
12-08-2020, 04:11 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,212
الدولة :
|
|
رد: التوكل على الله تعالى والاعتماد عليه
فمن تَرَك الأسباب فقد سلك طريق العجْز والكسل، وهذا ما حذر منه النبيُّ صلى الله عليه وسلم حين قال: «المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا. ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان». رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
فالتوكل حال النبي صلى الله عليه وسلم، والكسب سنته، فمن عمل على حاله فلا يتركن سنته، فمن طعن في الأسباب فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.
يقول ابن قيّم رحمه الله: (التّوكّل من أعظم الأسباب الّتي يَحْصُل بها المطلوب، ويَندفع بها المكروه. فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التّوكّل. ولكن من تمام التّوكّل: عدم الرّكون إلى الأسباب، وقطع علاقة القلب بها، فيكون حال قلبه قيامه بالله لا بها، وحال بدنه قيامه بها. فالأسباب محلّ حكمة الله وأمره ونهيه. والتّوكّل متعلّق بربوبيّته وقضائه وقدره، فلا تقوم عبوديّة الأسباب إلّا على ساق التّوكّل، ولا يقوم ساق التّوكّل إلّا على قدم العبوديّة).
وهاهو النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن نأخذ بالأسباب في كل مجالات الحياة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله، أعقلُها وأتوكل؟ أو أطلِقها وأتوكل؟ قال: « اعقِلها وتوكلْ». رواه الترمذي، وحسنه الألباني.
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى:﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ [البقرة: 197].
وروى ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن معاوية بن قرة، أن عمر بن الخطاب، لقي ناسا من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون. قال: بل أنتم المتكلون، إنما «المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله».
وهو الذي قال رضي الله عنه: "لا يقعدن أحدكم في المسجد يقول: الله يرزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة".
وهذا ما أرشدنا إليه ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم، حيث قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا في الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ﴾.
بل إن من تأمل القرآن يجد أن الله تعالى يعلمنا أن نتخذ الأسباب وإن كانت في نفسها ضعيفة، قد لا يتصور أن تكون لها نتيجة. فهذا أيوب عليه السلام لما اشتد به المرض دعا الله تعالى فقال: ﴿ رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين ﴾ وقال: ﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ [ص: 41] فاستجاب الله دعاءه، لكن أمره باتخاذ الأسباب حتى وهو في حالة ضعف ومرض، وهو القادر سبحانه على أن يَشفيه ولو بدون اتخاذه لأيّ سبب، ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾ لكنه لا يريد من عباده أن يتربوا على الخمول والكسل والتواكل وترك العمل، فقال تعالى: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾. وهل ضربة الصحيح للأرض منبعة للماء؟ لا، فكيف بمن هو مريض كأيوب عليه السلام؟، ولكن الله يريد أن يعلمنا أنه لابد من اتخاذ السبب ولو كان ضعيفاً، فالأمر أمره، والكون كونه، ولكن لابد من فعل الأسباب، مع حسن اعتماد القلب على الله عز وجل.
وهذه مريم عليها السلام، لما كانت في حالة مخاض عند ولادتها لعيسى عليه السلام، وهي في حالة وهَن وضعف، واحتاجت إلى طعام، جاءها الأمر باتخاذ السبب، ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تساقطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾.
فهكذا يعلمنا القرآن أن التوكل الحقيقي يقتضي منا أن نأخذ بالأسباب، أن نبذر الحَبّ في الأرض، وأن نتعاهد الزرع بالري، وأن نبحث عن وسائل العلاج، ونسلك سبل النجاح، ونبتعد عن أسباب الهلاك والفشل والخسران... وقلوبنا متعلقة بالله، لا بما نبذله من أسباب؛ لأن الأسباب وحدها لاتؤثر في الفعل، لا تضر ولا تنفع، ولا ترزق ولا تمنع، إلا بأمر مسبب الأسباب سبحانه، وإذنه وإرادته.
ابذل السبب ولو كان يسيراً، ولكن إياك أن تعلق قلبك بالأسباب، ولكن علقه برب العالمين، واعلم أنّ الله هو مسبب الأسباب، ولو شاء أن يحول بين السبب وأثره لفعل سبحانه، ولذا لما أُلقي إبراهيم في النار لم يحترق، لأن الله لم يأذن للنار بذلك. وإسماعيل عليه السلام لما أمرَّ أبوه السكين على عنقه وهي سبب في إزهاق الروح لم تزهق روحه، لأن الله لم يأذن في ذلك.
فالفلاح يحرث الأرض ويزرعها، لكنها تنبت بإذن من؟ وبإرادة من؟ تنبت بإذن الله وبإرادة الله، وتثمر بإذن الله وبإرادة الله، ولولا إرادته ما أنبتت ولا أثمرت، وهذا ما أرشد إليه سبحانه وتعالى فقال: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ [الواقعة: 63 - 67].
والجائع يبحث عن الطعام، والظمآن يبحث عن الشراب، والمريض يبحث عن الشفاء، وكل ذي حاجة يبحث عن حاجته، وهذه مجرد أسباب، لكن الذي بيده ذلك كله هو الله، قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿ إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ [الشعراء: 77 - 82].
مجالاتُ التوكل ومواطنُه:
لقد وردت في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة نصوصٌ كثيرة تحضّ على التّوكّل على الله وتأمر به في مواطن كثيرة من أمور الدنيا والدين، ومن ذلك:
1ـ التوكل على الله والاستعانة به في عبادته وطاعته:
فإن العبد مخلوق ليكون عبدا لله، ليعمل بما يرضي الله، ويبتعد عما لا يرضيه، وهو في ذلك بين شهوة تغريه، وشيطان يغويه، ودنيا تلهيه، فيحتاج إلى عون الله وحفظه وهدايته وتوفيقه، ولذلك علمنا ربنا سبحانه أن نطلب منه العون على طاعته وعبادته، فقال سبحانه: ﴿ إياك نعبد وإياك نستعين ﴾. وأمر الله تعالى بالعبادة مقرونة بالتوكل فقال سبحانه: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾.
2ـ التوكل على الله تعالى في كل ما يريد الإنسان تحقيقه من أمور الدنيا:
ولقد كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يُعَلِّم أصحابَه الاستخارة، كما يُعَلِّمهم السورة من القرآن؛ لما في صلاة الاستخارة ودعائِها من تدريب على التوَكُّل على الله، وتفويض الأمر إليه، فالمستَخير يُعلن عن عجْزه عن اختيار ما ينفعه، فيلجأ إلى ربِّه يطلب منه سبحانه بما لديه من علْم تام وقدرة بالغة أن يختار له ما ينفعه وما يُصلِحه، ثم يثق في اختيار الله عزَّ وجلَّ له، ويرضى بما قدّره الله عزَّ وجلَّ له.
ففي صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إذا هم أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال عاجل أمري وآجله - فاقدُره لي ويَسّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدُرْ لي الخير حيث كان، ثم أرضني» قال: «ويسمي حاجته».
3ـ عند مواجهة الأعداء أو مسالمتهم:
إذا أعرضت عن أعدائك وخصومك فكنْ على الله متوكلا. قال تعالى: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [النساء: 81].
وإذا طلبت الصّلح والإصلاح بين قوم فكنْ على الله متوكلا. قال تعالى: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الأنفال: 61].
وإذا أعرض عنك الخلق ففوض أمرك إلى الله. قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رب العرش العظيم ﴾ [التوبة: 129].
4ـ عند نزول المصائب وحُلول الكُرَب:
إذا حلت بك مصيبة، أو نزل بك همّ وكَرب وبلاء، فكنْ على الله متوكلا. ففي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ».
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت». أخرجه الإمام أحمد وابن حبان والنسائي وأبو داود، وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
5ـ عند الخروج من المنزل:
إذا خرجت من بيتك فكن على الله متوكلا. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: يقال حينئذ: هديت، وكفيت، ووقيت، فتتنحى له الشياطين، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي؟ ». أخرجه الترمذي وأبو داود واللفظ له، وصححه الألباني في صحيح الترمذي وصحيح أبي داود.
6ـ عند النوم:
إذا أويت إلى فراشك فكن على الله متوكلا. ففي الصحيحين عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت من ليلتك، فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به». قال: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: «لا، ونبيك الذي أرسلت».
وفي رواية أخرى للبخاري عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا فلان إذا أويت إلى فراشك فقل: اللهم أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإنك إن مت في ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحتَ أصبْتَ أجرا".
7ـ عند الحاجة إلى الرزق:
إذا سعيت في طلب الرزق فكن على الله متوكلا. فهو الرزاق الذي تكفل بالرزق لكل مخلوق من مخلوقاته؛ ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. فإياك أن تسأل رزقك من غيره، فغيره يُرزَق ولا يَرزُق، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾.
أخرج الإمام أحمد وابن حبان والترمذي والنسائي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله، لرزقتم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصا وتروح بطانا». فالطير تتوكل على الله؛ لكنها لا تقعد في أعشاشها، بل إنها تغدو وتروح؛ تذهب في الصباح الباكر للبحث عن الرزق، وتعود في المساء محملةً بالطعام لأولادها في أعشاشها؟ كَدٌّ وسعي وذهاب في طلب الرزق، لكن بدون ملل، وبدون قلق، وبدون هم ولا حزن.
تَوكل على الرحمن في كُلِ حَاجَة
أرَدْتَ فإنَّ الله يَقْضِي ويَقْدِرُ 
مَتَى ما يُردْ ذُو العَرْشِ أمْرًا لِعَبْدِه
يُصِبْهُ وما لِلْعَبْدِ ما يتَخَيَّرُ 
وقد يُهْلَكُ الإِنسانُ مِن حَيثُ أمْنِه
ويَنْجُو بإذْنِ اللهِ من حَيثُ يَحْذَرُ 
• فوائد التوكل على الله تعالى:
للتوكل على الله وحسن الاعتماد عليه فوائدُ عظيمة، ونتائج جليلة، وهذه بعضها:
1ـ النصر والتأييد:
فإذا أردت أن ينصرك الله على نفسك وعلى أعدائك فكن على الله متوكلا، فهو سبحانه نعم المولى ونعم النصير. قال تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 160]. فأمر الله بالتوكل عليه بعد ذكره للنصر، ليُدَلّل على أنّ من أسبابه الاعتمادُ عليه والتوكل عليه.
2ـ الكفاية والحماية والرعاية:
فالله سبحانه وتعالى يكفي مَن تَوَكَّل عليه من كلِّ هَمٍّ وسُوء، قال تعالى: ﴿ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾، أي كافيه عز وجل في جميع أموره، يكفيه في جلب ما ينفعه، ويكفيه في دفع ما يؤلمه. فلا يحزنْ من توكل على الله، ولا يقلقْ من اعتمد على الله، فسيأتيه الفرَج، وسيأتيه النصر، وسيأتيه التوفيق من عند الله، فهو القائل سبحانه: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ [الزمر: 36]؟. الجواب: بلى، هو سبحانه كاف عبده، حافظ من التجأ إليه، معين من استعان به، ناصر من استنصره..
3. الراحة والطمأنينة:
في التوكل على الله راحة نفسية، وطمأنينة قلبيه. فالمؤمن المتوكل على الله إذا أصابه خير علم أنه فضل من الله، فحمده وشكره فكان خيراً له، وإن أصابته شدة أيقن أن الله هو الذي أصابه بها اختباراً له وابتلاءً، فصبر واسترجع فكان خيراً له، وهذا ما أرشدنا إليه نبينا عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم في صحيحه عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له». فالمتوكل على الله لا ييأس ولا يضجر ولا يقلق، بل هو في راحة وطمأنينة؛ لأنه يعلم أنه لا يجري عليه إلا ما قضاه الله وقدّره، فربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة:51].
4ـ الحفظ من الشيطان الرجيم:
العدو اللدود لكل إنسان، الذي أقسم بأغلظ الأيمان أن يضل هذا الإنسان ويغويه، ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾.
فإذا أردت أن يحميك الله من الشيطان وأن يحفظك من كيده وشره ووساوسه فكنْ على الله متوكلا، وبه مستعيذا، فقد قال سبحانه: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾. وأخبر ربنا سبحانه أنه لا سبيل للشيطان ولا سلطان له على من آمن بالله وتوكل عليه، فقال عز وجل: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ [النحل: 99].
5ـ الفوز بمحبة الله عز وجل:
فمن أراد أن ينال محبّة الله فليكن متوكلا على الله، معتمدا عليه في كل أمر يريد فعله، فقد قال تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].
6ـ الفوز بالجنة:
فمن أراد الجنة فليتوكلْ على الله وليستعنْ بالله، ليوفقه للعمل بطاعته، والبعد عن معصيته، فذاك هو الطريق إلى مرضاته وجناته. قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يتوكلون ﴾ [العنكبوت: 58-59]. وقال تعالى: ﴿ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الشورى: 36].
فاتقوا الله تعالى الذي خلقكم ورزقكم ورباكم، والذي أطعمكم وكفاكم وآواكم، والذي أنقذكم من الردى وهداكم، وتوكلوا حق التوكل عليه في إصلاح دينكم ودنياكم.
فاللهم ارزقنا التوكل عليك، وحسن الاعتماد عليك، اللهم ارزقنا الثقة فيك، وحسن الظن بك، واليقين فيما عندك، يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين.
اللهم اجعلنا ممن توكل عليك فكفيته، واستعان بك فأعنته، واستهداك فهديته، ودعاك فأجبته، وسألك فمنحته وأعطيته، يا رب العالمين.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|