الأربعون العلمية (3 / 4)
أ. محمد خير رمضان يوسف
(21)
إبراهيم ابن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم
عن عمرو بنِ سعيد، عن أنس بن مالكٍ قال:
ما رأيتُ أحدًا كان أرحمَ بالعيالِ من رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
قال: كان إبراهيمُ مُستَرْضِعًا له في عوالي المدينة، فكان ينطلقُ ونحن معه، فيدخلُ البيتَ وإنهُ لَيُدَّخَن، وكان ظِئرهُ قَيْنًا، فيأخذُهُ فيُقبِّلُه، ثم يرجع.
قال عمرو: فلمّا تُوفِّيَ إبراهيمُ قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "إنَّ إبراهيمَ ابني، وإنهُ ماتَ في الثَّدي، وإنَّ له لَظِئرَينِ تُكمِّلانِ رَضَاعَهُ في الجنَّة".
صحيح مسلم (2316).
العوالي: القُرى التي عند المدينة.
والقَين: الحدَّاد. ويُطلَقُ على كلِّ صانع.
"ماتَ في الثدي": معناهُ ماتَ وهو في سنِّ رضاعِ الثدي.
الظئر: المرضعةُ ولدَ غيرها، وزوجُها ظئرٌ لذلك الرضيع. فلفظةُ الظئرِ تقعُ على الأنثَى والذكر.
"تكمِّلان رَضاعه": تتمَّانهِ سنتين، فإنه توفيَ وله ستَّةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عشرَ شهرًا. فترضعانهِ بقيَّةَ السنتين، فإنه تمامُ الرضاعةِ بنصِّ القرآن. كرامةً له ولأبيه صلَّى الله عليه وسلَّم[1].
(22)
عائشة رضيَ الله عنها
عن عمرو بن العاص، أن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ بعثَهُ على جيشِ ذاتِ السلاسل، فأتيتهُ فقلت:
أيُّ الناسِ أحبُّ إليك؟
قال: "عائشة".
قلت: مِن الرجال؟
قال: "أبوها".
قلت: ثم مَن؟
قال" "عُمر". فعدَّ رجالًا.
متفقٌ عليه: صحيح البخاري (3462)، صحيح مسلم (2384).
قالَ الحافظُ ابنُ حجر رحمَهُ الله تعالَى: فيه مزيَّةُ أبي بكر على الرجال، وبنتهِ عائشةَ على النساء... ومنقبةٌ لعمرو بنِ العاص؛ لتأميرهِ على جيشٍ فيهم أبو بكرٍ وعمر، وإن كان ذلك لا يقتضي أفضليتَهُ عليهم، لكنْ يقتضي أن له فضلًا في الجملة[2].
(23)
سعد بن أبي وقّاص
عن عليٍّ رضيَ الله عنه قال:
ما سمعتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ جمعَ أبويهِ لأَحَدٍ إلا لسعدِ بنِ مالك، فإني سمعتهُ يقولُ يومَ أُحُد: "يا سعدُ ارمِ، فداكَ أبي وأُمِّي".
صحيح البخاري (3833) واللفظُ له، صحيح مسلم (2411).
و"أبو وقاص" كنيةُ والدِ سعد (مالك). أسلمَ قديمًا، وشهدَ بدرًا والمشاهدَ كلَّها مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وكان يقالُ له فارسَ الإسلام، وهو أولُ من رمَى بسهمٍ في سبيلِ الله. وكان مجابَ الدعوة، مشهورًا بذلك. وهو رضيَ الله عنه أحدُ العشرةِ المبشَّرين بالجنَّة[3].
(24)
الزبير بن العوّام رضي الله عنه
عن جابر بنِ عبدالله قال:
نَدَبَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الناسَ يومَ الخندق، فانتَدَبَ الزبيرُ، ثم نَدبَهم، فانتدبَ الزبيرُ، ثم نَدبَهم، فانتدبَ الزبيرُ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:
"لكلِّ نبيٍّ حواريٌّ، وحَواريَّ الزبيرُ".
رواهُ الشيخان، صحيح البخاري (2692، 6833)، صحيح مسلم (2415) واللفظُ للأخير.
ندبَ الناس: أي دعاهم للجهادِ وحرَّضهم عليه.. فأجابَهُ الزبير.
والحواريّ: الناصر، وقيل: الخاصَّة[4].
والزبيرُ رضيَ الله عنه ابنُ عمَّةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وحواريُّه، وأحدُ العشرةِ المبشَّرين بالجنة، وأحدُ الستَّةِ أهلِ الشورى. أسلمَ وهو فتى. وكان شجاعًا مقدامًا. قُتلَ يومَ الجملِ سنةَ 36 هـ[5].
(25)
أبو عبيدة بن الجرّاح
قال أنس: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
"إنَّ لكلِّ أمَّةٍ أمينًا، وإنَّ أمينَنا - أيَّتها الأمَّةُ - أبو عبيدةَ بنُ الجرّاح"
متفق عليه: صحيح البخاري (3534)، صحيح مسلم (2419) ولفظهما سواء.
الأمينُ هو الثقةُ المرضيّ.
قال العلماء: والأمانةُ مشتركةٌ بينهُ وبين غيرهِ من الصحابة، لكنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ خصَّ بعضَهم بصفاتٍ غلبتْ عليهم[6].
واسمُ أبي عبيدةَ عامر، ابنُ عبدالله. من الصحابةِ القادةِ الدهاةِ الفاتحين، وأحدُ العشرةِ المبشَّرين بالجنة. توفيَ بطاعونِ عمواسَ سنةَ 18 هـ. رضيَ الله عنه[7].
(26)
أبو ذرّ رضي الله عنه
عن أبي ذرٍّ، أن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال:
"يا أبا ذرّ، إنِّي أراكَ ضعيفًا، وإنِّي أحبُّ لكَ ما أُحبُّ لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنينِ، ولا تَوَلَّينَّ مالَ يتيم".
صحيح مسلم (1826).
قالَ الإمامُ النوويُّ رحمَهُ الله تعالَى في هذا الحديثِ أو آخرَ مثله: هذا الحديثُ أصلٌ عظيمٌ في اجتنابِ الوَلايات، لا سيَّما لمن كان فيه ضعفٌ عن القيامِ بوظائفِ تلك الأمانة[8].
واسمُ أبي ذرٍّ جُندبُ بنُ جُنادةَ على الصحيح. من بني غِفَار. من الصحابةِ المشهورين. من أوائلِ من أسلم. توفي سنةَ 32 ه. رضيَ الله عنه[9].
(27)
أبو هريرة رضي الله عنه
عن أبي هريرةَ قال:
قالَ لي رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا يَزالُ يسألونَكَ يا أبا هُرَيرةَ حتَّى يقولوا: هذا اللَّهُ، فمَن خلقَ اللَّه"؟
قالَ: فبينا أَنا في المسجد، إذ جاءَني ناسٌ منَ الأَعراب فقالوا: يا أبا هريرة، هذا اللَّهُ، فمَن خلقَ اللَّه؟
قالَ: فأخذَ حَصًى بكَفِّهِ فرماهم، ثمَّ قالَ: قوموا قوموا، صدَقَ خليلي.
صحيح مسلم (135).
وروَى رضيَ الله عنه في الحديثِ الذي قبلَهُ قولَهُ صلَّى الله عليه وسلَّم:
"لا يزالُ الناسُ يتساءلون حتى يُقال: هذا خلَقَ اللهُ الخَلقَ، فمن خلقَ الله؟ فمن وجدَ من ذلكَ شيئًا فليقل: آمنتُ بالله".
كما روَى عنه عليه الصلاةُ والسلام: "يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول: مَن خلقَ كذا وكذا؟ حتى يقولَ له: مَن خلقَ ربَّك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذْ بالله ولْيَنتَه".
صحيح مسلم (134).
قولهُ صلَّى الله عليه وسلَّم: "فليستعذْ بالله ولينته" معناه: إذا عرضَ له هذا الوسواسُ فليلجأ إلى الله تعالَى في دفعِ شرِّهِ عنه، وليُعرِضْ عن الفكرِ في ذلك، وليعلمْ أن هذا الخاطرَ من وسوسةِ الشيطان، وهو إنما يسعَى بالفسادِ والإغواء، فليُعرضْ عن الإصغاءِ إلى وسوسته، وليبادرْ إلى قطعها بالاشتغالِ بغيرها.
ووردَ في حديثٍ آخرَ أن ناسًا من أصحابِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ سألوه: إنّا نجدُ في أنفسِنا ما يتعاظَمُ أحدُنا أن يتكلَّمَ به؟ فقال عليه الصلاةُ والسلام: "وقد وجدتموه"؟ قالوا: نعم. قال: "ذاكَ صريحُ الإيمان" (صحيح مسلم 132).
قال الإمامُ النووي: معناه: استعظامُكم الكلامَ به هو صريحُ الإيمان، فإن استعظامَ هذا وشدَّةَ الخوفِ منه ومن النطقِ به، فضلًا عن اعتقاده، إنما يكونُ لمن استكملَ الإيمانَ استكمالًا محقَّقًا، وانتفَتْ عنه الريبةُ والشكوك.
كما أوردَ قولَ المازري: والذي يُقالُ في هذا المعنَى: أن الخواطرَ على قسمين:
فأمَّا التي ليستْ بمستقرَّة، ولا اجتلَبتها شبهةٌ طرأت، فهي التي تُدفَعُ بالإعراضِ عنها. وعلى هذا يُحمَلُ الحديث، وعلى مثلها ينطلقُ اسمُ الوسوسة، فكأنه لَمَّا كان أمرًا طارئًا بغيرِ أصل، دُفِعَ بغيرِ نظرٍ في دليل، إذ لا أصلَ له يُنظَرُ فيه.
وأما الخواطرُ المستقرَّةُ التي أوجبتها الشبهة، فإنها لا تُدفَعُ إلا بالاستدلالِ والنظرِ في إبطالها. والله أعلم.
وأشهرُ الأقوالِ أن أبا هريرةَ رضيَ الله عنه اسمهُ عبدالرحمن بن صخر، الدوسيّ، ودوسٌ قبيلةٌ من أزد. وهو أحدُ الحفّاظِ المعدودين في الصحابةِ رضيَ الله عنهم، روَى عنه (800) رجلٍ أو أكثر[10]!
(28)
معاذ بن جبل
عن أنس بنِ مالك، أن نبيَّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ومعاذُ بنُ جبلٍ رديفهُ على الرَّحْل، قال:
"يا معاذ".
قال: لبَّيكَ رسولَ اللَّهِ وسَعدَيك.
قال: "يا معاذ".
قال: لبَّيكَ رسولَ اللَّهِ وسَعدَيك.
قال: "يا معاذ".
قال: لبَّيكَ رسولَ اللَّهِ وسَعدَيك.
قال: "ما مِن عبدٍ يَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللَّه، وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، إلَّا حرَّمَهُ اللَّهُ على النَّار".
قال: يا رسولَ اللَّه، أفلا أُخبِرُ بها الناسَ فيَستَبشروا؟
قال: "إذًا يتَّكِلوا".
فأخبرَ بها معاذٌ عندَ موتهِ تأثُّمًا[11].
صحيح البخاري (128)، صحيح مسلم (32) ومنه لفظه.
تأثُّمًا: أي خشيةَ الإثمِ بكتمانِ العلم.
وفي الحديثِ جوازُ إمساكِ بعضِ العلومِ التي لا حاجةَ إليها للمصلحة، أو خوفَ المفسدة، ورجوعهُ عمّا أمرَ به بسببه[12].
ومعاذٌ رضيَ الله عنه خزرجيٌّ أنصاريّ، أسلمَ قبلَ أن يكملَ العشرين، من السبعينَ الذين شهدوا العقبةَ من الأنصار، وشهدَ بدرًا والمشاهدَ كلَّها مع الرسولِ صلَّى الله عليه وسلَّم. وكان من الصحابةِ الفقهاءِ النجباء. ماتَ في طاعونِ عَمواس سنةَ 17 هـ[13].
(29)
أسامة بن زيد
حدَّثَ أسامةُ بنُ زيد بنِ حارثةَ قال:
بعثَنا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ إلى الحُرَقَةِ من جُهَينَة، فصبَّحْنا القومَ فهزَمْناهم، ولَحِقتُ أنا ورجلٌ منَ الأنصارِ رجلًا منهم، فلمَّا غَشِيناهُ قال: لا إلهَ إلَّا اللَّه، فكفَّ عنهُ الأنصاريُّ، وطَعنتُهُ برمحي حتَّى قتلتُه.
قال: فلمَّا قدِمنا بلَغَ ذلكَ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ لي: "يا أسامة، أقتلتَهُ بعدَما قالَ لا إلهَ إلَّا اللَّه"؟
قال: قلت: يا رسولَ اللَّه، إنَّما كانَ متعوِّذًا.
قال: فقال: "أقتلتَهُ بعدَما قالَ لا إلهَ إلَّا اللَّه"؟
قال: فما زالَ يكرِّرُها عليَّ حتَّى تمنَّيتُ أنِّي لم أكنْ أسلَمتُ قبلَ ذلكَ اليوم!
صحيح البخاري (4021)، صحيح مسلم (96) واللفظُ له.
قالها متعوِّذًا: أي معتصمًا، ليحصِّنَ بها دمه.
قوله: "حتَّى تمنَّيتُ أنِّي لم أكنْ أسلَمتُ قبلَ ذلكَ اليوم": أي أن إسلامي كان ذلك اليوم؛ لأن الإسلامَ يجبُّ ما قبله، فتمنَّى أن يكونَ ذلك الوقتُ أولَ دخولهِ في الإسلام، ليأمنَ من جريرةِ تلك الفعلة. ولم يُرِدْ أنه تمنَّى أن لا يكونَ مسلمًا قبل ذلك.
قال القرطبي: وفيه إشعارٌ بأنه كان استصغرَ ما سبقَ له قبلَ ذلك من عملٍ صالحٍ في مقابلةِ هذه الفعلة، لما سمعَ من الإنكارِ الشديد، وإنما أوردَ ذلك على سبيلِ المبالغة[14].
وأسامة بنُ زيد حِبُّ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ومولاه، وابنُ مولاه. من أجلَّةِ الصحابة. استعملَهُ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلامُ على جيشٍ لغزوِ الشام، وفي الجيشِ عمرُ والكبار[15].
(30)
سعد بن معاذ رضي الله عنه
عن جابرٍ قال: قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
"اهتزَّ عرشُ الرحمنِ لموتِ سعد بنِ معاذ".
متفقٌ عليه: صحيح البخاري (3592)، صحيح مسلم (2466).
قالَ الإمامُ النووي ما ملخَّصه: اختلفَ العلماءُ في تأويله، فقالتْ طائفة: هو على ظاهره، واهتزازُ العرشِ تحرُّكهُ فرحًا بقدومِ روحِ سعد... وهو المختار. وقالَ آخرون... المرادُ بالاهتزازِ الاستبشارُ والقبول، ومنه قولُ العرب: فلانٌ يهتزُّ للمكارم، لا يريدون اضطرابَ جسمهِ وحركته، وإنما يريدون ارتياحَهُ إليها، وإقبالَهُ عليها[16].
وسعد بنُ معاذ رضيَ الله عنه سيِّدُ الأوس. أسلمَ على يدَي مصعب بنِ عُمير رضيَ الله عنه. وشهدَ بدرًا وأُحدًا، ورُميَ بسهمٍ يومَ الخندق، فعاشَ بعد ذلك شهرًا، ثم انتفضَ جرحهُ فماتَ منه، سنة خمسٍ للهجرة.
وكان قد قال: اللهم لا تُخرجْ نفسي حتى تُقِرَّ عيني من بني قريظة. فاستمسكَ عِرقه، فما قطرَ قطرة، حتى نزلَ بنو قريظةَ على حُكمه، وكان حُكمهُ فيهم أن يُقتلَ رجالُهم، وتُسبَى نساؤهم وذرِّيتُهم[17].
[1] ينظر شرح النووي على صحيح مسلم 15/ 76.
[2] فتح الباري 8/ 75.
[3] تهذيب الكمال 10/ 309.
[4] شرح النووي على صحيح مسلم 15/ 189.
[5] تاريخ الإسلام للذهبي 2/ 279.
[6] شرح النووي على صحيح مسلم 15/ 191.
[7] تاريخ الإسلام 2/ 99.
[8] شرح النووي على صحيح مسلم 12/ 210.
[9] تنظر ترجمته في تاريخ الإسلام 2/ 219 وغيره من المصادر.
[10] ترجمته في تاريخ الإسلام 2/ 560 وغيره.
[11] شرح النووي على صحيح مسلم 1/ 240، 17/ 65.
[12] شرح النووي على صحيح مسلم 1/ 240.
[13] تنظر ترجمته في تهذيب الكمال 28/ 105.
[14] فتح الباري 12/ 196.
[15] تنظر ترجمته في سير أعلام النبلاء 2/ 496.
[16] ينظر شرح النووي على صحيح مسلم 16/ 22.
[17] تهذيب الكمال 10/ 300، سير أعلام النبلاء1/ 279.