
07-08-2020, 04:51 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,654
الدولة :
|
|
رد: تفسير القرآن الكريم **** للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )

تفسير القرآن الكريم
- للشيخ : ( أبوبكر الجزائري )
تفسير سورة البقرة - (27)
الحلقة (34)

تفسير سورة البقرة (123)
إن من آمن بالله عز وجل واتقاه، وجاء إلى ما أمره به سبحانه فأتاه مخلصاً لله فيه، وجاء لما نهى عنه سبحانه فاجتنبه وتوقاه ابتغاء وجهه سبحانه، فإنه مستحق لمحبة الله تعالى، جدير بولايته سبحانه، ومن تولاه الله أيده ونصره وأدخله جنته، وأما من كفر بالله وأعرض عن داعيه، وارتكب المعاصي والمنكرات، فإنه مستحق لولاية الطواغيت؛ إبليس وأعوانه وأتباعه، جدير به ان يحشر معهم، ويتشارك معهم منازلهم في النار.
تابع تفسير قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ...)
الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.ثم أما بعد:أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده )، اللهم حقق لنا هذا المطلوب يا رب العالمين.والآية التي أجملنا القول فيها ولم نفصله هي قول الله عز وجل: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257].
ولاية الله تعالى للمؤمنين
معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257] من وليكم يا عباد الله؟ الله هو الذي يتولى أمركم، هو الذي يسددكم، هو الذي يخرجكم من ظلمات الجهل وظلمات الفسق والشرك والكفر إلى أنوار الإيمان والعمل الصالح. اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:257] بخلاف غيرهم فوليهم الشيطان، وهكذا تقرر ما علمناه من قبل أن البشرية إما أن يوالوا الله ربهم ويواليهم مولاهم، وإما أن يوالوا الشيطان ويواليهم الشيطان عدوهم، ما هناك وسط.
الإيمان والتقوى طريق تحقيق الولاية
وولاية الله عز وجل تتحقق بأمرين، من أراد أن يكون ولياً لله فليحقق أمرين اثنين، فإذا حققهما ثبتت له ولاية الله، وهذان الأمران هما: الإيمان والتقوى، فهل هناك من رغبة في معرفتهما؟ إي والله، ما منا أحد إلا ويريد أن يكون ولياً لله، فالأمران هما: الإيمان والتقوى، الإيمان بالله وبما أمر الله أن نؤمن به من الغيب والشهادة، والإيمان حقيقته: التصديق الجازم الخالي من الغيب والشك بأن الله هو رب العالمين وإله الأولين والآخرين، ونؤمن بلقائه وهو يوم القيامة أو اليوم الآخر، ونؤمن بما أمرنا أن نؤمن به من ملائكته وكتبه ورسله وقضائه وقدره؛ ولهذا أركان الإيمان التي ينبني عليها ستة جاءت في القرآن الكريم في البقرة وغيرها، إلا الركن السادس -وهو القضاء والقدر- فجاء في سورة القمر، إذ قال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49].وقد عرفنا القدر، فالقدر كتبه الله في كتاب يسمى كتاب المقادير، كتب فيه كل ما أراد أن يخلق ويوجد من ذرات الحياة والدار الآخرة وهو مكتوب، ويسمى باللوح المحفوظ، فوالله الذي لا إله غيره! لا يحدث حدث في السماوات ولا في الأرض إلا وقد سبق أن كتبه الله، ويستحيل أن يوجد حادث غير موجود في كتاب المقادير، هذا مظهر من مظاهر عظمة الله وقدرته، هذا الله رب العالمين، من آمن به وصدق في إيمانه اتقاه، ولا تستطيع أن تأتينا بإنسان أو جني عاقل ويؤمن بالله ولا يتقي عذابه ولا سخطه؛ فلهذا ما ذكر هنا التقوى مع الإيمان، لا يعقل أبداً أن شخصاً يؤمن بالله ويعرف أن مصيره إليه، وأن حياته بين يديه، وأنه مولاه وسيده، وأنه يحبه، ثم يتمرد عليه ويفسق عن أمره ويعصيه، كل من آمن بالله حق الإيمان وجد نفسه مضطراً إلى تقواه. وأضرب مثلاً للعامة: إذا تحققت يا عبد الله أن هذه القارورة أو هذا الكأس فيه سم قاتل، فهل ستقدم على شربه؟ ستتقيه، لو علمت أن لصاً يحمل سلاحاً يريدك وأيقنت، فهل ترضى بأن تواجهه، أو تمشي وراءه، أو تظهر له؟ الجواب: لا. فمن عرف الله عز وجل معرفة الحب والولاء فإنه يستحيل أن يخرج عن طاعته، ومن عرف قدرة الله وعظمته خاف منه ورهبه، ولا يستطيع أن يعصيه ويخرج عن طاعته؛ إذ التقوى لله عز وجل بها يتحقق الإيمان، فلا وجود لمؤمن غير تقي.والآية المبينة لهذه الحقيقة آية سورة يونس، وهي قول ربنا تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، من هم؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، ذكر صفتين هما الإيمان والتقوى، والكافر لن يكون لله ولياً، هذا وليه الشيطان، ولا يوجد مؤمن حق الإيمان يفجر أبداً. إذاً: وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، يتقون ماذا؟ غضب ربهم وسخطه، لا يرضون أن يغضب الجبار عليهم أو يسخط، يتقون عذابه ونكاله في الدنيا والآخرة، هؤلاء هم أولياء الله.

بشرى المتقين من أولياء الله تعالى
لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64] أيضاً، وفسر النبي صلى الله عليه وسلم البشرى في الحياة الدنيا: بأنها الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو ترى له، إما أن يراه هو بنفسها، أي: يريه الله عز وجل في منامه ما يبشر به من أنه من أولياء الله، أو يراها عبد صالح ويقصها عليه: لقد رأيتك يا فلان في كذا وكذا.وبين الآخرة والدنيا بشرى عظمى وهي عند سكرات الموت، المريض على سرير الموت كما يقولون وقد انقطعت صلته بالحياة فما أصبح يكلم عواده ولا جيرانه ولا أولاده، انقطع، ثم تنزل الملائكة تحمل البشرى، واقرءوا لذلك قول الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، هذا هو الإيمان والتقوى، فالذي قال: ربي الله آمن واستقام واتقى الله فما فجر ولا فسق عن أمره ونهيه، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30] بماذا؟ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30]. اللهم اجعلنا منهم. هذه عند سكرات الموت، وحسب تلك الروح الطاهرة أن يزفها الملكوت الأعلى وفد من الملائكة الأطهار وتفتح لها أبواب السماء وتصل إلى أن تخر تحت العرش ساجدة، ويسجل اسمها في ديوان عظيم هو عليون: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين:18]، ومن هم الأبرار؟ المؤمنون المتقون الصادقون في تقواهم لله أولئك الأبرار. ثم يعاد بها إلى القبر إلى حيث الجثة وإن تمزقت وتلاشت، وتستقر فيها الروح ويجري امتحان، وثم تبشر بدار السلام ويكشف لها عن مجلسها وعن مقامها في الجنة وتشاهده في القبر، ثم يرجع بها لتعيش في الملكوت الأعلى بقية هذه الحياة إلى أن تنتهي، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64].إذاً: الإيمان والتقوى، الإيمان عرفناه فصدقنا بوجود الله وألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته وجلاله وعظمته، حتى أوجد لنا هذا خوفاً في نفوسنا منه وحباً في قلوبنا له.
كيفية التقوى وبيان أن العلم وسيلة تحصيلها
وكيف نتقي؟ هنا تأملوا أيها السامعون وأيتها السامعات ولا تتألموا، اعلموا أنه لا يتأتى لإنسان أن يتقي الله قبل أن يعلم فيم يتقيه، لا يمكنك يا ابن الإسلام أن تتقي الله وأنت لا تعرف في أي شيء تتقيه؟ وبم تتقيه؟ نتقي الله عز وجل بفعل ما يحب وترك ما يكره، والذي لا يعرف محاب الله ولا مكارهه فقولوا لي: كيف يتقي الله؟ بماذا؟ فالذي لا يعرف محاب الله من الاعتقادات والأقوال والأعمال والصفات والذوات كيف يحبها وهو ما عرفها؟ والذي ما عرف مكاره الله ومساخطه تعالى من المعتقدات الفاسدة والأقوال الباطلة والأفعال السيئة الفاسدة والصفات الذميمة كيف يتقي الله؟والآن وقفنا عند العقبة الكئود، فماذا نصنع؟ أعلموا الشرق والغرب أنه والله! لا تتم تقوى إنسان ذكر أو أنثى وتتحقق إلا إذا عرف أولاً ما يحب ربه ليفعله ويقدمه له، وعرف ما يكره ربه حتى يتجنبه ويتركه؛ ولهذا فأين ولاية الله؟ لو كنا أولياء الله فهل سيسلط الله علينا اليهود ليهينونا ويذلونا، هل سيسلط علينا الكفار والمشركين فنهون ونذل؟ أين الولاية؟ هل الله يهين أولياءه؟ حاشاه، ما هو السبب إذاً؟ لقد جهلونا، فما علمونا ما هي محاب الله لنفعلها طلباً لحبه ومرضاته، وما هي مساخط الله من الاعتقادات والأقوال والأعمال والصفات والذوات حتى نتجنبها ونبتعد عنها فتتم لنا ولاية الله، فهل أنتم شاعرون بما أشعر به أم لا؟ لا يمكنك أن تكون ولي الله إلا إذا عرفت ما يحب وما يكره وفعلت المحبوب في قدرتك وطاقتك وابتعدت عن المكروه الذي يكرهه، والجاهل ما يعرف ما يحب الله حتى الكلمة، فكيف يتقرب إليه، ما يعرف ما يكره الله فينغمس فيه ويعمله وهو لا يدري، فما المخرج يا أبناء الإسلام؟العلم العلم، نعم والله! لهو العلم، وهذا المبين الكريم صلى الله عليه وسلم المبين للناس يقول: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم )، والله يخفف وييسر ويقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، فنحن لا نطلب العلم ولا نسأل العلماء، ومنا من يسخر من العلماء ويستهزئ بهم.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|