الأربعون القضائية (6)
أ. محمد خير رمضان يوسف
(26)
توزيع تركة
عن هُزَيلَ بنِ شُرحبيلَ قال:
سُئلَ أبو موسَى عن ابنةٍ وابنةِ ابنٍ وأختٍ، فقال: للابنةِ النصفُ، وللأختِ النصف، وائتِ ابنَ مسعودٍ فسيُتابعُني.
فسُئلَ ابنُ مسعود، وأُخبِرَ بقولِ أبي موسى، فقال: لقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا مِن المهتَدين، أَقضي فيها بما قضَى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: للابنةِ النصفُ، ولابنةِ الابنِ السدُسُ تكملةَ الثلثَين، وما بقيَ فللأخت.
فأتينا أبا موسى، فأخبرناهُ بقولِ ابنِ مسعود، فقال: لا تسألوني ما دامَ هذا الحَبْرُ فيكم.
صحيح البخاري (6355).
قولُ ابنِ مسعودٍ رضيَ الله عنه "قد ضللت" أي: إذا وافقتُ على هذا الجواب.
(27)
الخالة بمنزلة الأم
في عُمرةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، حين منعهُ المشركون من دخولِ مكة، واتفقوا على أن يُقيمَ بها ثلاثةَ أيام، روَى البراءُ بنُ عازب:
أنه عليه الصلاةُ والسلامُ خرج، فتبعتهم ابنةُ حمزة: يا عمّ، يا عمّ، فتناولها عليّ، فأخذَ بيدها، وقال لفاطمةَ عليها السلام: دونَكِ ابنةَ عمِّكِ احمليها.
فاختصمَ فيها عليٌّ وزيدٌ وجعفر، فقالَ عليّ: أنا أحقُّ بها، وهي ابنةُ عمِّي، وقالَ جعفر: ابنةُ عمِّي وخالتُها تحتي، وقالَ زيد: ابنةُ أخي.
فقضَى بها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لخالتها، وقال: "الخالةُ بمنزلةِ الأم".
وقالَ لعليّ: "أنتَ منِّي وأنا منك".
وقالَ لجعفر: "أُشبِهْتَ خَلقي وخُلقي".
وقالَ لزيد: "أنتَ أخونا ومولانا".
صحيح البخاري (2552) وفيه الحديثُ كاملاً.
اختلفَ على اسمِ ابنةِ حمزةَ رضيَ الله عنه، والمشهورُ "عمارة".
ووردَ في حديثٍ بسندٍ ضعيف، أن النبيَّ صلَّى الله عليه و سلَّم كان آخَى بين حمزةَ وزيد بنِ حارثة، وأن عمارةَ بنتَ حمزةَ كانت مع أمِّها بمكة، بين ظهرانَي المشركين.
تنادي يا عم: كأنها خاطبتِ النبيَّ صلَّى الله عليه و سلَّمَ بذلك، إجلالًا له، وإلّا فهو ابنُ عمِّها، أو بالنسبةِ إلى كونِ حمزةَ وإنْ كان عمَّهُ من النسب، فهو أخوهُ من الرضاعة.
"الخالةُ بمنزلةِ الأمّ": أي في هذا الحكمِ الخاص؛ لأنها تَقربُ منها في الحنوِّ والشفقة، والاهتداءِ إلى ما يصلحُ الولد، لما دلَّ عليه السياق.
وما قالهُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ لعليّ وجعفر وزيد رضيَ الله عنهم، مناقبُ لهم[1].
(28)
خصومة في نسب
عن عائشة رضيَ الله عنها:
أنَّ عبدَ بنَ زَمْعةَ وسعدَ بنَ أبي وقّاصٍ اختصما إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في ابنِ أمَةِ زمعة، فقال سعد: يا رسولَ الله، أوصاني أخي إذا قدمتُ أن أنظرَ ابنَ أمَةِ زمعةَ فأقبِضَه، فإنه ابني.
وقال عبدُ بنُ زَمْعة: أخي وابنُ أمَةِ أبي، وُلِدَ على فِراشِ أبي.
فرأى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شَبَهًا بيِّنًا بعُتبةَ، فقال: "هو لكَ يا عبدُ بنَ زَمْعةَ، الولدُ للفِراش، واحتَجبي منه يا سَودة".
صحيح البخاري (2289) واللفظُ له، صحيح مسلم (1457).
"الولدُ للفِراش" معناهُ أنه إذا كان للرجلِ زوجةٌ أو مملوكةٌ صارت فِراشًا له، فأتت بولدٍ لمدَّةِ الإمكانِ منه، لحقهُ الولد، وصارَ ولدًا يجري بينهما التوارثُ وغيرهُ من أحكامِ الولادة، سواءٌ كان موافقًا له في الشبهِ أم مخالفًا. ومدَّةُ إمكانِ كونهِ منه ستةُ أشهرٍ من حين اجتماعهما، أمّا ما تصيرُ به المرأةُ فِراشًا، فإنْ كانت زوجةً صارت فِراشًا بمجردِ عقدِ النكاح، ونقلوا في هذا الإجماع، وشرطوا إمكانَ الوطءِ بعد ثبوتِ الفراش...
وقولهُ صلَّى الله عليه وسلَّم "واحتجبى منه يا سَودة" فأمرها به ندبًا واحتياطًا؛ لأنه في ظاهرِ الشرعِ أخوها، لأنه أُلحِقَ بأبيها، لكنْ لما رأى الشبهَ البيِّنَ بعتبةَ بنِ أبي وقاص، خشيَ أن يكونَ من مائه، فيكونُ أجنبيًّا منها، فأمرها بالاحتجابِ منه احتياطًا...
وسودةُ بنتُ زمعةَ رضيَ الله عنها زوجُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم[2].
(29)
التصدق على الابن
عن معن بن يزيدَ رضيَ الله عنه قال:
بايعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنا وأبي وجَدِّي، وخطبَ عليَّ فأنْكَحَني، وخاصمتُ إليه: كان أبي يزيدُ أَخرجَ دنانيرَ يتصدَّقُ بها، فوضعها عند رجلٍ في المسجد، فجئتُ فأخذتُها، فأتيتهُ بها، فقال: واللهِ ما إيَّاكَ أردت، فخاصمتُهُ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فقال:
"لكَ ما نَويتَ يا يزيد، ولكَ ما أخذتَ يا مَعْن".
صحيح البخاري (1356).
"خطبَ عليَّ فأنْكَحَني": أي طلبَ لي النكاح فأُجيب. والفاعلُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
"أَخرجَ دنانيرَ يتصدَّقُ بها...": أعطَى يزيدُ (والدُ معن) صدقتَهُ لشخصٍ ليتصدَّقَ بها عنه، فأخذها معنٌ منه ليتصدَّقَ هو بها، بإذنهِ لا بطريقِ الاعتداء، فجاءَ بها ووضعها بين يدَي والدهِ يزيد.
قال والده: ما إيَّاكَ أردتُ، يعني لو أردتُ أنكَ تأخذها لناولتها لك، ولم أوكِّلْ فيها. أو كأنه كان يرَى أن الصدقةَ على الولدِ لا تُجزئ[3]، أو يرَى أن الصدقةَ على الأجنبيِّ أفضل.
خاصمته: تفسيرٌ لقولهِ أولًا "خاصمت" (يعني قاضيتُ).
قوله: "لكَ ما نويت": أي أنكَ نويتَ أن تتصدَّقَ بها على من يحتاجُ إليها، وابنُكَ يحتاجُ إليها، فوقعتِ الموقع، وإن كان لم يخطرْ ببالِكَ أنه يأخذها.
قوله: "ولكَ ما أخذتَ يا معن": أي لأنكَ أخذتها محتاجًا إليها..[4].
(30)
البخل والنفقة
عن عائشةَ رضيَ الله عنها قالت:
دخلتْ هندٌ بنتُ عتبةَ امرأةُ أبي سفيان، على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فقالت: يا رسولَ الله، إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شَحيح، لا يُعطيني من النفقةِ ما يَكفيني ويَكفي بنيَّ، إلا ما أخذتُ من مالهِ بغيرِ علمه، فهل عليَّ في ذلكَ مِن جُناح؟
فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "خُذي مِن مالهِ بالمعروفِ ما يكفيكِ ويكفي بَنِيك".
صحيح البخاري (5049)، صحيح مسلم (1714) واللفظُ له.
في هذا الحديثِ فوائد، منها:
• وجوبُ نفقةِ الزوجة.
• وجوبُ نفقةِ الأولادِ الفقراءِ الصغار.
• النفقةُ مقدَّرةٌ بالكفايةِ لا بالأمداد.
• جوازُ سماعِ كلامِ الأجنبيةِ عند الإفتاءِ والحكم، وكذا ما في معناه.
• جوازُ ذكرِ الإنسانِ بما يكرههُ إذا كان للاستفتاءِ والشكوَى ونحوهما.
• من له على غيرهِ حقٌّ وهو عاجزٌ عن استيفائه، يجوزُ له أن يأخذَ من مالهِ قدرَ حقِّهِ بغيرِ إذنه.
• جوازُ إطلاقِ الفتوى، ويكونُ المرادُ تعليقَها بثبوتِ ما يقولهُ المستفتي، ولا يحتاجُ المفتي أن يقول: إنْ ثبتَ كان الحكمُ كذا وكذا، بل يجوزُ له الإطلاق، كما أطلقَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنْ قالَ ذلكَ فلا بأس.
• للمرأةِ مدخلٌ في كفالةِ أولادها والإنفاقِ عليهم من مالِ أبيهم.
• اعتمادُ العُرف في الأمورِ التي ليس فيها تحديدٌ شرعيّ.
• جوازُ خروجِ المزوَّجةِ من بيتها لحاجتها إذا أذنَ لها زوجها في ذلك، أو علمتْ رضاهُ به.
• واستدلَّ به جماعاتٌ من أصحابنا (الشافعية) وغيرهم، على جوازِ القضاءِ على الغائب. وفي المسألةِ خلافٌ للعلماء...[5].
[1] مقتطفات من شرح طويل للحديث في فتح الباري 7/ 505 فما بعد.
[2] باختصار شديد من شرح النووي على صحيح مسلم 10/ 39.
[3] يعني وهو محتاجٌ للصدقة.
[4] باختصار من فتح الباري 3/ 292.
[5] باختصار من شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 7.