عرض مشاركة واحدة
  #67  
قديم 13-08-2020, 06:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,856
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )



تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (38)
الحلقة (45)




تفسير سورة البقرة (133)

إن حرب الله عز وجل على الربا لا تقتصر على الكافرين وحدهم، وإنما يدخل في ذلك أهل الإسلام، فالحرب على كل مرابٍ، وقد وجه الله عباده المؤمنين إلى تقواه عز وجل وترك ما بقي لهم من أموال عند الآخرين ناتجة عن الربا، ويكتفون برءوس أموالهم، فلا يأخذون شيئاً زائداً عليها، ولا يتركون شيئاً منها لغيرهم، وحضهم تعالى على إنظار المعسر من المدينين، وأفضل من ذلك التصدق عليه بهذا الدين، والله عز وجل يجزي المتصدقين.

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذي آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين)

الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. ثم أما بعد: أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا في مثل هذه الليلة ندرس كتاب الله عز وجل رجاء أن يتحقق لنا ذلكم الموعود الذي أخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ). اللهم حقق لنا رجاءنا إنك ولينا وولي المؤمنين.وقد انتهى بنا الدرس ونحن ندرس سورة البقرة مواصلين دراسة كتاب الله حتى ننتهي بإذن الله، وها نحن مع هذه الآيات الأربع: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:278-281].

أهلية المؤمنين لنداء الله تعالى لهم

معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذا نداء الله عز وجل موجه إلينا بوصفنا مؤمنين، وكوننا مؤمنين هذا يؤهلنا لأن ينادينا ربنا تعالى؛ لأن المؤمنين أحياء يسمعون ويعون ويقدرون على أن يمتثلوا الأمر والنهي؛ وذلك لحياتهم بإيمانهم، أما الكافرون فلا ينادون بمثل هذا النداء ليأمرهم أو ينهاهم؛ لأنهم أموات غير أحياء وما يشعرون. فهذه نعمة من نعم الله فالحمد لله عليها وعلى غيرها من نعمه التي لا نحصيها؛ لأننا مؤمنون، أي: مصدقون به عز وجل وبربوبيته وألوهيته وأنه رب كل شيء ومليكه، مؤمنون بكتابه الذي نتلو آيه ونتدارسها ونعلم مراده تعالى منها رجاء أن نمتثل الأمر ونجتنب النهي لنكمل ونسعد، وآمنا برسوله وبكافة رسله، آمنا بلقائه والوقوف بين يديه للاستنطاق والاستجواب ثم الجزاء إما بالنعيم المقيم وإما بالعذاب الأليم. يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:278] لبيك اللهم لبيك، مر نفعل، انه نترك، أعلم نتعلم، بشر نستبشر، حذر نحذر؛ لأننا عبيدك وأنت سيدنا فلا تنادينا إلا لصالحنا.

مقاصد النداءات القرآنية

وبالتتبع والاستقراء لآي كتاب الله وجدنا في القرآن الكريم تسعين نداء، ودرسناها بمنه وفضله هنا ثلاثة أشهر، كل يوم ندرس نداء، فوجدناها تدور على تحقيق ما يلي: أولاً: على أمره لنا باعتقاد أو بفعل أو بقول ما من شأنه إعدادنا للسعادة والكمال، أو لينهانا عما من شأنه أن يخسرنا ويضيعنا ويكسبنا الشقاء والخسران، أو ينادينا ليبشرنا لتنشرح صدورنا وتطمئن نفوسنا ونقبل في سرعة على الصالحات وتنافس في الخيرات، أو ينادينا لينذرنا من الأخطار والعواقب السيئة والمدمرات والهلاك في الدنيا وفي الآخرة، أو ينادينا ليعلمنا ما نحن في أمس الحاجة إلى علمه ومعرفته. هذه النداءات الإلهية التسعون نداء، وقد يسر الله طبعها مرات ووزعت، والله أسأل أن يحيي بها موات قلوب إخواننا. أيناديك ربك ولا تصغي ولا تسمع؟! إنه قد يناديك أبوك أو ابنك أما تسمع له؟ فكيف يناديك خالقك مالكك سيدك، من بيده حياتك وموتك وإليه مصيرك وأنت تعلم، لا يناديك للهو ولا للباطل ولا لإضاعة الوقت ولا لإرهاقك وإشقائك، والله! لا ينادينا إلا ليكملنا ويسعدنا. إذاً: هيا ندرس هذه الآيات، وهي مختومة بآخر آية نزلت من السماء، آخر آية نزلت من الله عز وجل هذه الآية: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281]، أول آية نزلت: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] وآخر آية نزلت من ستة آلاف ومائتين وست وثلاثين آية هذه الآية: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [البقرة:281] .

كيفية امتثال الأمر بتقوى الله تعالى


يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:278] نادانا ليأمرنا بتقواه إذ قال: اتَّقُوا اللَّهَ [البقرة:278]، كيف نتقيك يا رب وبماذا نتقيك؟ هل بالأسوار والحصون، بالجيوش الجرارة، بالسراديب تحت الأرض؟ بم نتقي الله ونحن بين يديه وفي قبضته؟ يقول لنا العالمون: اتقوه فقط بالإيمان به وطاعته وطاعة رسوله وأنتم مؤمنون، لا يتقى الله بشيء سوى هذا، لا تعصه، لا تخرج عن طاعته، فإن كنت كذلك فأنت آمن فلا تخف؛ إذ لا يغضب ولا يسخط إلا على من عصاه وتمرد عليه وخرج عن طاعته وفسق عن أمره وهو عبده مملوك له يغذوه ويسقيه ويكسوه، يحفظه من شياطين الجن لو تركه لاختطفوه، ثم لا يسمع نداءه ولا يمتثل أمره ولا يجتنب نهيه، فما لهذا المخلوق، ما لهذا الإنسان؟ إذاً: عرفنا بم نتقي ربنا، أي: بم نتقي عذابه وبلاءه وسخطه وغضبه وناره وجحيمه، نتقيه بطاعته وطاعة رسوله، لا تستمر على المعصية ولا تداوم عليها، وإن زلت قدمك وسقطت فعد إليه طالباً العفو والصفح وهو كريم حليم، يكفيك أن ترفع صوتك: غفرانك ربي وإليك المصير، أستغفر الله .. أستغفر الله .. أستغفر الله، وأنت تبكي، فيعفو ويصفح ويتجاوز ويغفر؛ لأنه حليم عظيم.أما أن تستديم معصيته غير مبال بقدرته عليك ولا بنعمه التي أغدقها عليك، فتكفرها وتجحدها وتواصل التمرد عليه، يقول: قف فتمشي، يقول: نم فتستيقظ، يقول: كل فلا تأكل؛ فأين يذهب بك يا عبد الله؟ تريد أن تتمزق وتتلاشى؟ وذلكم هو الخسران المبين: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]، إن أحدهم يلقى في عالم لا يلتقي فيه بأب ولا أم ولا أخ ولا صديق ولا قريب ولا بعيد لمليارات السنين، وأفظع من هذا أن الرجل الكافر قد يوضع في صندوق من حديد ويغلق عليه ويرمى في ذلك العالم فلا يأكل ولا يشرب ولا يتكلم ولا يبصر وهو في الجحيم مليارات السنين؛ إذ الحياة هناك غير قابلة للفناء، الحياة الدنيا -بحسب سنة الله فيها- قابلة للفناء، لا يبقى شيء إلا ويتلاشى ويتمزق، وها أنت تشاهد طفلك يشب ويكبر ثم يموت، وأما الحياة الآخرة فالذي أوجد هذه أوجدها غير قابلة للفناء، فأهل دار السلام لا يكبرون لا يهرمون لا يمرضون لا يشيخون لا يموتون لا ينامون، غير قابلة لهذه الظواهر في الحياة الدنيا الزائلة الفانية.

حاجة العباد إلى العلم بشرع الله لتحقيق التقوى

إذاً: والسؤال المكرر لعله ينفع الله به: هل الذي لا يعرف أوامر الله ونواهيه وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم ونواهيه يستطيع أن يتقي الله؟ والله! ما يستطيع، إذاً: فمن الضروريات أن يعرف عبد الله وأمة الله ما أمر الله ورسوله به من الاعتقادات والأقوال والأفعال والصفات، وأن يعرف أيضاً ما حرم الله وكرهه من المعتقدات والأقوال والأفعال والصفات والذوات. وهنا وقفنا عند الباب، فهيا ندخل، وهو مغلق فلا بد من العلم، نحن مأمورون بأن نتقي ربنا حتى لا نخسر حياتنا وحتى لا نلقى في عالم الشقاء أبد الآبدين، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] في أي شيء نطيع؟ لا بد من معرفة ما نطيع الله ورسوله فيه، أي: معرفة الواجبات ومعرفة المنهيات في هذين المجالين من الاعتقاد والقول والفعل والصفات. وإذا ما وجدنا من يعلمنا فلنذهب نشرق ونغرب ونسأل عن الذي يعرف محاب الله ومكارهه، فإن قالوا: إن رجلاً يقال له: فلان يوجد في جبال التبت من القارة الهندية هذا الذي يعرف ما يحب الله وما يكره؛ فوالله! لو آمنا حق الإيمان لمشينا حتى نجلس بين يديه ليعلمنا ما يحب ربنا لنأتيه وليعلمنا ما يكره ربنا لنذره ونتركه، فلم لا يتعلم المؤمنون؟ سأشرح لكم: إن مظاهر الضعف والعجز، بل مظاهر الخبث والظلم والشر والفساد كلها نتيجة الجهل بالله وبمحابه ومكارهه، من عرف الله خافه: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، ومن خاف الله عمل على ألا يخرج عن طاعته ولا يفسق عن أمره؛ لأنه علم أن حياته ومصيره بيد ربه، فكيف يجرؤ على أن يتمرد عليه ويخرج عن أمره؟ ونعيد القول: لم لا نتعلم في بيوت ربنا؟ اليهود والنصارى والمشركون والكافرون إذا انتهى العمل الدنيوي ودقت الساعة السادسة مساءً أوقفوا العمل كما هو مشاهد في أوروبا وأمريكا واليابان والصين، ونظفوا أنفسهم ولبسوا أحسن ملابسهم وذهبوا إلى دور الباطل من المراقص والمقاصف والسينما والملاهي والأباطيل ينفسون عن أنفسهم يروحون عنها من آثار البلاء النفسي؛ لأنهم كالبهائم لا هم لهم إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح واللهو والباطل، آيسون من رحمة الله جاهلون بالله والدار الآخرة، يذهبون للترويح على أنفسهم، ومصيرهم معلوم هو جهنم خالدين فيها أبداً. ولتعرف صورة توضيحية لجهنم اخرج في الساعة الثانية عشرة ظهراً وارفع رأسك وانظر إلى الشمس، هذه الشمس أكبر من الأرض بمليون ونصف مليون مرة، وكلها لهب وسعير، ولا شجر فيها ولا حطب، نار ملتهبة، لو اجتمعت البشرية كلها خمسين مرة ما سدت زاوية من زوايا الشمس، وتسألني عن النار؟ فإذا كشطت هذه السماوات وأبعدت فالعالم الآخر الذي لا نهاية له. وإن ارتبت فأغمض عينيك وضع رأسك بين ركبتيك وفكر وتصور نفسك وأنت هابط إلى الأسفل، فإلى أين ستنتهي؟ إذاً: قولوا آمنا بالله .. آمنا بالله .. آمنا بالله. فنحن الربانيون أولياء الله أهل الطريق والصراط المستقيم، إذا مالت الشمس إلى الغروب ودقت الساعة السادسة لم لا نتوضأ في بيوتنا ونلبس أحسن ثيابنا ونأتي بنسائنا وأطفالنا إلى بيوت ربنا، فنجلس الساعة والساعتين نتلقى الكتاب والحكمة، نزكي أنفسنا بهذه الأنوار الإلهية، سنعود شباعا إلى بيوتنا لا رغبة لنا في وافر الطعام والشراب، ولا هم لنا إلا أن يرضى ربنا عنا، لم ما عملنا هذا؟ أهل القرية في الجبل في السهل في الوادي حيثما كانوا أليسوا مؤمنين؟ ويزعمون أنهم المسلمون! فلم يعيشون على الجهل فيستبيحون الغش والخداع والغيبة والنميمة والشح والبخل والسب والشتم في أمراض لا يرضاها الله لأوليائه؟ لأنهم ما عرفوا -والله- وما علموا، ما طلبوا العلم حتى يعلموا، ما صدقوا حتى يصدقوا، هذه حال أمتنا، وقد شاهدنا ما فعل الله بنا في الشرق والغرب، وما زلنا في سكرتنا ما أفقنا، ما زالت السكرة هي هي، والجهل مطبق وآثار الجهل مشاهدة، كل ظلم كل خبث كل شر كل فساد مرده إلى الجهلبالله وبمحابه ومساخطه، فكيف نتقيك يا ربنا ونحن لا نعرف الكلمة التي إذا قلناها ترضى بها، أو تسخط ولا ترضى؟ فلا بد أن نتعلم، وما نحتاج للمدارس والأقلام والأوراق، هذا العلم الضروري فقط نتلقاه من فم المربي من وجهه إلى وجوهنا ونعزم على العمل في ساعته، فلا نزال نتلقى الحكمة يوماً بعد يوم حتى ما يبقى في قريتنا رجل ولا امرأة لا يعرف الله ولا ما يحب ولا ما يكره.

يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 34.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.60 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.83%)]