الأربعون القضائية (5)
أ. محمد خير رمضان يوسف
(21)
في السقي
عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما:
أنَّ رجلًا من الأنصارِ خاصمَ الزبيرَ عند النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في شِرَاجِ الحَرَّة، التي يَسقونَ بها النخلَ، فقال الأنصاريُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمرّ. فأَبَى عليه.
فاختصما عند النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للزبير: "اسقِ يا زبير، ثم أرسلِ الماءَ إلى جارِك".
فغضبَ الأنصاريُّ فقال: أنْ كان ابنَ عمَّتك؟
فتلوَّنَ وجهُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، ثم قال: "اسقِ يا زبير، ثم احبسِ الماءَ حتى يرجعَ إلى الجَدْر".
فقال الزبير: واللهِ إني لأحسِبُ هذه الآيةَ نزلتْ في ذلك: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ [سورة النساء:65].
صحيح البخاري (2231) واللفظُ له، صحيح مسلم (2357).
شِراج: جمعُ شَرْجة، وهي مسايلُ الماء.
الحرَّة: الأرضُ ذاتُ الحجارةِ السود. (وهو موضعٌ معروفٌ بالمدينة).
فتلوَّن: أي تغيَّر، وظهرَ فيه آثارُ الغضب.
الجُدر: جمعُ جدار. قيل: المرادُ به ما رُفِعَ حولَ المزرعةِ كالجدار، وقيل: أصولُ الشجر.
أمرَهُ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أولًا بالمسامحةِ والإيثار، بأن يَسقي شيئًا يسيرًا ثم يُرسلَهُ إلى جاره، فلمّا قالَ الأنصاريُّ ما قال، وجهلَ موضعَ حقِّه، أمرَهُ بأن يأخذَ تمامَ حقِّهِ ويستوفيه، فإنه أصلَحُ له، وفي الزجرِ أبلغ[1].
(22)
بيع الثمار
عن زيد بن ثابت رضيَ الله عنه قال:
كان الناسُ في عهدِ رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ يتبايعون الثمارَ، فإذا جذَّ الناسُ وحضرَ تَقاضيهم، قال الْمُبتاع: إنه أصابَ الثمرَ الدَّمَانُ، أصابَهُ مِراضٌ، أصابَه قُشَام، عاهاتٌ يحتجُّون بها.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ لما كثرتْ عندهُ الخصومةُ في ذلك: "فإمّا لا، فلا تتبايعوا حتى يبدوَ صلاحُ الثمر". كالمشُورةِ يشيرُ بها؛ لكثرةِ خصومتِهم.
صحيح البخاري (2081).
جذَّ الناس: قَطعوا ثمرَ النخل.
المبتاع: المشتري.
الدَّمَان: فسادُ الطلعِ وتعفُّنهُ وسواده.
المراض - بالضمِّ أو الكسر -: اسمٌ لجميعِ الأمراض. وهو داءٌ يقعُ في الثمرةِ فتَهلك.
القُشَام: شيءٌ يُصيبُ الثمرَ حتى لا يرطب.
العاهة: العيب.
فإمّا لا" أي: إنْ لا تَفعلْ كذا فافعلْ كذا[2].
(23)
حالة ميراث
عن أبي هريرةَ قال:
قضَى رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّمَ في جنينِ امرأةٍ من بني لَحيانَ سقطَ ميِّتًا بغُرَّة: عبدٍ أو أمَةٍ. ثم إن المرأةَ التي قضَى لها بالغُرَّةِ تُوفِّيت، فقضَى رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم بأنَّ ميراثَها لبنيها وزوجِها، وأن العَقْلَ على عصَبَتِها.
صحيح البخاري (6359) وفي طبعة إستانبول: "التي قضَى عليها بالغرة"، وكذا هو في صحيح مسلم (1681). وقد أشارَ إلى هذا النووي في شرحهِ على مسلم.
قضَى.: يعني قضَى في الجنينِ يُقتَلُ في بطنِ أمِّه.
وتكونُ ديةُ الجنينِ عُشرَ دِيَةِ الأمّ، أو نصفَ عُشرِ دِيَةِ الأب. ذكرًا كان الجنينُ أو أنثَى.
قالَ الإمامُ النووي: واعلمْ أن المرادَ بهذا كلِّهِ إذا انفصلَ الجنينُ ميتًا، أما إذا انفصلَ حيًّا ثم مات، فيجبُ فيه كمالُ ديَةِ الكبير، فإن كان ذكرًا وجبَ مائةُ بعير، وإن كان أنثَى فخمسون.
عصبتها: المرادُ عصبةُ القاتلة. فالمرأةُ التي ماتتْ هي المجنَى عليها، أمُّ الجنين[3].
والعَقل: الدِّيَة.
(24)
دية الجنين
عن أبي هريرة:
أن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قضَى في امرأتين من هُذيلٍ اقتَتلتا، فرمتْ إحداهما الأخرى بحجر، فأصابَ بطنها وهي حامل، فقتَلتْ ولدَها الذي في بطنها، فاختصموا إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فقضَى أنَّ دِيَةَ ما في بطنها غُرَّة: عبدٌ أو أمَة.
فقالَ وليُّ المرأةِ التي غَرِمَت: كيف أَغرَمُ يا رسولَ اللهِ من لا شَرِبَ ولا أكل، ولا نَطقَ ولا استَهلّ، فمِثلُ ذلكَ بَطَل.
فقالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: "إنما هذا من إخوانِ الكُهَّان".
صحيح البخاري (5426) واللفظُ له، صحيح مسلم (1681).
هذا من رواياتِ وطرقِ الحديثِ السابق.
(25)
إسقاط الجنين بجناية
عن المسوَّر بن مَخرمة قال:
استشارَ عمرُ بنُ الخطّابِ الناسَ في مِلَاصِ المرأة، فقال المغيرةُ بنُ شُعبة:
شهدتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قضَى فيه بغُرَّة: عبدٍ أو أمَةٍ.
قال: فقال عمر: ائتِني بمن يشهدُ معك.
قال: فشهدَ له محمدُ بنُ مَسلمة.
صحيح مسلم (1683).
إملاصُ المرأة، أو مِلاصُها، هي التي تُضرَبُ بطنُها فتُلقي جنينَها[4].
[1] حاشية السندي على النسائي 8 /239. وتفصيله عند النووي 15 /108.
[2] غريب الحديث من فتح الباري مختصر من 4 /395.
[3] ينظر شرح النووي على صحيح مسلم 11 /176.
[4] فتح الباري 12 /250. وهكذا ورد تأنيث الفعل (تضرب). والبطن يذكر ويؤنث.