الأربعون العلمية (2 / 4)
أ. محمد خير رمضان يوسف
أربعون علَمًا ذكرَ أسماءَهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
(2 / 4)
(11)
عيسى عليه السلام
عن أبي هريرةَ رضيَ الله عنه قال: قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
"أنا أَولَى الناسِ بعيسَى ابنِ مريم، في الأُولَى والآخرة".
قالوا: كيفَ يا رسولَ الله؟
قال: "الأنبياءُ إخوةٌ مِن عَلّات، وأُمَّهاتُهم شتَّى، ودينُهم واحد، فليسَ بيننا نبيّ".
صحيح البخاري (3258)، صحيح مسلم (2365) واللفظُ له.
"أنا أَولَى الناسِ بعيسَى بنِ مريم": أي: أخصُّ الناسِ به، وأقربُهم إليه؛ لأنه بشَّرَ بأنه يأتي من بعده[1].
العَلّات: الضرائر، وأولادُ العَلّات: الإخوةُ من الأبِ وأمَّهاتُهم شتَّى.
ومعنَى الحديث: أن أصلَ دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفتْ فروعُ الشرائع[2].
(12)
مريم عليها السلام
عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال:
"ما من مولودٍ يولَدُ إلّا نَخسَهُ الشيطان، فيستَهلُّ صارخًا من نخسةِ الشيطان، إلا ابنَ مريمَ وأمَّه".
ثم قالَ أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ï´؟ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [سورة آل عمران: 36].
صحيح البخاري (3122)، صحيح مسلم (2366) واللفظُ للأخير.
قالَ القرطبيُّ رحمَهُ الله: هذا الطعنُ من الشيطانِ هو ابتداءُ التسليط، فحفظَ اللهُ مريمَ وابنَها ببركةِ دعوةِ أمِّها، حيثُ قالت: ï´؟ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [سورة آل عمران: 36]. ولم يكنْ لمريمَ ذرِّيةٌ غيرَ عيسَى.
والاستهلال: الصياح[3].
(13)
سارَة رحمها الله
عن أبي هريرة، أن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال:
"لم يكذبْ إبراهيمُ النبيُّ عليه السلامُ قطُّ إلا ثلاثَ كَذَبات، ثنتينِ في ذاتِ الله، قوله: ï´؟ إِنِّي سَقِيمٌ ï´¾ [سورةُ الصافّات: 89]، وقولُه: ï´؟ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ï´¾ [سورةُ الأنبياء: 63]، وواحدةٌ في شأنِ سارَة.
فإنهُ قدمَ أرضَ جبَّارٍ ومعهُ سارة، وكانت أحسنَ الناس، فقال لها: إن هذا الجبّار، إنْ يَعلمْ أنكِ امرأتي يَغلِبْني عليك، فإنْ سألَ فأخبريهِ أنكِ أختي، فإنكِ أختي في الإسلام، فإني لا أعلمُ في الأرضِ مسلمًا غيري وغيرَك.
فلمّا دخلَ أرضَهُ رآها بعضُ أهلِ الجبَّار، أتاهُ فقالَ له: لقد قدمَ أرضَكَ امرأةٌ لا ينبغي لها أن تكونَ إلّا لك.
فأرسلَ إليها، فأُتِيَ بها، فقامَ إبراهيمُ عليه السلامُ إلى الصلاة، فلمّا دخلتْ عليه لم يتمالَكْ أن بسطَ يدَهُ إليها، فقُبِضَتْ يدُهُ قبضةً شديدة.
فقالَ لها: ادعِي اللهَ أنْ يُطلِقَ يَدِي ولا أضرُّك.
ففَعلَت، فعاد، فقُبِضَتْ أشدَّ من القبضةِ الأُولى، فقالَ لها مثلَ ذلك، ففَعلت، فعاد، فقُبِضَتْ أشدَّ من القبضتين الأُوْلَيَين. فقال: ادعِي اللهَ أنْ يُطلِقَ يَدِي، فلكِ اللهُ أنْ لا أضرَّك. ففعلَت. وأُطلِقَتْ يدُه.
ودعا الذي جاءَ بها، فقالَ له: إنكَ إنما أتيتَني بشيطان، ولم تأتِني بإنسان، فأخرِجْها من أرضي، وأعطِها هاجَر.
قال: فأقبلَتْ تمشي، فلمّا رآها إبراهيمُ عليه السلامُ انصرف، فقالَ لها: مَهْيَمْ؟ قالت: خيرًا. كفَّ اللهُ يدَ الفاجر، وأخدَمَ خادِمًا".
قال أبو هريرة: فتلكَ أمُّكم يا بني ماءِ السماءِ.
صحيح البخاري (3179)، صحيح مسلم (2371) ولفظهُ منه.
ذكرَ القاضي البيضاوي أن الكلماتِ الثلاثَ إنما هي من معاريضِ الكلام[4].
مَهْيَم: أي: ما شأنك، وما خبرك؟. وهي كلمةٌ يمانيَّة.
أخدمَ خادمًا: وهبني خادمًا، وهي هاجَر، التي صارتْ أمَّ إسماعيلَ عليه الصلاةُ والسلام.
قوله: قالَ أبو هريرة: فتلكَ أمُّكم يا بني ماءِ السماء: قال كثيرون: المرادُ ببني ماءِ السماءِ العربُ كلُّهم؛ لخلوصِ نسبِهم وصفائه، وقيل: لأن أكثرَهم أصحابُ مواش، وعيشُهم من المرعَى والخصبِ وما يَنبتُ بماءِ السماء[5].
(14)
آسية رحمها الله
عن أبي موسَى الأشعريِّ قال: قالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
"كَمُلَ من الرجالِ كثير، ولم يَكمُلْ من النساءِ غيرُ مريمَ بنتِ عِمران، وآسيةَ امرأةِ فرعون. وإن فضلَ عائشةَ على النساءِ كفضلِ الثريدِ على سائرِ الطعام".
صحيح البخاري (5102)، صحيح مسلم (2431) واللفظُ له.
قالَ الكرماني: لا يلزمُ من لفظِ الكمالِ ثبوتُ نبوَّتها؛ لأنه يطلقُ لتمامِ الشيءِ وتناهيهِ في بابه، فالمرادُ بلوغُها النهايةَ في جميعِ الفضائلِ التي للنساء.
ومن فضائلِ آسيةَ امرأةِ فرعونَ أنها اختارتِ القتلَ على الْمُلك، والعذابَ في الدنيا على النعيمِ الذي كانت فيه، وكانت فراستُها في موسَى عليه السلامُ صادقةً حين قالت: ï´؟ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ ï´¾ [سورة القصص: 9][6].
(15)
محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام
عن جُبير بنِ مُطعِم، أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ قال:
"أنا محمَّدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الماحِي الذي يُمحَى بيَ الكفرُ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ النَّاسُ على عَقِبي، وأنا العاقِبُ". والعاقِب: الذي ليس بعدَهُ نبيٌّ.
صحيح البخاري (2354)، صحيح مسلم (2354). ولفظهما سواء.
"وأنا الماحي الذي يُمحَى بيَ الكفر": قال العلماء: المرادُ محوهُ من مكةَ والمدينةِ وسائرِ بلادِ العرب، وما زويَ له من الأرضِ ووُعِدَ أن يَبلغَهُ مُلكُ أمَّته.
قال القاضي [عياض]: ويحتملُ أن المرادَ المحوُ العام، بمعنَى الظهورِ بالحجَّةِ والغلَبة، كما قالَ الله سبحانهُ وتعالَى: ï´؟ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ï´¾ [سورةُ الفتح: 28][7].
"يُحشَرُ الناسُ على قدمي": أي على أثَري، أي أنه يُحشَرُ قبلَ الناس[8].
(16)
أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه
عن عائشةَ قالت:
قالَ لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في مرضِه: "ادْعي لي أبا بكرٍ وأخاكِ حتى أكتبَ كتابًا، فإني أخافُ أن يتمنَّى مُتمَنٍّ ويقولَ قائل: أنا أَولَى، ويأبَى اللهُ والمؤمنون إلا أبا بكر".
صحيح البخاري (6791)، صحيح مسلم (2387) واللفظُ للأخير.
أوردَ الحافظُ ابنُ حجر رواياتٍ أخرى للحديثِ وقال: هذا يُرشِدُ إلى أن المرادَ الخلافة[9].
(17)
عمر بن الخطّاب رضي الله عنه
عن عائشة، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنه كان يقول:
"قد كانَ يَكونُ في الأممِ قبلَكم محدَّثون، فإنْ يَكنْ في أمَّتي منهم أحدٌ فإنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ منهم".
صحيح مسلم (2398)، صحيح البخاري من رواية أبي هريرة (3282).
الأكثرُ على أن المحدَّثَ هو الْمُلهَم. قالوا: المحدَّثُ بالفتحِ هو الرجلُ الصادقُ الظنّ، وهو مَن أُلقيَ في رُوعهِ شيءٌ من قِبَلِ الملأ الأعلَى، فيكونُ كالذي حدَّثَهُ غيرهُ به[10].
(18)
علي بن أبي طالب رضي الله عنه
عن سهل بنِ سعد، أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال يومَ خيبر:
"لأُعطينَّ هذه الرايةَ رجلًا يفتحُ اللهُ على يدَيه، يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّهُ اللهُ ورسولُه".
قال: فباتَ الناسُ يَدوكون ليلتَهم أيُّهم يُعطاها.
قال: فلمَّا أصبحَ الناسُ غدَوا على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، كلُّهم يَرجون أن يُعطاها، فقال: "أين عليُّ بنُ أبي طالبٍ"؟
فقالوا: هو يا رسولَ اللهِ يشتكي عينَيه.
قال "فأَرسِلُوا إليه".
فأُتِيَ به، فبصَق رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في عينَيه، ودعا له، فبرأ، حتى كأنْ لم يكنْ به وجَع. فأعطاهُ الراية، فقال عليٌّ: يا رسولَ الله، أُقاتِلُهم حتى يكونوا مثلَنا؟
فقال: "انفُذْ على رِسلِكَ حتى تَنزِلَ بساحتِهم، ثم ادعُهم إلى الإسلام، وأخبِرْهم بما يجبُ عليهم من حقِّ اللهِ فيه، فوَاللهِ لَأنْ يَهديَ اللهُ بكَ رجلًا واحدًا، خيرٌ لكَ مِن أنْ يكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَم".
صحيح البخاري (3498)، صحيح مسلم (2406) ومنه لفظه.
يدوكون: يخوضون ويتحدَّثون في ذلك.
حُمرُ النَّعَم: هي الإبلُ الحُمر، وهي أنفسُ أموالِ العرب، يضربون بها المثلَ في نفاسةِ الشيء، وأنه ليس هناك أعظمُ منه.
قال الإمامُ النووي: وقد سبق بيانُ أن تشبيهَ أمورِ الآخرةِ بأعراضِ الدنيا، إنما هو للتقريبِ من الأفهام، وإلا فذرَّةٌ من الآخرةِ الباقيةِ خيرٌ من الأرضِ بأسرها وأمثالِها معها لو تُصوِّرت.
قال: وفي هذا الحديثِ بيانُ فضيلةِ العلم، والدعاءِ إلى الهدَى، وسَنِّ السننِ الحسنة[11].
(19)
خديجة بنت خويلد رضي الله عنها
عن عليٍّ رضيَ الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ يقول:
"خيرُ نسائها مريمُ بنتُ عِمران، وخيرُ نسائها خديجةُ بنتُ خويلد".
صحيح البخاري (3249)، صحيح مسلم (2430) ولفظهما سواء.
"خيرُ نسائها": الأظهرُ أن معناهُ أن كلَّ واحدةٍ منهما خيرُ نساءِ الأرضِ في عصرها. وأما التفضيلُ فمسكوتٌ عنه. كذا قال الإمامُ النووي[12].
(20)
فاطمة رضي الله عنها
روتْ فاطمةُ رضيَ الله عنها أن أباها محمَّدًا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ قالَ لها في مرضِ موته:
"يا فاطمة، ألَا تَرْضَينَ أن تكوني سيِّدةَ نساءِ المؤمنين، أو سيِّدةَ نساءِ هذه الأمَّة"؟
صحيح البخاري (5928) واللفظُ له، صحيح مسلم (2450).
فيه فضيلةُ أمِّ الحسنَين فاطمةَ الزهراء، رضيَ الله عنهم أجمعين.
[1] عون المعبود 12/ 281.
[2] فتح الباري 15/ 120.
[3] فتح الباري 6/ 470.
[4] ذكره في تحفة الأحوذي 8/ 466.
[5] ينظر شرح النووي على صحيح مسلم 15/ 125، النهاية في غريب الحديث والأثر 4/ 378.
[6] مقطعان من فتح الباري 6/ 447، 448.
[7] الديباج على مسلم 5/ 340.
[8] فتح الباري 6/ 557.
[9] فتح الباري 13/ 206.
[10] فتح الباري 7/ 50.
[11] شرح النووي على صحيح مسلم 15/ 178.
[12] شرح النووي على صحيح مسلم 15/ 198.