، لكن تبقى منصورة، وضابط هذه النصرة كما في الحديث: (( لا يَضُرُّهَا مَنْ خَالَفَا حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ )). لا يعتبرون بالكثرة إذا اعتبر غيرهم أن الحق في كثرة أهله، ولا يعتبرون بقوة سلطان، ولا يعتبرون بقوة مال، وإنما مبعث قوتهم ونصرتهم ناشئ من هذا الاعتقاد الذي اعتقدوه، وهو الاعتقاد الصحيح الذي هو الإيمان، فهؤلاء هم أهل السنة والجماعة، وعلى هذا أئمة السلف، فإن الإمام أحمد لما سُئِلَ: من هذه الفرقة الناجية؟. قال: " إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم ".
وجاء عن سفيان وغيره أنهم هم أهل الأثر وأهل العلم، وهذه أوصاف لرؤوس ورموز هذه الطائفة الناجية أنهم أهل علم، عنايتهم بعلم الوحي، وعلم الشريعة، وأنهم أهل حديث، طلاب لتصفية وتنقية حديث النبي صلى الله عليه وسلم، إنهم متتبعون لآثار رسول الله، وآثار أصحابه، فهم أهل الأثر؛ لتعظيمهم الآثار أشد من تعظيم غيرهم لأقوال ومعظمهم تعصبات لمذاهب الرجال، فهم أهل الآثار.
وَهُوَ الإِيمَانُ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، والْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالإِيمانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.
لخص شيخ الإسلام رحمه الله اعتقادهم إجمالاً بأصول الإيمان الستة، وهي: الإيمان بالله، وملائكة، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت وهو الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره. فهذه هي أصول اعتقاد المسلمين، هذه هي أصول اعتقاد الفرقة الطائفة الناجية، هذه هي أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أصول الإيمان الستة.
لِمَ أصول الإيمان ستة؟
لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عددها ستة أصول كما في الحديث الذي هو أصل من أصول الإسلام حديث جبرائيل عليه السلام، لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فأخبره بأركانه الخمسة، فقال: (( صَدَقْتَ )). ثم سأله عن الإيمان فقال: (( أَخْبِرْنِي عَنِ الإيمَانِ. قَالَ: الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ )).[18] وفي رواية: (( حُلْوِهِ وَمُرِّهِ مِنَ اللهِ تَعَالَى )). هذا التعريف للأسف أن المناطقة ومن تأثر بهم من الأصوليين لا يعدونه تعريفاً منطقياً صحيحاً؛ وإنما هذا هو أصدق التعاريف؛ لأنه جاء ممن لا ينطق عن الهوى، وبه تعرفون ما داخل بعض علوم الشريعة كأصول الفقه من شوائب أصول الضلال والبدع، ولهذا يعدون هذا التعريف غير جامع، أو غير مانع، أو غير مستوٍ، أو غير صحيح، والحق بخلاف قولهم: تأصيلاً وتفريعاً. أصول الإيمان ستة.
وقد عدَّها النبي صلى الله عليه وسلم ستة أصول، وابن القيم وغيره من أهل العلم ربما سماها بالأصول الخمسة عداً من القرآن، كما في آية البقرة: ï´؟ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ï´¾ [البقرة: 177].
فذكر خمسة أصول، وفي سورة النساء ï´؟ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ï´¾ [النساء: 36] فذكرها الله تعالى في القرآن مجملةً خمسة أصول، وليس معنى هذا أن السنة تعارض القرآن، بل سيأتينا في الواسطية، قول الشيخ: " فصل: ثم السنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه ". لأن هذه الأصول الخمسة في آيتي البقرة وآل عمران لم يُذكر فيها القدر، وإنما جاء القدر مستقلاً في مواضع أخرى، منها قوله: ï´؟ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ï´¾ [الفرقان: 2]. وقوله: ï´؟ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ï´¾ [القمر: 49]. ولم يُذكر القدر مع هذه الأصول في آيتي النساء وقبلها البقرة؛ لأن القدر قدر الله، ولهذا جاء في الحديث عطف الخمسة على الفعل الأول، ثم لما جيء بالقدر كُرِّر الفعل مرة ثانية، فقال: (( الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ )). وما قال: تؤمن بالملائكة. ثم قال: (( وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ )). لأن القدر قدر الله، وهو من أفعاله تعالى، وعطف الفعل عليها تخصيصاً للتأكيد، والتنويه بشأن القدر الذي هو مزلة أقدام كثير من المتعبدين، وكثير من الطوائف المبتدعين على ما سيبينه الشيخ في مواضع.
هذه هي أصول الإيمان الستة التي انعقد عليها كلام ربنا القرآن، وحديث نبينا صلى الله عليه وسلم خير البيان، وعليها الإجماع، وهي أصول الإيمان إجمالاً، فإذا قيل لك: ما أصول العقيدة، وما أصول الإيمان، وما أصول اعتقاد الفرقة الناجية؟. فلن تجد أشفى، ولا أجمع، ولا أصوب من أن تجيب بقول النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الأصول الستة.
[1] رواه أحمد ( 2/302، 343 )، وأبو داود ( 4841 )، والترمذي ( 1106 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] رواه أبو داود ( 1097 ).
[3] خطبة الحاجة التي رواها ابن مسعود ورواها غيره من الصحابة رضي الله عنهم كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدمها بين حوائجه المهمة، أما الأصل هو أن يبدأ بحمد الله والثناء عليه ومن صور هذا الحمد والثناء خطبة الحاجة..
[4] رواه البخاري ( 6306 )، عن شداد بن أوس رضي الله عنه.
[5] النونية لابن القيم ( 3 )، مدارج السالكين. لابن القيم: منزلة المحبة.
[6] رواه البخاري ( 4712 )، ومسلم ( 194 )، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[7] رواه أبو داود ( 5 /124 )، بسند جيد، وقال فيه ابن حجر: " رجاله ثقات، وقد صححه غير واحد ". فتح ( 5/179 ).
[8] رواه النسائي في اليوم والليلة، ( 249 )، وأحمد في المسند ( 3 /241 )، وقال عبد الهادي في الصارم ( ص/246 ): " بإسناد صحيح على شرط مسلم ".
[9] رواه البخاري ( 3435 )، ومسلم ( 28 )، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.
[10] رواه البخاري ( 126 )، ومسلم ( 21 )، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
[11] وهو أن - في هذه الورقات وهذا المتن فيه - اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة، أهل السنة والجماعة.
[12] رواه أبو داود ( 4596 )، والترمذي ( 2640 )، وابن ماجه ( 3992 )، وأحمد، والنسائي، وغيرهما.
[13] انظر: حديث الفرق طرقه، ورواياته، وفقهه. لعلي الشبل.
[14] رواه الترمذي ( 2641 )، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وغيره.
[15] رواه أبو داود ( 4597 )، ورواه أحمد ( 4 /102 )، من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وغيره.
[16] رواه مسلم ( 1920 )، والترمذي ( 2230 )، من حديث ثوبان رضي الله عنه.
[17] رواه البخاري ( 3641 )، ( 7312 )، ورواه مسلم ( 1920 ) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، ( 1920)، من حديث ثوبان رضي الله عنه.
[18] رواه مسلم بطوله ( 821 )، من حديث ابن عمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وهو في البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.