عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 15-08-2020, 03:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,766
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المفاتن الدنيوية وأثرها على النفس في القرآن الكريم



وليعلم كل صاحب همة أن لا دلالة لكثرة مال الإنسان أو قلته على إكرام الله له أو إهانته، قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الفجر: 16 - 18]، وجاء في تفسير هذه الآيات أن الله تعالى ينكر على الإنسان اعتقاده بأن كثرة المال التي رزقها الله إياه هي دليل على إكرام الله له، وكذلك ينكر علي اعتقاده أن قلة مال الإنسان دليل على إهانة الله له؛ لأن الله تعالى يعطي المال الكثير للمؤمن والكافر، وقد لا يعطي من المال إلا القليل للمؤمن أو للكافر، وذلك للابتلاء، ولا علاقة، ولا دلالة في هذا العطاء القليل أو الكثير على الإهانة أو الإكرام [32].

فصاحب الجنتين أوتي هاتين الجنتين، فقاده هذا المال إلى دنو الهمة في كل شيء، وحسبه دليلاً على إكرام الله له فراح يفتخر به ويتباهى ويتعالى على صاحبه، ويعيِّره بقلة ماله، وأما صاحبه المؤمن فقد قاده إيمانه لعلو الهمة، فأدرك ببصيرته ونور إيمانه أن هذا المال وسيلة وليس غاية، وأن الفقر والغنى إنما هو ابتلاء للإنسان، ليظهر مدى شكر العبد لربه في حالة غناه، ومدى صبر العبد في حالة فقره.

فالحرص على المال سببٌ لدنو الهمة وسقوطها؛ لأنه فيه نيل الملذات واتباع الشهوات والتسلط على الناس بالباطل، وفيه قابلية جر صاحبه إلى الطغيان، وتجاوز قدر نفسه، وادعاء ما ليس له، والظن بأن ما أويته هو على وجه الاستحقاق، فحمل هذا الظن على العجب بنفسه، وازدراء غيره والتكبر على من هو دونه [33].

فانظر إلى هذه القصة التي تفرق بين أصحاب الهمم العالية وأصحاب الهمم الدنيئة، والسبب في هذا التفريق هو الحرص على المال.

المثال الثاني: الذي يدلنا على أن من أحب المال، وأكب على جمعه قاده إلى دنو الهمة وجعله لا يهتم إلا بمحقرات هذه الدنيا، إنه قارون، قال تعالى: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [القصص: 76 - 83].

بين يدي القصة: قارون من قوم موسى -عليه السلام-، واختلف الناس في قرابته لموسى، فقيل هو عمه، وقيل هو ابن عمه وقيل ابن خالته، فهو بإجماعٍ رجل من بني إسرائيل، وكان ممن آمن بموسى وحفظ التوراة، وكان عند موسى -عليه السلام- من عبَّاد المؤمنين، ثم لحقه الزهو والإعجاب فبغى على قومه بأنواع البغي، فمن ذلك كفره بموسى، واستخفافه بقومه لكثرة ماله وولده، وبظلمه لهم، وتكبره والاستطالة عليهم [34].

فهذه القصة التي ذكرها الله -عز وجل- في كتابه ليعين المؤمن، ويعلي همته بالاتعاظ والاعتبار بالفتنة العظيمة وهي فتنة المال، حيث انشغل الناس بجمعه، وتركوا مهمات الأمور فدنت همتهم وانشغلوا بالسفاسف التي لا تنفعهم إلا من رحم ربي، فينسى الإنسان بذلك المال حق الله -عز وجل- ويقوده إلى التكبر والبغي والعجب قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6، 7]، فالعبد لا يستغني عن ربه -عز وجل- طرفة عين، ولكنه بماله يظن أنه استغنى فدنت همته، وطغى على عباد الله، وتكبر ووقع العجب بنفسه موقعا عظيماً.

والقضية تتكرر في كل عصر ومصر، فأكثر أصحاب الأموال همهم أن يكثر ماله، فيبخل بزكاته، ويمنع حق الله تعالى من ذلك المال فشدة حرصهم على المال وحبهم له يجعلهم يجمعونه من الوجوه المباحة وغير المباحة، فطالب المال كشارب ماء البحر، كلما زاد شرباً ازداد عطشاً [35].

وما أجمل كلام الإمام السعدي على هذه القصة التي تبين حقيقة المال، ونهاية من حرص عليه الحرص المذموم الذي يهوى به في المهالك والشرور.

يقول السعدي في تفسير الآيات: ((يخبر تعالى عن حالة قارون وما فعل وفُعِلَ به ونُصِحَ ووُعِظَ، فقال: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾...فقَالَ قارون ـ رادًّا لنصيحتهم، كافرا بنعمة ربه ـ: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾: أي: إنما أدركت هذه الأموال بكسبي ومعرفتي بوجوه المكاسب، وحذقي، أو على علم من اللّه بحالي، يعلم أني أهل لذلك، فلِمِ تنصحوني على ما أعطاني اللّه تعالى؟، فلم يزل قارون مستمرا على عناده وبغيه، وعدم قبول نصيحة قومه، فرحا بطرا قد أعجبته نفسه، وغره ما أوتيه من الأموال، ... فانقسم فيه الناظرون قسمين، كل تكلم بحسب ما عنده من الهمة والرغبة.

﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾أي: الذين تعلقت إرادتهم فيها، وصارت منتهى رغبتهم، ليس لهم إرادة في سواها، يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ من الدنيا ومتاعها وزهرتها ﴿ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ وصدَّقوا أنه لذو حظ عظيم، وأنه ليس وراء الدنيا دار أخرى ... فصار هذا الحظَّ العظيمَ، بحسب همتهم، وإن همة جعلت هذا غاية مرادها ومنتهى مطلبها، لَمِنْ أدنى الهمم وأسفلها وأدناها، وليس لها أدنى صعود إلى المرادات العالية والمطالب الغالية)) [36].

وصدق بقوله: وإن همة جعلت هذا غاية مرادها، ومنتهى مطلبها لمن أدنى الهمم وأسفلها وأدناها، وليس لها أدنى صعودٍ إلى المرادات العالية، و المطالب الغالية، وكما هو معلوم أن صاحب الهمة الدنيئة يحرص كل الحرص على هذا المال كما فعل قارون، ففتنة صاحب المال ليست في جمعه وكسبه من وجوه مشروعة أو غير مشروعة فحسب، بل هي أيضاً في الحرص عليه حرصاً يجعل المرء يفقد ذلك الميزان الذي وصفه القرآن لنا: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [القصص: 77].

فيحرص عليه الحرص الذي يجعله يكسب من غير محله، وينفقه في غير محله، ويبخل به عن مستحقيه، فدنت همته في هذا المال في كل الوجوه والأحوال[37].

وعن كعب بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ))[38].

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرحه لهذا الحديث: ((هذا مثل عظيم جداً ضربه النبي -صلى الله عليه وسلم- لفساد دين المسلم فإنَّ الحرص على المال والشرف في الدنيا، وإن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاربين يأتيان في الغنم، وقد غاب عنها رعاؤها ليلاً، ومعلوم أنه لا ينجو من الغنم من إفساد الذئبين المذكورين والحالة هذه إلا قليل.

فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم، بل إما أن يكون مساوياً له وإما أكثر.

ويشير الحديث إلى أنه لا يسلم من دين المسلم ـ مع حرصه على المال والشرف في الدنيا ـ إلا القليل، كما أنه لا يسلم من الغنم مع إفساد الذئبين فيها إلا القليل.

فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا. فأما الحرص على المال: فهو على نوعين:
أحدهما: شدة محبة المال مع شدة طلبه من وجوهه المباحة، والمبالغة في طلبه، والجد في تحصيله ولو حصلت المشقة، ولو لم يكن في الحرص على المال إلا تضييع العمر الشريف الذي لا قيمة تعدله، فيجمع لمن لا يحمده، ويقدم على من لا يعذره لكفاه بذلك ذمًّا للحرص.

النوع الثاني: أن يزيد على ما سبق ذكره في النوع الأول فيطلب المال من الوجوه المحرمة، ولمنع الحقوق الواجبة))[39].

ولقد أوضح الله -عز وجل- في كتابه العزيز بأن الحرص على المال إذا تجاوز الحد كان من أسباب الفشل، ولذلك قال سبحانه في بداية سورة الأنفال: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال: 1][40].

إن هؤلاء الذين حدث بينهم الخلاف في شأن الغنائم، كان من الدوافع التي دفعتهم إلى هذا الخلاف، ما فهموه من أن حيازة الغنائم تدل على حسن البلاء، وشدة القتال في سبيل الله، فكان كل واحد منهم يحرص على أن يظهر بهذا المظهر المشرف، وهم في أول لقاء لهم مع أعدائهم.

وعندما جاوز هذا الحرص حده، بأن غطى على ما يجب أن يسود بينهم في سماحة وصفاء، نزل القرآن ليهديهم بتربيته الحكيمة، وليؤدبهم بأدبه السامي، فعالجت هذه الآيات نفوس المؤمنين، وعملت على تطهيرها من الاختلاف الذي ينشأ عن حب المال، والتطلع للمادة. ولا ريب أن حب المال والتطلع إلى المادة من أكبر أسباب الفشل[41].

فالنظرة إلى المال على أنه أساس، وأنه أعز وأفضل من النفس ليست نظرة قرآنية، فالقرآن الكريم قد حذر من الحرص على المال، والاهتمام به؛ لما يقود النفس إلى الانحطاط في الأخلاق ودنو الهمة والعزيمة، والانشغال بسفاسف الأمور ومحقراتها، ولذلك فإنَّ الله -عز وجل- زهد فيه بقوله: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [آل عمران: 157]، ومما يجمعون هو المال[42].

لأن جزاء الاستثمار في سبيل الله الجنة، وما أسعده من قرار، فليعلم من أراد أن يعلي همته أن يجعل هذا المال سبباً لحصول مرضاة الله له، وأن يرتقى به إلى المعالي والسمو، كما أنه لا يحرص عليه كل الحرص الذي يقوده إلى دنو الهمة والعزيمة، وضعف المبادرة لرضا الله -عز وجل-.

ثالثاً: طول الأمل:
تعددت آيات القرآن الكريم في ذم طول الأمل وتحذيرها من ذلك الداء الفتاك العضال. وقبل أن نتحدث عن هذه الآيات التي حذرتنا من هذا المرض لا بد أن نبين معنى طول الأمل وما حقيقته:
طول الأمل في اللغة:
هو الاسم من قولهم: أملته آمُلُهُ أمْلاً وإمْلَه، وهو مأخوذ من مادة (أ م ل) التي تدل على التثبت والانتظار. ولهذه المادة معنى آخر أيضاً هو الحبل من الرمل المعتدل معظمه [43].

قال ابن منظور: ((الأمل، والآمل، والإمل، وجمع الآمل آمال، وإنه لطويل الإملة أي: التأمل))[44].

وأما طول الأمل في الاصطلاح:
فقد قال القرطبي في تعريف الآمل حينما فسر قوله تعالى: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الحجر: 3]: ((الحرص على الدنيا والانكباب عليها والحب لها، والإعراض عن الآخرة، وشغلهم عن الطاعة)) [45].

وقال المناوي: ((الأمل توقع حصول الشيء، وأكثر ما يستعمل فيما يستبعد حصوله))[46].

وعن أبي سعيد الخدري[47] -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- غَرَزَ بَيْنَ يَدَيْهِ غَرْزًا ثُمَّ غَرَزَ إِلَى جَنْبِهِ آخَرَ ثُمَّ غَرَزَ الثَّالِثَ فَأَبْعَدَهُ ثُمَّ قَال: ((هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟))، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: ((هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ وَهَذَا أَمَلُهُ يَتَعَاطَى الْأَمَلَ وَالْأَجَلُ يَخْتَلِجُهُ دُونَ ذَلِكَ))[48].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال سمعت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يقول ((لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي: حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ))[49].

يقول ابن حجر[50]: ((قصر الأمل حقيقة الزهد، وليس كذلك بل هو سبب؛ لأن من قصر أمله زهد. ويتولد من طول الأمل الكسل عن الطاعة، والتسويف بالتوبة، والرغبة في الدنيا والنسيان للآخرة والقسوة في القلب؛ لأن رقته وصفاءه إنما يقع بتذكير الموت والقبر والثواب والعقاب وأهوال القيامة، كما قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الحديد: 16] وقيل: من قصر أمله قل همه، وتنور قلبه؛ لأنه إذا استحضر الموت اجتهد في الطاعة وقل همه ورضي بالقليل))[51].

فطول الأمل ينسي الآخرة، ويجعل الإنسان مسلوب الهمة والإرادة، فتراه طويل الأمل لاهياً متناسياً لهادم اللذات، فتفتر همته لطلب معالي الأمور، فيصبح راكناً للدنيا وزينتها، حتى لا يكون له هم سواها.

يقول تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 96]، ومعنى ذلك أن الإنسان يتمنى أن يعيش ألف سنة، ويطول عمره، وهذا الطول في عمره لا يزحزحه عن العذاب[52].

يقول ابن عاشور في تفسير هذه الآية: ((والمراد من الناس في الظاهر جميع الناس أي جميع البشر، فهم أحرصهم على الحياة، فإن الحرص على الحياة غريزة في الناس، إلا أن الناس فيه متفاوتون قوة وكيفية وأسبابا، وقوله ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ ﴾ بيان لأحرصيتهم على الحياة، وتحقيق لعموم النوعية في الحياة المنكرة لدفع توهم أن الحرص لا يبلغ بهم مبلغ الطمع في الحياة البالغة لمدة ألف سنة، فإنها مع تعذرها لو تمت لهم كانت حياة خسف وأرذل عيش يظن بهم أن لا يبلغ حبهم الحياة إلى تمنيها))[53].

فطول الأمل هو سبب لدنو همة المرء. وكثير من الناس يخدعه الشيطان فيصور لأحدهم أن أمامه عمراً طويلاً وسنينًا متعاقبة، يبني فيها آمالاً كثيرة، فيجمع أمره لمواجهة هذه السنين، معتمداً على هذه الآمال الباطلة الغائبة وينسى الآخرة.

يقول تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ – ٢٠٨]، وهذه أعظم آية في إزالة الداء العضال الذي هو طول الأمل [54].

وهذه رسالة عظيمة من الله تعالى لكل من طال أمله وضعفت همته فتعلق بالدنيا ونعيمها، بأن هذا النعيم والتمتع سيزول، ولن ينفع العبد إلا ما قدم من عمل الصالحات والطاعات.

يقول تعالى مبيناً أثر طول الأمل على الإنسان: ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [الحجر: 3].

والآية هنا توضح الأثر السلبي للآمال الطويلة على حياة الإنسان، وتبين إلى أي درجة تجعل هذه الآمال بنفس الإنسان مقفولاً تجعله يغفل عن الآخرة ويقبل على الدنيا وكل ذلك سيكون نتيجته دنو همته، وانشغاله بسفاسف الأمور، فيجب على المسلم أن يقصر الآمال ليعلي همته ويهتم بعاليات الأمور، فيكون أكبر همه إصلاح نفسه، يسابق أهل الهمم العالية للوصول إلى رضا الله تعالى، بعكس من أطال أمله فتجده ضعيف الهمة كسلاناً متراخياً، مؤجلاً عمل اليوم إلى الغد.

ولا شك أن من عوامل النصر والتمكين للمسلمين في صدر الإسلام هو الإيمان واليقين وقصر الأمل، بالإضافة إلى عدم اهتمامهم بزخارف الدنيا وبريقها، حيث تسبب ذلك في أن يرد المسلمون الأوائل إلى ميدان القتال والجهاد بقوة وعزم فائقة، فلم يكونوا يرون أمامهم إلا الله تعالى، ولا يتحركون إلا في طريق الطاعة والتقوى.

ولكن عندما امتدت إليهم الآمال الطويلة، وملكتهم العلائق الدنيوية، حل الشك والتردد محل اليقين، ودنو الهمة والضعف بدلاً من علوها، والشغف بأمور الدنيا محل الزهد، وبدأوا يتراجعون أمام أعدائهم، يسلكون سبيل التخلف، فلا سبيل لهم للعلو والرقي إلا في قصر الأمل لتعلو همتهم، ويكونوا مثل أسلافهم في العزم والجد وطلب المعالي.


[1] انظر: الصحاح في اللغة 2/223، ومعجم مقاييس اللغة 4/472، ولسان العرب 13/317، والمعجم الوسيط 2/673 مادة (فتن).

[2] التعريفات 1/212 .

[3] التوقيف على مهمات التعاريف 1/549.

[4] انظر: جامع البيان 13/486، والدر المتثور 7/94.

[5] أي: اجعلوا همتكم تقودكم إلى مرضاة الله تعالى. انظر: النهاية لابن الأثير 5/129((نوط))

[6] انظر: إرشاد العقل السليم 3/103

[7] انظر: مفاتيح الغيب 16/17 ، وتفسير القرآن العظيم 2/452.

[8] انظر: التحرير والتنوير 11/401، وتفسير المنار 7/303 .

[9] الجامع لأحكام القرآن 17/165 .

[10] تيسير الكريم الرحمن ص 991.

[11] الدنيا: مؤنث على وزن فُعلى من دنا يدنو فهو دان، وسميت الدنيا لدنوها، والدني من الرجال: الضعيف الدون، انظر: مقاييس اللغة مادة (دني) 2/248، ولسان العرب مادة: (دنو).

[12] انظر: إيقاظ الهمم ص66.

[13] أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي ح (1)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : إنما الأعمال بالنية ح (1907) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[14] الجامع لأحكام القرآن 1/751.

[15] تفسير القرآن العظيم 1/751.

[16] تيسير الكريم الرحمن ص435، وانظر: تفسير المنار 12/41.

[17] تيسير الكريم الرحمن ص556.

[18] إرشاد العقل السليم 8/160.

[19] تفسير القرآن العظيم 4/578.

[20] التحرير والتنوير 21/213

[21] تيسير الكريم الرحمن ص 226.

[22] معالم التنزيل ص1407، وانظر: روح المعاني 15/342

[23] تيسير الكريم الرحمن ص80

[24] تفسير القرآن العظيم 4/478.

[25] انظر: الآداب الشرعية 3/559.

[26] لم يعين -سبحانه وتعالى- مكانهما إذ لا يتعلق بتعيينه كبير فائدة انظر: روح المعاني 8/260 .

[27] انظر: تفسير القرآن العظيم 3/1147.

[28] انظر: النكت والعيون 3/ 306.

[29] انظر: تفسير القرآن للعثيمين 6/54.

[30] انظر: مفاتيح الغيب 21/107.

[31] في ظلال القرآن 4/2270.

[32] انظر: معالم التنزيل 8/421، والمحرر الوجيز 7/33، وتفسير القرآن العظيم 4/657، وفتح القدير 7/491.

[33] انظر: المستفاد من قصص القرآن ص (142).

[34] انظر:محاسن التأويل 7/536 .
[35] انظر: تفسير المنان في قصص القرآن ص432-433 .

[36] تيسير الكريم الرحمن 731-732.

[37] انظر: دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي ص105 .

[38] أخرجه الترمذي في جامعه كتاب الزهد، باب ما جاء في أخذ المال بحقه (4/588) ح (2376) وقال: ((حديث حسن صحيح))، والحديث صححه ابن حبان (8/24)، والألباني في صحيح الجامع الصغير وزياداته (2/983).

[39] انظر: مجموعة رسائل الحافظ ابن رجب (3/125).

[40] جاء في سبب نزول هذه الآية ما أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب في النفل ح (2737)، والطبري في تفسيره 9/171، والبيهقي في الكبرى 6/291 وفي الدلائل 3/135، وذكره البغوي في تفسيره 2/266 ونسبه لأهل التفسير، والواحدي في أسباب النزول 1/155، وابن الجوزي في زاد المسير3/316، والسيوطي في الدر المنثور4/6، من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما- قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر: ((من فعل كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا))، قال: فتقدم الفتيان ولزم المشيخة الرايات فلم يبرحوها فلما فتح الله عليهم قال المشيخة كنا ردءا لكم لو انهزمتم لفئتم إلينا فلا تذهبوا بالمغنم ونبقى، فأبى الفتيان وقالوا: جعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنا فأنزل الله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ [الأنفال: 1] إلى قوله: ﴿ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ ﴾ [الأنفال: 1 - 5].

[41] انظر: التفسير الوسيط للقرآن الكريم لمحمد سيد طنطاوي 6/33.

[42] انظر: جامع البيان7/339، والدر المصون في علم الكتاب المكنون 1/969، وتفسير المنار 4/161.

[43] انظر : معجم مقاييس اللغة 1/140.

[44] لسان العرب 11/27 مادة ((أمل))

[45] الجامع لأحكام القرآن 1/26، وانظر: الصحاح 1/22، وتهذيب اللغة 15/284، ومعجم مقاييس اللغة 1/140.

[46] التوقيف على مهمات التعاريف 1/93

[47] هو: سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة الخدري الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد: صحابي، كان من ملازمي النبي -صلى الله عليه وسلم- ، استشهد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق، وبيعة الرضوان، أحد الفقهاء المجتهدين لقب بمفتي المدينة، توفي في المدينة سنة (74 هـ) .
انظر : أسد الغابة لابن الأثير 2 / 289 و5 / 211، والبداية والنهاية 9 / 3.

[48] أخرجه أحمد في مسنده 3/17، وحسن إسناده الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 4/196، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 10 / 447: ((رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة)).

[49] أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة فقد أعذر الله إليه ح (6420)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا ح (1046)، واللفظ للبخاري، وعند مسلم : ((قلب الشيخ شاب على حب اثنتين حب العيش والمال)).

[50] هو: أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل، شهاب الدين، ابن حجر: من أئمة العلم كان فصيح اللسان، راوية للشعر، عارفا بأيام المتقدمين وأخبار المتأخرين، وعُرف بأسلوبه العلمي الرصين، وقدرته على تلخيص المعلومات ونقدها، ولي قضاء مصر مرات ثم اعتزل، توفي سنة ( 852 هـ ) .
أما تصانيفه فكثيرة جليلة، ومن أشهرها: ((فتح الباري شرح صحيح البخاري))، ((تهذيب التهذيب)) ((الإصابة في تميز الصحابة)) وغير ذلك .
انظر: الضوء اللامع 2 / 36 -40 ، وحسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة 1/363 – 366 ، وشذرات الذهب 7/270 – 273.

[51] فتح الباري 11/237.

[52] انظر: معالم التنزيل 1/ 114، والجامع لأحكام القرآن 2/26، وإرشاد العقل السليم 1/132.

[53] التحرير والتنوير 1/599 .

[54] انظر: أضواء البيان 1/42.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.00 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.37 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.31%)]