الأربعون القضائية (8)
أ. محمد خير رمضان يوسف
(36)
القصاص العادل
عن أنسٍ رضيَ الله عنه:
أنَّ يهوديًّا رَضَّ رأسَ جاريةٍ بين حجَرين، قيل: مَن فعلَ هذا بك، أفلانٌ، أفلانٌ؟ حتى سَمَّى اليهوديَّ، فأومَتْ برأسِها، فأُخِذَ اليهوديُّ فاعترَف، فأمرَ به النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فرُضَّ رأسُهُ بين حجَرين.
صحيح البخاري (2282) واللفظُ له، صحيح مسلم (1672).
من فوائدِ هذا الحديث:
• قتلُ الرجلِ بالمرأة، وهو إجماعُ مَن يعتدُّ به.
• الجاني عمدًا يُقتَلُ قصاصًا على الصفةِ التي قَتَل، فإن قَتلَ بسيفٍ قُتِلَ هو بالسيف، وإن قُتِلَ بحجرٍ أو خشبٍ أو نحوهما قُتِلَ بمثله؛ لأن اليهوديَّ رضخها فرُضِخَ هو.
• ثبوتُ القصاصِ في القتلِ بالمثقلات، ولا يختصُّ بالمحدَّدات وهذا مذهبُ جماهيرِ العلماء.
• وجوبُ القصاصِ على الذي يَقتلُ المسلم.
• جوازُ سؤالِ الجريح: مَن جرحك؟ وفائدةُ السؤالِ أن يُعرَفَ المتَّهَمُ ليُطالَب، فإن أقرَّ ثبتَ عليه القتل، وإن أنكرَ فالقولُ قولهُ مع يمينه، ولا يَلزمهُ شيءٌ بمجرَّدِ قولِ المجروح. هذا مذهبُ الجماهير[1].
(37)
حدُّ الزاني عند اليهود
عن البراءِ بنِ عازب قال:
مُرَّ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بيهوديٍّ مُحمَّمًا مجلودًا، فدعاهُم صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقال:
"هكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابكم"؟
قالوا: نعم.
فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: "أَنشُدُكَ باللهِ الذي أَنزلَ التوراةَ على موسَى، أهكذا تجدون حدَّ الزاني في كتابِكم"؟
قال: لا. ولولا أنكَ نَشدْتَني بهذا لم أُخْبِرْكَ. نجدُهُ الرجمَ، ولكنَّهُ كثُرَ في أشرافِنا، فكنّا إذا أخذنا الشريفِ تركناه، وإذا أخذنا الضعيفَ أقَمنا عليهِ الحدّ. قلنا: تعالَوا فلنجتَمعْ على شيءٍ نُقيمُهُ على الشريفِ والوضيعِ. فجعلنا التحميمَ والجلْدَ مكانَ الرجم.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "اللهمَّ إني أولُ مَن أحيا أمركَ إذا أماتوه".
فأمرَ بهِ فرُجِم.
فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ﴾ [المائدة: 41] إلى قولِه: ﴿ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ﴾ [سورةُ المائدة: 41]، يقول: ائتوا محمَّدًا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فإنْ أمركم بالتحميمِ والجَلدِ فخُذوه، وإنْ أفتاكم بالرجمِ فاحذَروا.
فأنزلَ اللهُ تعالَى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [سورةُ المائدة: 44]، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [سورةُ المائدة: 45]، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [سورةُ المائدة: 47]. في الكفارِ كلُّها.
صحيح مسلم (1700).
محمَّمًا: مسوَّدَ الوجهِ بالحُمَم، وهو الفحم[2].
(38)
عقوبة الزنا
عن أبي هريرة رضيَ الله عنه:
أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قضَى فيمن زنَى ولم يُحصَن، بنفيِ عامٍ، وبإقامةِ الحدِّ عليه.
صحيح البخاري (6444).
إقامةُ الحدِّ يعني جَلدَ المئة.
وقد تمسَّكَ بهذه الروايةِ من زعمَ أن النفيَ تعزير، وأنه ليس جزءًا من الحدّ، وفُسِّرتِ الباءُ في "بإقامةِ الحدّ" بمعنَى "مع" (وأُجيبَ عنه).
وفي الحديثِ جوازُ الجمعِ بين الحدِّ والتعزير، خلافًا للحنفية، إن أُخِذَ بظاهرِ قوله "مع إقامة"، وجوازُ الجمعِ بين الجلدِ والنفي في حقِّ الزاني الذي لم يُحصَن، خلافًا لهم أيضًا، إن قلنا إن الجميعَ حدّ[3].
(39)
واقعة زنا
عن أبي هريرة وزيد بنِ خالد الجهني رضيَ الله عنهما أنهما قالا:
إن رجلًا مِن الأعرابِ أتَى رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ فقال: يا رسولَ الله، أَنشدُكَ اللهَ إلا قضيتَ لي بكتابِ الله.
فقال الخصمُ الآخر، وهو أفقهُ منه: نعم، فاقضِ بيننا بكتابِ الله، وائذنْ لي.
فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: "قل".
قال: إن ابني كان عَسِيفًا على هذا، فزنَى بامرأتِه، وإني أُخبِرْتُ أن على ابني الرجمَ، فافتديتُ منه بمائةِ شاةٍ ووليدة، فسألتُ أهلَ العلم، فأخبروني أنما على ابني جَلْدُ مائةٍ وتغريبُ عام، وأن على امرأةِ هذا الرجم.
فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: "والذي نفسي بيدِه لأقضِيَنَّ بينكما بكتابِ الله، الوليدةُ والغَنمُ ردٌّ، وعلى ابنِكَ جَلْدُ مائةٍ وتغريبُ عام. اغدُ يا أُنَيسُ إلى امرأةِ هذا، فإن اعترفَتْ فارجُمْها".
قال: فغدا عليها، فاعترَفَتْ، فأمرَ بها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فرُجِمَت.
صحيح البخاري (2575) واللفظُ له، صحيح مسلم (1697).
العَسيف: الأجير.
الوليدة: الأمَة.
وأُنيس اختُلِفَ فيه، ذكره ابنُ حجر في الإصابة[4].
(40)
الربط والحبس عقوبة قضائية
عن أبي هريرة رضيَ الله عنه قال:
بعثَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خيلًا قِبلَ نجد، فجاءتْ برجلٍ مِن بني حنيفةَ يُقالُ له ثُمامةُ بنُ أَثَال، فربطوهُ بساريةٍ مِن سواري المسجد.
صحيح البخاري (2291) واللفظُ له، صحيح مسلم (1764).
فيه من الفوائد: ربطُ الكافرِ في المسجد.
والحديثُ يأتي في رواياتٍ وطرقٍ أخرى أطولَ مما هنا، ويُستفادُ منها فوائدُ أخرى، ذكرها الحافظُ ابنُ حجر.
وقد أسلمَ ثمامةُ المذكور[5].
المراجع[6]
♦ الإصابة في تمييز الصحابة/ ابن حجر العسقلاني؛ تحقيق علي محمد البجاوي.-بيروت: دار الجيل، 1412هـ[ التراث].
♦ تحفة الأحوذي/ المباركفوري.- بيروت: دار الكتب العلمية [التراث].
♦ تهذيب الكمال في أسماء الرجال/ جمال الدين المزي؛ تحقيق بشار عواد معروف.- ط5.- بيروت: مؤسسة الرسالة، 1413 هـ.
♦ حاشية السندي على سنن النسائي/ بعناية عبدالفتاح أبو غدة.- ط2.- حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، 1406 هـ [التراث].
♦ الديباج على مسلم/ جلال الدين السيوطي [التراث].
♦ شرح النووي على صحيح مسلم.- ط2.- بيروت: دار إحياء التراث، 1392 هـ [التراث].
♦ صحيح البخاري/ تحقيق مصطفى ديب البغا.- ط3.- بيروت؛ دمشق: دار ابن كثير: دار اليمامة، 1407 هـ [التراث].
♦ صحيح مسلم.- بيروت: دار ابن حزم، 1416هـ.
♦ عون المعبود شرح سنن أبي داود/ محمد شمس الحق العظيم آبادي.- ط2.- بيروت: دار الكتب العلمية، 1415 هـ [التراث].
♦ فتح الباري: شرح صحيح البخاري/ ابن حجر العسقلاني.- بيروت: دار المعرفة، 1379هـ [التراث].
♦ النهاية في غريب الحديث والأثر/ ابن الأثير؛ تحقيق طاهر أحمد الزاوي، محمود الطناحي.- بيروت: دار الفكر، 1399هـ [التراث].
[1] باختصار من شرح النووي على صحيح مسلم 11 /158.
[2] ينظر النهاية في غريب الحديث 1 /444.
[3] باختصار من فتح الباري 12 /158.
[4] الإصابة في تمييز الصحابة 1 /138.
[5] ينظر فتح الباري 8 /88.
[6] المراجع التي وضع في آخرها لفظ [التراث] هكذا بين معقوفتين، هي للأقراص المدمجة التي أصدرها مركز التراث للبرمجيات في الأردن.