عرض مشاركة واحدة
  #76  
قديم 16-08-2020, 04:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,680
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

حكم الوساوس في العقائد وعلاجها

ثم كان الدواء في قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، فهل الوساوس والهواجس والخواطر يستطيع الإنسان أن ينفيها، هل له مناعة فلا تخطر بباله؟ لا يملك أحد هذا، إذ هذا ليس في طاقته ولا في قدرته، يأتيه ذلك من حيث لا يريد، فالمطلوب فقط ألا يستمر معه فيعمل به أو ينطق به، فإن عمل أو نطق حقت عليه كلمة العذاب، وأصبح كافراً غير مؤمن. والعلاج كما سمعتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا خطر ببالك خاطر سوء فقل: آمنت بالله.. آمنت بالله ثلاث مرات، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم، واله عنه وأعرض فإنه يرحل من ساحتك، واحذر أن يحملك على أن تنطق بحرف أو تعمل بمقتضى ذلك الوسواس، فإن ذلك مما يؤاخذ العبد به ويحاسب ويجزى به، أما مجرد خاطر وهواجس ووسواس فهذا من الشيطان، ولا يوجد هذا إلا عند المؤمنين، بل صرح الرسول بأن هذا دال على قوة إيمان العبد وصدقه في إيمانه؛ لأن العدو يأتي إلى القلب الذي فيه إيمان فيحاول أن يفسده، أما القلب الفاسد فماذا يعمل الشيطان فيه.وقالت الحكماء: اللص السارق ما يأتي إلى بيت خرب ما فيه شيء ويحاول أن يسرق، فماذا يسرق منه؟ ولا يأتي إلى جيب ما فيه فلس، يبحث عن مكان فيه المال والدينار والدرهم، فلهذا هذه الخواطر هذه لا تكون إلا لذي الإيمان، ومع عدم الإيمان ما يوجد هذا أبداً.

التجاوز عن الأمة المحمدية في الخطأ والنسيان والإكراه

وهكذا تجاوز الله عن أمة محمد عما حدثت به نفسها ما لم تقل أو تعمل، وكذلك قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )، فلنحفظ هذه، تجاوز الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم: أولاً: الخطأ، ثانياً: النسيان، ثالثاً: الإكراه. وهذا فيه تفصيل: فالنسيان كمن أكل أو شرب ناسياً لا شيء عليه، فالصائم إذا أكل أو شرب ناسياً لا يؤاخذ بذلك، لا كفارة عليه ولا صيام، إلا إذا كان في رمضان وأراد أن يقضي يوماً فله ذلك كما يرى ذلك مالك ، أما النوافل فبالإجماع لا يطالب بقضاء صومها أبداً، أكل وشبع وهو ناسٍ أو مخطئ. والخطأ: مثاله: أراد أن يتناول التمر فيضعه في الصندوق فوضعه في فيه، هنا الخطأ والنسيان. وما استكرهوا عليه: إذا أكره العبد بالضرب، بالسجن، بالتعذيب على أن يقول كلمة الكفر وقالها ليدفع عن نفسه ذلك ونفسه مطمئنة بالإيمان فإنه لا يؤاخذ بذلك، فقد كانوا يكرهون بعض أصحاب رسول الله في مكة على كلمة الكفر، فقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بـعمار بن ياسر رضي الله عنهما وهو يعذب، فقال له الرسول: ( أعطهم يا عمار )، يقولون: سب رسول الله وامدح آلهتنا لنرفع السيف عنك والعذاب! والله يقول: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، فبعض الإخوان يشكون أنهم في ديارهم يلزمونهم بحلق لحاهم، فنقول لهم: إذا صبرت فلا مانع، وإذا عجزت وما استطعت فاحلق وأنت تكره ذلك وتحب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تعرض نفسك للسجن والضرب والتعذيب، وهذه حالة فتن وستنتهي الفتنة وينتهي هذا، فهذا ما كان موجوداً أبداً، وليس هناك حاكم يلزم الناس بأن يحلقوا لحاهم، لكن إذا حدثت فتنة يترتب عليها مثل هذه الأمور فماذا يصنع المؤمن؟ إذا ترك هذا الواجب أو السنة اتقاء للضرب والسجن والعذاب فلا حرج عليه؛ لأنه مكره، فما هو بإرادته واختياره: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ [النحل:106]، فقط، والإكراه بالقتل: ( كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل )، إذا قال الحاكم: اقتل هذا وأنت تعلم أنه لا يستحق القتل وما وجب عليه، فقل: اقتلوني ولا تقتلوه.

تفصيل أحكام الخطأ

إذاً: الخطأ فيه تفصيل، مثلاً: شخصٌ قتل آخر خطأً، هل يعفى عنه مرة واحدة؟ أولاً: عليه كفارة صيام شهرين متتابعين، ثانياً: عليه الدية، يقوم بها، أو عقيلته وعشيرته، كل ما في الأمر أن الله لا يؤاخذه؛ لأنه ما قتل عمداً، أراد أن يرمي غزالاً فأصاب مؤمناً، في يده بندقية يصلحها فتتفجر في يده، فقتل الخطأ فيه الدية بلا خلاف، إلا أن يعفو أولياء الدم، وفيه صيام شهرين متتابعين، والله عز وجل لا يؤاخذ صاحب هذه الخطيئة؛ لأن الله رفع عن أمة محمد الخطأ.مثلاً: أنت بسيارتك صدمت صندوقاً فيه حليب يساوي ألف ريال، فالخطأ معفو عنه، لكن هنا لا بد أن تغرم وتؤدي قيمة هذا اللبن، فصاحبه ماذا يصنع؟ ضاع لبنه وضاع ماله، فليس عليك إثم، اطمئن، ولكن تعين حق للناس عليك فأد هذا الحق، فإن لم تؤده كنت كمن أخذ حق إنسان، أما الإثم من حيث هو فمرفوع؛ لأنك مخطئ، فالغرامات هذه كمن أفسد مالاً من أموال المسلمين مطلقاً بدون عمد ولا رغبة في ذلك، وقع ذلك بدون إرادته، فلا يعذب بهذا ولا يتلطخ قلبه بالإثم، ولكن تعين حق لمؤمن ينبغي أن يؤديه.والديات أساساً تقوم بها العاقلة: أقرباؤه، ورثته، أعمامه، أبناء أعمامه، أبناء إخوانه يشتركون ويسددون الدية، فإن كان ما عنده أحد فإمام المسلمين يسدد عنه؛ لأن المقتول ورثته حقهم ضاع، كان يعمل ويأتيهم بالطعام والشراب، وقد قتلته، فبقوا مفتقرين محتاجين، فلا بد أن يعوضوا، وإذا قالوا: عفونا وتنازلنا وسامحنا فخير كثير. فهنا أحببت أن يفهم المستمعون والمستمعات قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه )، النسيان كما عرفتم: أكل وشرب وهو صائم، فلا شيء عليه، نسي وهو محرم فلبس سروايل أو ثوباً ثم ذكر، فإنه ينزع ولا شيء عليه، أو نسي صلاة ما صلاها، فلا يؤاخذ ولكن يقضيها: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ). وأما ذاك الذي كسر إناء أحد فلا إثم عليه، ولكن الحق ترتب، فلا بد أن يدفع قيمة هذا الإناء، كذلك إذا كان في رمضان وأخطأ، حال دون الشمس سحاب فقال: الآن دخل الليل، فأفطر ثم طلعت الشمس، هل يقضي؟ حدث هذا هنا في المسجد على عهد عمر ، أفطروا حيث ظنوا أن الشمس غابت، وحين كانوا يأكلون طلعت الشمس، فأمرهم عمر بالقضاء؛ لأن هذه فريضة، ولا إثم عليهم، بخلاف ما لو أكلوا متعمدين، فاليوم يقضى بشهرين.
معنى قوله تعالى: (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا)
فقوله صلى الله عليه وسلم: ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) مأخوذ من هذه الآية الكريمة: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، قال الله: نعم، وفي بعض الأخبار، قال: قد فعلت.وقوله تعالى: وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] استجاب الله وقال: قد فعلت. ومعنى الإصر: هو التكليف الشاق الذي يعرقلك ولا يسمح لك بالحركة؛ لأن الإصر: الحبل يربط به الشيء، ولهذا تتبع شرائع الله في الإسلام فلن تجد شريعة أو فريضة يعجز عنها العبد ولا يقدر على فعلها، فإن وجدت ذلك فاعلم أنه ليس من الشريعة، إذ قال تعالى: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج:78]. على سبيل المثال: الصلاة هي عماد هذا الدين، فإذا ما استطاع أن يتوضأ لأن الماء بارد، أو ما وجد الماء، فماذا يصنع؟ يضرب الأرض ويمسح وجهه وكفيه، فهل في هذا مشقة؟ رفعت المشقة، الماء بارد ويخاف الزكام والمرض، ولا يغتسل بالماء البارد، ما تعود عليه لأنه يمرض، فيتيمم. وكذلك صلاة فريضة لا تصلى إلا من قيام، فلو صلى قاعداً أو ركع قاعد بطلت صلاته، لكن إن عجز فكيف يصلي قائماً؟ هل يربطونه بالحبال؟ إن عجز عن القيام صلى قاعداً، وإذا ما استطاع القعود صلى على جنبه، وإذا ما استطاع على جنب صلى وهو مستلقٍ. والحج فريضة الله عز وجل، فإن حال دون هذه الفريضة حائل فما هو بمكلف حتى يزول الحائل.

صور من مشقة التكليف في الأمم السابقة

والشاهد عندنا في قوله تعالى: وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] من الأمم السابقة؛ إذ كان في بني إسرائيل إذا وقع بول في ثوب أحدهم قطعه بالمقص، ما يكفي فيه الغسل، إذا تلطخ ثوبه الذي يصلي فيه فما يكتفي بأن يغسله، بل يقطع تلك القطعة بالمقص حتى يصلي، كلفوا بحسب وضعهم بإرادة الله تعالى بأعمال شاقة بمعنى الكلمة؛ لأنهم متمردون عصاة، قتلوا الأنبياء، فما بالك بما أخبر به الرسول عنهم من أنهم كانوا يقتلون في اليوم الواحد سبعين نبياً ويقيمون أسواقهم في المساء كما هي! فمن هنا جاءت الشرائع تؤدبهم، حملهم الله تكاليف شاقة تعذيباً لهم، وهذه الأمة رحمها الله؛ لأنها الأمة المرحومة ونبيها هو الرءوف الرحيم بالمؤمنين، فدعوا الله فاستجاب لهم وقال: فعلت. وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] قال: قد فعلت. وعلى سبيل المثال: اليهود إذا قتل أحدهم وقالت القبيلة: عفونا كان الحكم الشرعي: لا عفو، إذا قال أبو الولد: أنا تنازلت لم يقبل منه، فهذا هو الإصر، وفي عهد عيسى في الإنجيل ما هناك إلا العفو، فإذا قتل أخاك فقل: سامحته، لا تطالب بشيء غير هذا، إذاً: هذه من الآصار والتكاليف الشاقة التي امتن الله علينا فرفعها عنا وما أنزلها فينا.

مغفرة الله تعالى لعباده وعفوه عن التائب منهم

وها هو ذا تعالى يخبر عن نفسه: وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا [البقرة:286] قال الله: قد فعلت، وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا [البقرة:286] والله يقول: قد فعلت. فأيما مؤمن تزل قدمه ويخطئ في سلوكه فيعصي ربه أو رسوله في أية معصية ويطلب العفو من الله إلا عفا الله عنه، فكلمة: (أستغفر الله) تمحو كل ذلك الأثر وتزيله إن كان العبد صادقاً فيما يقول. وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا [البقرة:286] لا مولى لنا سواك، أنت مولانا لا مولى لنا غيرك.

نصر الله تعالى عباده المؤمنين على القوم الكافرين

إذاً: فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286] ونصرهم، أولئك الأصحاب الذين ذلوا بين يدي الرسول وقالوا: سمعنا وأطعنا وسلمنا، نصرهم بالحجة والبرهان على كل من جادل أو خاصم، وإلى اليوم لن يستطيع يهودي أو نصراني أو بوذي مهما كان أن يجادل المؤمن في الحق وينتصر عليه أبداً، لن يستطيع أن يأتي بأدلة عقلية أو منطقية أو شرعية ويرد بها ما جاء عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. ونصرهم أيضاً في الحروب، فما قاتل أصحاب رسول الله أعداء الله ورسله إلا نصرهم الله، ويكفي أنه في ظرف خمس وعشرين سنة وصل الإسلام إلى السند وإلى الأندلس، فلولا النصر فكيف سيتم هذا؟

الموقف من طلب النصر مع ترك بذل الأسباب

ومن اللطائف أنه أيام الاستعمار كان يقال: (انصرنا على القوم الكافرين)، فنقول: يا جماعة! هذه ليست لنا نحن، فحين نحمل السلاح ونقاتل المشركين الكافرين نقول: (انصرنا على القوم الكافرين)، أما الآن ونحن لا نقاتلهم ولا نحمل سلاحاً لقتالهم فما معنى: (انصرنا على القوم الكافرين)؟ فمن الذي يطلب النصر؟ الذي يريده، أما التارك للجهاد والمعرض عنه فكيف يقول: انصرنا؟ لا معنى للطلب هذا، فالمسلمون إذا حملوا راية الحق راية لا إله إلا الله محمد رسول الله وقادهم إمامهم الذي بايعوه ووقفوا في وجه الكفار ثم طلبوا من الله النصر فإنه يحققه لهم ولا يخزيهم ولا يذلهم، أما وهم لا يحملون راية ولا يقاتلون ويقولون: (انصرنا على القوم الكافرين)؛ فهذا لا معنى له بالنسبة إلينا، كما لو أنك ما تأكل ولا تشرب وتقول: رب أشبعني وروني والطعام والشراب بين يديك.وهنا لطيفة من لطائف العامة: كسول نائم في ظل شجرة أو جدار، فطلعت الشمس وأخذت تزحف حوله فوصلت إلى قدميه، فما استطاع أن يجذب رجليه إليه، فيمر به شخص فيقول: يا عم، يا أخي! أبعدني عن الشمس، فيقول له: جر رجليك إليك، فيقول: انظروا إلى البخل؟! ويبقى، ثم يأتي الثاني والشمس قد وصلت إلى ركبتيه أو إلى صدره، فيقول: أبعدوني عن الشمس، فيقول له: ما لك؟ أمجنون أنت؟ قم من هنا وابتعد عن الشمس! فيقول: انظر إلى البخل! فكذلك وضع العالم الإسلامي إلا من رحم الله، يقولون: (انصرنا على القوم الكافرين)، فما بايعتم إماماً ولا التففتم حوله ولا أعلنتم الحرب على دولة كافرة وتقولون: انصرنا!نعيد تلاوة الآيتين الكريمتين: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [البقرة:285] اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم، ربنا إنا آمنا بك إلهاً لا إله غيرك ولا رب سواك، وآمنا بما أنزلت على رسولنا من كتابك وشرعك يا رب العالمين. كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:285] وقد سبق أن عرفنا الملائكة في العقيدة، وأكثر المسلمين لا يدرون من هم الملائكة؟ ولكن لا بد من طلب العلم، فنحن نخبر عن إيماننا بملائكته، وكل يوم نصلي على إخواننا، فمن أخذ أرواحهم؟ الملائكة، وهل هناك من ينكر هذا؟ النطفة في رحم المرأة بعد أربعة أشهر من ينفخ فيها الروح؟ تبقى لحمة ثم تتحول إلى بشر، فكيف تصبح حية وفيها الروح؟ ملك ينفخ فيها. والقرآن الذي بين أيدينا نزل على أمي لم يقرأ ولم يكتب، فكيف وصل إليه؟ وفوق هذا رأى الصحابة جبريل بينهم يمشي، والشاهد عندنا: أننا نؤمن بملائكة الله وأنهم خلق من خلقه أطهار أصفياء، كلهم أنوار، لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، ونؤمن بكتب الله كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، هذا معتقدنا.

لطيفة في المغايرة بين فعل الكسب في الخير والشر

وهناك لطيفة في قوله تعالى: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286]، لم قال في الخير: لها ما كسبت، وفي الشر: ما اكتسبت؟ اللطيفة التي لا ننساها: أن الخير فعله فطري في الإنسان، فعل الخير ما تجد له كزازة في النفس ولا شدة ولا انقباضاً، إن أردت أن تفعل الخير، لكن الشر هو الذي تجد فيه ذلك حتى تجاهد الفطرة وتغلبها. مثلاً: الآن أي واحد أراد أن يقول لأخيه:كيف حالك، هل أنت طيب، هل أنت بخير؛ فإنه لا يصعب عليه هذا، ولو أراد أن يسبه لا يجده يفعله بسهولة، فهذا مثال سهل؛ لأن الله قال: لَهَا مَا كَسَبَتْ [البقرة:286] من الخير؛ لأنها تكسبه بدون تكلف، بخلاف الشر فلها ما اكتسبته وافتعلته وانفعلت حتى فعلته، والمثال كما علمتم، تستطيع أن تعطي ريالك في يد أي مؤمن بكل سهولة، ولا تستطيع أن تخطفه من يد مؤمن، ما تقدر إلا إذا جاهدت نفسك، وهكذا فعل الخير لين سهل مبارك طيب يتناسب مع الفطرة، وفعل الشر بضد ذلك، كل شر لا يقدم عليه الإنسان إلا بعد مجاهدة نفسه والتكلف ليخرج عن فطرته وبشريته حتى يفعل ذلك الشر: لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة:286] لأن الافتعال هذا تكلف.وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 28.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 28.04 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.19%)]