عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 09-08-2020, 02:49 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: كيف نزل القرآن؟

الحكمة الخامسة: الدلالة القاطعة على أن القرآن تنزيل من الله تعالى.

إن هذا القرآن الذي نزل منجمًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثرَ مِن عشرين عامًا تنزل الآية أو الآيات على فترات من الزمن - يقرؤه الإنسان ويتلو سُوَره فيجده محكَمَ النَّسْج، دقيق السبك، مترابط المعاني، رصين الأسلوب، متناسق الآيات والسور، كأنه عِقد فريد نُظمت حبَّاته بما لم يُعهَد له مثيل في كلام البشر؛قال سبحانه: ï´؟ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ï´¾ [هود: 1] ولو كان هذا القرآن من كلام البشر قيل في مناسبات متعددة، ووقائعَ متتالية، وأحداث متعاقبة - لوقع فيه التفكُّك والانفصام، واستعصى أن يكون بينه التوافقُ والانسجام؛قال تعالى: ï´؟ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ï´¾ [النساء: 82].



فأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في ذِروة الفصاحة والبلاغة بعد القرآن الكريم - لا تنتظم حباتها في كتاب واحد سلس العبارة يأخذ بعضه برقاب بعض في وحدة وترابط بمثل ما عليه القرآن الكريم، أو ما يدانيه اتساقًا وانسجامًا،فكيف بكلام سائر البشر وأحاديثهم؟!قال جل شأنه: ï´؟ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ï´¾ [الإسراء: 88]؛ (مباحث في علوم القرآن لمناع القطان صـ 117: 107)، (مناهل العرفان جـ 1 صـ 53: صـ 62).



الاستفادة من نزول القرآن مفرَّقًا في التربية والتعليم:

تعتمد العملية التعليمية على أمرينِ أساسيين:

(1) مراعاة المستوى الذهني للطلاب.

(2) تنمية قدرات الطلاب العقلية والنفسية والجسمية بما يوجهها وجهة سديدة إلى الخير والرشاد.



ونحن نلاحظ في حكمة نزول القرآن منجمًا ما يفيدنا في مراعاة هذين الأمرين على النحو الذي ذكرناه آنفًا؛ فإن نزول القرآن الكريم تدرَّج في تربية الأمة الإسلامية تدرُّجًا فِطريًّا لإصلاح النفس البشرية، واستقامة سلوكها، وبناء شخصيتها، وتكامل كيانها، حتى استوت على سوقها، وآتت أكلها الطيب بإذن ربها لخير الإنسانية كافة.



وكان تنجيمُ القرآن خيرَ عونٍ لها على حفظه وفهمه ومدارسته وتدبر معانيه، والعمل بما فيه.



وبين نزول القرآن في مطلع الوحي بالقراءة والتعليم بأداة الكتابة: ï´؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ï´¾ [العلق: 1 - 5]، ونزول آيات الرِّبا والمواريث في نظام المال، أو نزول آيات القتال في المفاصلة التامة بين الإسلام والشرك - بين ذاكوهذا مراحل تربوية كثيرة لها أساليبها التي تلائم مستوى المجتمع الإسلامي في تدرُّجه من الضعف إلى القوة، ومن القوة إلى شدة البأس.



والمنهج الدراسي الذي لا يراعى فيه المستوى الذهني للطلاب في كل مرحلة من مراحل التعليم وبناء جزئيات العلوم على كلياتها والانتقال من الإجمال إلى التفصيل، أو لا يراعي تنمية جوانب الشخصية العقلية والنفسية والجسمية - منهج فاشل، لا تجني منه الأمة ثمرة علمية سوى الجمود والتخلُّف.



والمدرِّس الذي لا يعطي طلابه القدر المناسب من المادة العلمية فيثقل كاهلهم ويحملهم ما لا يطيقون حفظًا أو فهمًا، أو يحدثهم بما لا يدركون، أو لا يراعي حالهم في علاج ما يعرض لهم من شذوذ خُلقي أو يفشو من عادات سيئة، فيقسو ويتعسف، ويأخذ الأمر دون أناة ورويَّة، وتدرج وحكمة -المدرس الذي يفعل ذلك يحوِّل العملية التعليمية إلى متاهات موحشة، ويجعل غُرَف الدراسة قاعات منفِّرة للدارسين.



وقِسْ على هذا الكتاب المدرسي؛ فالكتاب الذي لا تنتظم موضوعاته وفصوله، ولا تتدرج معلوماته من السهل إلى الصعب، ولا تترتب جزئياته ترتيبًا محكمًا منسقًا، ولا يكون أسلوبه واضحًا في أداء المعنى المقصود - كتاب ينفِّر الطالب من قراءته، ويحرمه من الاستفادة منه.



والهديُ الإلهي في حكمة نزول القرآن منجَّمًا هو الأسوة الحسنة في صياغة مناهج التعليم، والأخذ بأمثل الطرق في الأساليب التربوية بقاعة الدرس، وتأليف الكتاب المدرسي؛ (مباحث في علوم القرآن لمناع القطان صـ 118: 117).



الفرق بين القرآن المكي والمدني:

المكيُّ: ما نزل قبل الهجرة وإن كان بالمدينة، والمدنيُّ: ما نزل بعد الهجرة وإن كان بمكة؛ (البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ 1 صـ 187).



ضوابط معرفة السور المكية:

(1) كل سورةٍ فيها "كَلَّا" فهي مكيةٌ، وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثًا وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة كلها في النصف الأخير من القرآن الكريم.



(2) كل سورةٍ فيها سجدة فهي مكيةٌ.



(3) كل سورةٍ فيها حروف المعجم (حروف التهجي) فهي مكيةٌ، إلا البقرة وآل عمران، وفي الرعد خلافٌ.



(4) كل سورةٍ فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة فهي مكيةٌ، سوى البقرة.



(5) كل سورةٍ فيها قصة آدم وإبليس فهي مكيةٌ، سوى البقرة.



(6) كل سورةٍ فيها: يا أيها الناس، وليس فيها يا أيها الذين آمنوا فهي مكيةٌ، وفي الحج اختلافٌ.



ضوابط معرفة السور المدنية:

(1) كل سورةٍ ذكرت فيها الحدود والفرائض فهي مدنيةٌ.



(2) كل سورةٍ فيها الإذن بالجهاد، وبيان لأحكام الجهاد فهي مدنية.



(3) كل سورةٍ فيها ذكر المنافقين فمدنيةٌ، سوى العنكبوت؛ (البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ 1 صـ 188)، (الإتقان في علوم القرآن للسيوطي جـ 1 صـ 48: 47).



أنواع السور المكية والمدنية:

قد تكون السورة كلها مكية، وقد تكون كلها مدنية، وقد تكون السورة مكية ما عدا آيات منها، وقد تكون مدنية ما عدا آيات منها، فتلك أربعة أنواع:

مثال للنوع الأول: سورة المدثر، فإنها كلها مكية.

مثال للنوع الثاني: سورة آل عمران، فإنها كلها مدنية.



مثال للنوع الثالث: سورة الأعراف، فإنها مكية،ما عدا آية: ï´؟ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ ï´¾ [الأعراف: 163].



مثال للنوع الرابع: سورة الحج، فإنها مدنية، ما عدا أربع آيات منها، تبتدئ بقوله سبحانه: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى ï´¾ [الحج: 52] إلى قوله: ï´؟ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ï´¾ [الحج: 55]؛ (مناهل العرفان للزرقاني جـ 1 صـ 199).



خصائص أسلوب القرآن المكي:

يمكن أن نوجز خصائص أسلوب القرآن المكي فيما يلي:

1 - الدعوة إلى التوحيد وعبادةِ الله وحده، وإثبات الرسالة، وإثبات البعث والجزاء، وذكر القيامة وهولها، والنار وعذابها، والجنة ونعيمها، ومجادلة المشركين بالبراهين العقلية، والآيات الكونية.



2 - وضع الأسس العامة للتشريع والفضائل الأخلاقية التي يقوم عليها كيان المجتمع، وفضح جرائم المشركين في سَفْك الدماء، وأكل أموال اليتامى ظلمًا، ووَأْد البنات، وما كانوا عليه من سُوء العادات.



3 - ذِكر قصص الأنبياء والأمم السابقة؛ زجرًا لهم؛ حتى يعتبروا بمصير المكذبين قبلهم، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى يصبر على أذاهم، ويطمئن إلى الانتصار عليهم.



4 - قِصَرُ الفواصل مع قوة الألفاظ، وإيجاز العبارة، بما يصُخُّ الآذان، ويشتد قرعه على المسامع، ويصعَق القلوب، ويؤكد المعنى بكثرة القسم، كقِصار المفصَّل، إلا نادرًا؛ (مباحث في علوم القرآن لمناع القطان صـ 63).



خصائص أسلوب القرآن المدني:

يمكن أن نوجز خصائص أسلوب القرآن المدني فيما يلي:

1 - بيان العبادات، والمعاملات، والحدود، ونظام الأسرة، والمواريث، وفضيلة الجهاد، والصلات الاجتماعية، والعلاقات الدولية في السلم والحرب، وقواعد الحُكْم، ومسائل التشريع.



2 - مخاطبة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ودعوتهم إلى الإسلام، وبيان تحريفهم لكتب الله، وتجنِّيهم على الحق، واختلافهم من بعدِما جاءهم العلم؛ بَغْيًا بينهم.



3 - الكشف عن سلوك المنافقين، وتحليل نفسيتهم، وإزالة الستار عن خباياهم، وبيان خطرهم على الإسلام.



4 - طول المقاطع والآيات في أسلوب يقرر الشريعة ويوضِّح أهدافها؛ (مباحث في علوم القرآن لمناع القطان صـ 64).



السور التي نزلت بمكة:

روى ابن الضريس عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: أول ما نزل من القرآن بمكة، وما أنزل منه بالمدينة الأول فالأول، فكانت إذا نزلت فاتحة سورةٍ بمكة فكتبت بمكة، ثم يزيد الله فيها ما يشاء، وكان أول ما أنزل من القرآن: (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، ثم (ن والقلم)، ثم (يا أيها المزمل)، ثم (يا أيها المدثر)، ثم (الفاتحة)، ثم (تبت يدا أبي لهبٍ)، ثم (إذا الشمس كورت)، ثم (سبح اسم ربك الأعلى)، ثم (والليل إذا يغشى)، ثم (والفجر وليالٍ عشرٍ)، ثم (والضحى)، ثم (ألم نشرح)، ثم (والعصر)، ثم (والعاديات)، ثم (إنا أعطيناك الكوثر)، ثم (ألهاكم التكاثر)، ثم (أرأيت الذي يكذب)، ثم (قل يا أيها الكافرون)، ثم (ألم تر كيف فعل ربك)، ثم (أعوذ برب الفلق)، ثم (أعوذ برب الناس)، ثم (قل هو الله أحدٌ)، ثم (والنجم إذا هوى)، ثم (عبس وتولى)، ثم (إنا أنزلناه في ليلة القدر)، ثم (والشمس وضحاها)، ثم (والسماء ذات البروج)، ثم (والتين والزيتون)، ثم (لإيلاف قريشٍ)، ثم (القارعة)، ثم (لا أقسم بيوم القيامة)، ثم (ويلٌ لكل همزةٍ)، ثم (والمرسلات)، ثم (ق والقرآن)، ثم (لا أقسم بهذا البلد)، ثم (والسماء والطارق)، ثم (اقتربت الساعة)، ثم (ص والقرآن)، ثم (الأعراف)، ثم (قل أوحي)، ثم (يس والقرآن)، ثم (الفرقان)، ثم (الملائكة)، ثم (كهيعص)، ثم (طه)، ثم (الواقعة)، ثم (طسم الشعراء)، ثم (طس النمل)، ثم (القصص)، ثم (بني إسرائيل)، ثم (يونس)، ثم (هود)، ثم (يوسف)، ثم (الحِجر)، ثم (الأنعام)، ثم (الصافات)، ثم (لقمان)، ثم (سبأ)، ثم (الزمر)، ثم (حم المؤمن)، ثم (حم السجدة)، ثم (حم عسق ثم الزخرف)، ثم (الدخان)، ثم (الجاثية)، ثم (الأحقاف)، ثم (الذاريات)، ثم (هل أتاك حديث الغاشية)، ثم (الكهف)، ثم (النحل)، ثم (إنا أرسلنا نوحًا)، ثم (سورة إبراهيم)، ثم (الأنبياء)، ثم (المؤمنون)، ثم (تنزيل السجدة)، ثم (الطور)، ثم (تبارك الملك)، ثم (الحاقة)، ثم (سأل سائلٌ)، ثم (عم يتساءلون)، ثم (النازعات)، ثم (إذا السماء انفطرت)، ثم (إذا السماء انشقت)، ثم (الروم)، ثم (العنكبوت)، ثم (ويلٌ للمطففين).



فهذا ما أنزل الله عز وجل بمكة، وهي ست وثمانون سورةً.



السور التي نزلت بالمدينة:

قال ابن عباسٍ: أنزل بالمدينة: (سورة البقرة)، ثم (الأنفال)، ثم (آل عمران)، ثم (الأحزاب)، ثم (الممتحنة)، ثم (النساء)، ثم (إذا زُلزلت)، ثم (الحديد)، ثم (سورة محمدٍ)، ثم (الرعد)، ثم (سورة الرحمن)، ثم (هل أتى على الإنسان)، ثم (يا أيها النبي إذا طلقتم)، ثم (لم يكن)، ثم (الحشر)، ثم (إذا جاء نصر الله)، ثم (النور)، ثم (الحج)، ثم (المنافقون)، ثم (المجادلة)، ثم (الحجرات)، ثم (لِمَ تُحرِّمُ)، ثم (الجمعة)، ثم (التغابن)، ثم (الحواريون)، ثم (الفتح)، ثم (المائدة)، ثم (التوبة)،فذلك ثمانٌ وعشرون سورةً،فجميع القرآن مائة سورةٍ وأربع عشرة سورةً؛ (فضائل القرآن ـ لابن الضريس صـ 33 حديث: 17).



فوائد معرفة القرآن المكيِّ والمدنيِّ:

(1) تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات من القرآن الكريم في موضوع واحد، وكان الحكم في إحدى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفًا للحكم في غيرها، ثم عرف أن بعضها مكي وبعضها مدني فإننا نحكم بأن المدني منها ناسخ للمكي؛ نظرًا إلى تأخر المدني عن المكي.



(2) معرفة تاريخ التشريع وتدرُّجه الحكيم بوجه عام، وذلك يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة الإسلامية في تربية الشعوب والأفراد.



(3) الثقة بهذا القرآن وبوصوله إلينا سالمًا من التغيير والتحريف.



ويدل على ذلك اهتمام المسلمين به كل هذا الاهتمام، حتى لَيعرفون ويتناقلون ما نزل منه قبل الهجرة وما نزل بعدها، وما نزل بالحضر وما نزل بالسفر، وما نزل بالنهار وما نزل بالليل، وما نزل بالشتاء وما نزل بالصيف، إلى غير ذلك، فلا يعقل بعد هذا أن يسكتوا ويتركوا أحدًا يمسه ويعبث به وهم المتحمسون لحراسته وحمايته والإحاطة بكل ما يتصل به؛ (مناهل العرفان للزرقاني جـ 1 صـ: 195).



تعدُّد أسماء السور:

قد يكون للسورة اسم، وهو كثيرٌ، وقد يكون لها اسمان؛ كسورة البقرة،يقال لها: فسطاط القرآن؛ لعِظَمها وبهائها، وآل عمران يقال: اسمها في التوراة طيبةٌ، حكاه النقاش، والنحل تسمى سورة النعم؛ لِما عدَّد الله فيها من النعم على عباده، وسورة: ï´؟ حم * عسق ï´¾ [الشورى: 1، 2] وتسمى الشورى، وسورة الجاثية وتسمى الشريعة، وسورة محمدٍ صلى الله عليه وسلم وتسمى القتال، وقد يكون لها ثلاثة أسماءٍ؛ كسورة المائدة والعقود والمنقذة،وكسورة غافرٍ والطَّول والمؤمن؛ لقوله: ï´؟ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ ï´¾ [غافر: 28].



وقد يكون لها أكثر من ذلك؛ كسورة براءة والتوبة والفاضحة والحافرة؛ لأنها حفَرت عن قلوب المنافقين.



وكسورة الفاتحة، ذكر بعض العلماء لها بضعةً وعشرين اسمًا: الفاتحة، وأم الكتاب، وأم القرآن، والسبع المثاني، والحمد.



وسميت مثاني؛ لأنها تثنى في الصلاة، والوافية؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن، والكنز، والشافية، والشفاء، والكافية، والأساس؛ (البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ 1 صـ 270: 269).



اختصاص كل سورة بما سميت به:

ينبغي النظرُ في وجه اختصاص كل سورةٍ بما سميت به، ولا شك أن العرب تراعي في الكثير من المسميات أخذ أسمائها من نادرٍ أو مستغربٍ يكون في الشيء من خلقٍ أو صفةٍ تخصه، أو تكون معه أحكم أو أكثر أو أسبق لإدراك الرائي للمسمى، ويسمون الجملة من الكلام أو القصيدة الطويلة بما هو أشهر فيها، وعلى ذلك جرت أسماء سور الكتاب العزيز؛ كتسمية سورة البقرة بهذا الاسم؛ لقرينة ذكر قصة البقرة المذكورة فيها، وعجيب الحكمة فيها، وسُميت سورة النساء بهذا الاسم؛ لِما تردَّد فيها من كثيرٍ من أحكام النساء، وتسمية سورة الأنعام؛ لِما ورد فيها من تفصيل أحوالها، وإن كان قد ورد لفظ الأنعام في غيرها إلا أن التفصيل الوارد في قوله تعالى: ï´؟ وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ï´¾ [الأنعام: 142] إلى قوله: ï´؟ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ ï´¾ [الأنعام: 144] لم يرِدْ في غيرها، كما ورد ذكر النساء في سورٍ إلا أن ما تكرر وبسط من أحكامهن لم يرِدْ في غير سورة النساء، وكذا سورة المائدة لم يرِدْ ذِكر المائدة في غيرها، فسميت بما يخصها.



فإن قيل: قد ورد في سورة هودٍ ذكر نوحٍ وصالحٍ وإبراهيم ولوطٍ وشعيبٍ وموسى عليهم السلام، فلِمَ تختص باسم هودٍ وحده؟ وما وجه تسميتها به وقصة نوحٍ فيها أطول وأوعب؟ قيل: تكررت هذه القصص في سورة الأعراف وسورة هودٍ والشعراء بأوعب مما وردت في غيرها، ولم يتكرر في واحدةٍ من هذه السور الثلاث اسم هودٍ عليه السلام كتكرُّره في هذه السورة؛ فإنه تكرر فيها عند ذكر قصته في أربعة مواضع، والتكرار من أقوى الأسباب.



وإن قيل: فقد تكرر اسم نوحٍ في هذه السورة في ستة مواضع فيها؛ وذلك أكثر من تكرار اسم هودٍ،قيل: لما جردت لذكر نوحٍ وقصته مع قومه سورةٌ برأسها، فلم يقع فيها غير ذلك، كانت أولى بأن تسمى باسمه عليه السلام من سورةٍ تضمنت قصته وقصة غيره وإن تكرر اسمه فيها، أما هودٍ فكانت أولى السور بأن تسمَّى باسمه عليه السلام.



واعلم أن تسمية سائر سور القرآن يجري فيها مِن رَعْيِ التسمية ما ذكرنا، وانظر سورة ق، لما تكرر فيها من ذكر الكلمات بلفظ القاف، ومن ذلك السور المفتتحة بالحروف المقطعة ووجه اختصاص كل واحدةٍ بما وليته، حتى لم تكن لترد (الم) في موضع (الر)، ولا (حم) في موضع (طس)، لا سيما إذا قلنا: إنها أعلامٌ لها وأسماءٌ عليها.



وكذا وقع في كل سورةٍ منها ما كثر ترداده فيما يتركب من كلمها، ويوضحه أنك إذا ناظرت سورةً منها بما يماثلها في عدد كلماتها وحروفها وجدتَ الحروف المفتتح بها تلك السورة إفرادًا وتركيبًا أكثر عددًا في كلماتها منها في نظيرتها ومماثلتها في عدد كلمها وحروفها، فإن لم تجد بسورةٍ منها ما يماثلها في عدد كلمها، ففي اطِّراد ذلك في المماثلات مما يوجد له النظير ما يُشعر بأن هذه لو وجد ما يماثلها لجرى على ما ذكرت لك، وقد اطرد هذا في أكثرها، فحق لكل سورةٍ منها ألا يناسبها غير الوارد فيها، فلو وضع موضع (ق) من سورة (ن) لم يمكن؛ لعدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله تعالى، وقد تكرر في سورة يونس من الكلم الواقع فيها (الر) مائتا كلمةٍ وعشرون أو نحوها؛ فلهذا افتتحت بـ (الر)، وأقرب السور إليها مما يماثلها بعدها من غير المفتتحة بالحروف المقطعة سورة النحل، وهي أطول منها مما يركب على (الر) من كلمها مائتا كلمةٍ مع زيادتها في الطول عليها؛ فلذلك وردت الحروف المقطعة في أولها (الر)؛ (البرهان في علوم القرآن للزركشي جـ 1 صـ 272: 270).



ختامًا:

أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله ذُخرًا لي عنده يوم القيامة: ï´؟ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ï´¾ [الشعراء: 88، 89]، كما أسأله سبحانه أن ينفع به طلاب العلم،وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله رب العالمين.



وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.83 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]