
12-07-2020, 04:21 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,371
الدولة :
|
|
رد: ثق واطمئن.. أنت على الطريق
لا فلاح للمفترين:
يقول المولى - عزَّ وجلَّ - لرسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ï´؟ وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ï´¾ [يونس: 65]، لا يحزنك قولُ هؤلاء المشركين، واستَعِن بالله عليهم، وتوكَّل عليه؛ فإنَّ العزَّة لله جميعًا؛ أي: جميعها له ولرَسوله وللمؤمنين ï´؟ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ï´¾؛ أي: السميع لأقوال عباده، العليم بأحوالهم.
ويقول الله - عزَّ وجلَّ -: ï´؟ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ï´¾ [يونس: 69].
لا يفلحون أيَّ فلاح؛ لا يفلحون في شِعبٍ ولا طريق، لا يفلحون في الدنيا ولا في الأخرى، والفلاح الحقيقي هو الذي ينشَأ من مسايرة سنن الله الصحيحة، المؤدِّية إلى الخير وارتِقاء البشر، وصلاح المجتمع، وتنمية الحياة، ودفعها إلى الإمام، وليس هو مجرَّد الإنتاج المادي مع تحطُّم القِيَم الإنسانيَّة، ومع انتِكاس البشَر إلى مَدارِج الحيوانيَّة، فذلك فَلاحٌ ظاهري موقوت، منحرف عن خطِّ الرُّقيِّ الذي يصل بالبشريَّة إلى أقصى ما تُطِيقُه طبيعتها من الاكتمال.
يقول - تعالى - مُخبِرًا عن حَقارة الدُّنيا، وما فيها من الزِّينة الدنيئة والزهرة الفانية بالنِّسبة إلى ما أعدَّه الله لعباده الصالحين في الدار الآخِرة من النَّعِيم العظيم المُقِيم، ï´؟ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ï´¾ [يونس: 70]، مجرَّد مَتاع واطٍ، وهو مَتاع قصير الأمد، وهو مَتاع مقطوع؛ لأنَّه لا يتَّصل بالمتاع اللائق بالبشريَّة في الدار الآخِرة، إنما يعقبه العذابُ الشَّديدُ؛ ثمرةً للانحِراف عن سنن الله الكونيَّة المؤدِّية إلى المتاع العالي اللائق ببني الإنسان.
ومثله من الآيات: ï´؟ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ï´¾ [النساء: 77].
ï´؟ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ï´¾ [النحل: 117].
ï´؟ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ï´¾ [الأنبياء: 111].
ï´؟ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ï´¾ [القصص: 60 - 61].
ï´؟ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ï´¾ [غافر: 39].
إنها النَّظرة السطحيَّة القريبة، والمفاضلة بين هذا وذاك تَحتاج إلى عقلٍ يُدرِك طبيعة هذا وذاك، ومن ثَمَّ يَجِيء التعقيب في هذه الصِّيغة للتَّنبيه لإعمال العقل في الاختيار!
ï´؟ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ï´¾ [القصص: 61]، فهذه صفحة مَن وعده الله وعدًا حسنًا فوجَدَه في الآخرة حقًّا وهو لا بُدَّ لاقِيه، وهذه صفحة مَن نالَ مَتاع الحياة الدنيا القصير الزهيد، ثم ها هو ذا في الآخِرة مُحضر إحضارًا للحساب، والتعبير يُوحِي بالإكراه ï´؟ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ï´¾ الذين يُجاء بهم مُكرَهين خائفين، يودُّون أن لم يكونوا محضرين؛ لما ينتظرهم من وَراء الحساب على ذلك المتاع القصير الزهيد!
مع هذا أيكون مَن هو مؤمن مُصدق بما وعده الله على صالح أعماله من الثواب الذي هو صائر إليه لا محالة، كمَنْ هو كافرٌ مُكذِّب بلقاء الله ووَعده ووعيده، فهو ممتَّع في الحياة الدُّنيا أيَّامًا قلائل، ï´؟ ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ï´¾ [القصص: 61]، قال مجاهد وقتادة: من المعذَّبين، في يومٍ عصيبٍ شديدٍ على كلِّ ظالم يوم يُنادَى عليهم ليُحاسَبوا على ظُلمهم وبَغيِهم.
ï´؟ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ï´¾ [القصص: 62]، إنَّه نِداء التوبيخ والتقريع والخزي والفضيحة على رُؤوس الأشهاد.
أين ما عبَدتُم من دُون الله؟ أين ما لهثتم وَراءَه وتَركتُم الحقَّ من أجله؟ أين مَناصِبكم؟ أين الكراسي التي أقَمتُم من أجلها الحروب وأرَقتُم لها الدِّماء، ومنَعتُم في سَبِيلها الحريَّات، وانتَهَكتُم الحرمات، وفزَّعتم الآمنين، وروَّعتُم الشعوب، وقتَلتُم كلَّ معنى جميل عند الناس، وزرَعتُم في قلوبهم الخوفَ واليأس والقُنُوط؟ أين هم ليخلصوكم ممَّا أنتم فيه، كما كنتم تَرجُون منهم في الدار الدُّنيا؟ إنها الحياة الدُّنيا، مَتاع الغرور، هي التي أوصلَتْكم إلى كلِّ هذا فذوقوا وبالَ ما كنتم تقتَرِفون وتجرَّعوا جَزاء ما كنتم تكسبون، ولن ينفعكم اليوم ما تُقدِّمون من بَراهِين؛ إنَّكم كنتم في الدنيا تُضلِّلون الناس بوَسائِلكم الشيطانيَّة، وتَزعُمون أنَّكم على حقٍّ وأنَّكم مُناضِلون من أجل الوطن والمواطنين، فما تقولون أمام الملك الجبَّار الذي يعلَمُ السرَّ وأخفى؟ والله يعلم أنْ لا وجود اليوم لهؤلاء الشركاء، وأنَّ أتباعهم لا يعلَمُون عنهم شيئًا، ولا يستطيعون إليهم سبيلاً، ومن ثَمَّ لا يجيب المسؤولون عن السؤال، فليس المقصود به هو الجواب! إنما يحاولون أن يتبرَّؤوا من جريرة إغوائهم لِمَنْ وراءهم، وصدهم عن هدى الله، كما كان يفعَلُ كُبَراء قريش مع الناس خلفهم، فيقولون: ï´؟ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ï´¾ [القصص: 63].
ï´؟ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ï´¾؛ يعني: من الشياطين والمَرَدَة والدُّعاة إلى الكفر، والظالمين المعتدين دُعاة الفساد وهدَمَة المبادئ ومَاحِقِي الخير عند الناس: ï´؟ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ï´¾ [القصص: 63]، ربَّنا إنَّنا لم نُغوِهم قَسْرًا، فما كان لنا من سلطانٍ على قلوبهم، إنما هم وقعوا في الغواية عن رضًا منهم واختِيار، كما وقَعنا نحن في الغواية دون إجبار.
فشهدوا عليهم أنهم أغووهم فاتَّبعوهم، ثم تبرَّؤوا من عِبادتهم وطاعتهم، هم جنودهم في طُغيانهم، ومع ذلك تبرَّؤوا منهم وطلَبُوا لهم العذاب، عندئذ يعود بهم إلى المَخزَاة التي حوَّلوا الحديث عنها، مَخزَاة الشُّرَكاء الذين اتَّخَذُوهم من دون الله؛ ï´؟ وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ... ï´¾ [القصص: 64].
ادعوهم ولا تهربوا من سِيرتهم، ادعوهم ليلبُّوكم وينقذوكم، ادعوهم فهذا يومهم وهذه فائدتهم، والبائسون يعرفون أن لا جدوى من دعائهم، ولكنَّهم يطيعون الأمر مقهورين: ï´؟ فَدَعَوْهُمْ ï´¾، تخيَّل معي وهم يُنادون على كلِّ ما عبَدُوا وأطاعوا من دون الله؛ فمنهم مَن ينادي على الشهوات، ومنهم المنادي على المنصب والمال والنساء والأصنام، وكل شريعة غير ما شرع الله لعباده، وعبَّر بالفعل الماضي لأنَّه مُحقَّق وأنهم بالفعل سيُنادُونهم: ï´؟ ... فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ ï´¾ [القصص: 64].
ولم يكن مُنتَظَرًا غيرُ ذاك، ولكنَّه الإذلال والإعنات! ï´؟ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ ï´¾ [القصص: 64] رأوه في هذا الحوار، ورأوه ماثلاً وراءه، فليس وراء هذا الموقف إلاَّ العذاب.
وهنا في اللحظة التي يصل فيها المشهد إلى ذروته يعرض عليهم الهدى الذي يَرفُضونه، وهو أمنية المتمنِّي في ذلك الموقف المكروب، وهو بين أيديهم في الدنيا، لو أنَّهم إليه يُسارِعون فودوا وتمنوا حين عايَنُوا العذاب لو أنهم كانوا من المُهتَدِين في الدار الدنيا، لو كانوا من أهل الحق والخير لا من أهل الضلال والإضلال والنفاق، والفساد والإفساد.
ويَجِيء النِّداء الثاني: ï´؟ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ï´¾ [القصص: 65]، فالنداء الأَوَّل عن سؤال التوحيد، وهذا - النِّداء الثاني - فيه إثبات النبوَّات، ماذا كان جوابُكم للمُرسَلين إليكم؟ وكيف كان حالُكم معهم؟ كيف حالُك مع السنَّة ومنهج الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم؟ هل كنت حريصًا على سنَّة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما كنتَ حريصًا على منصبك وشهوتك ودُنياك التي من أجلها حارَبت؟ أين النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في قلبك؟ كم يَشغَل من القلب؟
وإنَّ الله ليَعلَمُ ماذا أجابُوا المرسَلين، ولكنَّه كذلك سؤال التأنيب والترذيل، وهذا كما يُسأَل العبد في قَبرِه: مَنْ ربُّك؟ ومَنْ نبيُّك؟ وما دينك؟ فأمَّا المؤمن فيشهَد أنَّه لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبدُ الله ورسوله، وأمَّا الكافر فيقول: هاه.. هاه، لا أدري؛ ولهذا لا جوابَ لهم يوم القيامة غير السُّكوت، وإنهم ليُواجِهون السؤال بالذُّهول والصمت، ذهول المكروب وصمت الذي لا يجد ما يقول؛ لأنَّ مَنْ كان في هذه أعمى فهو في الآخِرة أعمى وأضلُّ سبيلاً؛ ولهذا قال - تعالى -: ï´؟ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ ï´¾ [القصص: 66]، وقال مجاهد: فعميت عليهم الحُجَج، فهم لا يَتساءَلون بالأنساب.
والتعبير يُلقِي ظلَّ العمى على المشهد والحركة، وكأنما الأنباء عَمياء لا تصل إليهم، وهم لا يعلَمُون شيئًا عن أيِّ شيء! ولا يملكون سؤالاً ولا جوابًا، وهم في ذُهولهم صامتون ساكتون، فكم تكلَّموا في الدنيا! وكم حاوَروا! وكم راوغوا أهل الحق! وكم افتروا من الغيِّ والضَّلال ليضلُّوا الناس وهم يَعلَمُون أنهم كذَّابون، وأنهم مُضلُّون! اليوم هم صامتون لا يتكلَّمون، أين جُرأَتكم على الحقِّ؟ أين افتِراؤكم؟ كنتم تمثِّلون في الدُّنيا الدِّفاع عن الباطل والغي والنِّفاق والضَّلال، مَن يُدافع عنكم اليوم؟ مَن وَكِيلُكم؟ وأين هيئة دفاعكم؟
ï´؟ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ï´¾ [النساء: 108- 109].
أَيَا رِجَالَ الدِّينِ يَا مِلْحَ البَلَدْ 
مَنْ يُصْلِحُ المِلْحَ إِذَا المِلْحُ فَسَدْ 
إلى مَن قومهم وأهلوهم وعشيرتهم وقَفُوا ضدَّهم ونصبوا لهم العداء؛ لأنهم ظنُّوا أنهم يُحارِبونهم في أشخاصهم، وأنهم يُعانِدونهم، ولم يعلموا أنكم تحملون المشعل لتضيئوا لهم الطريق، وتسلكوا بهم طريق النجاة، ولا يُدرِكون أنَّكم تقولون لهم: اركبوا معنا سفينة النجاة، السفينة التي ركبها من قبل نوح - عليه السلام - فنجا مَنْ نجا، وغرق مَن غرق، هم لا يفهمون ولا يبصرون الحقيقة - رزقهم الله الفهم الصحيح.
أيها الشباب، لكم في الخليل إبراهيم - عليه السلام - القدوةُ والأسوةُ؛ فقد كان العدو الأوَّل له هو أبوه، فألقوه في النار نكايةً به؛ لأنه سفَّه آلهتهم ويعدل عليهم ما يعتقدون فيه، وفي يومنا هذا ترى الواحد منهم تأخُذه العزَّة بالإثم كيف أنَّ ابنَه أو ربما ابن ابنه أو شابًّا صغيرًا هو مَن يدله ويظهر أمام الناس أنَّه هو الأولى بالاتِّباع، وأنَّ صغيرًا عدل على كبير (ويقولون: أيُّ دين يجعَلُ الابن يعدل على أبيه وقومه؟ ويقولون: عدِّلوا على أنفسكم أوَّلاً، نحن نعلم من الدين أكثر وأفضل ممَّا تعلمون، أنتم ستفسدون علينا ديننا ودنيانا) مساكين هم! حالهم حال أبي إبراهيم حتى بعد أنْ نَجَّاه الله من النار، وبهرهم الله بنجاته لنبيِّه، فليتهم آمَنوا، بل عانَدوا وقالوا كما ذكر الطبري في تفسيره "جامع البيان في تأويل القرآن" قال: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن الحارث، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: إنَّ أحسن شيء قالَه أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار، وجده يرشح جبينه، فقال عند ذلك: نعم الرب ربُّك يا إبراهيم، وذكَر جلال الدين السيوطي في تفسيره "الدر المنثور في التأويل بالمأثور" وغيرهما من المفسرين، فهل آمَن بنِعَمِ الربِّ الذي رأى قُدرَته بعينه ولمسها بحواسِّه؟ ليته فعل!
ï´؟ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ï´¾ [الزخرف: 23]، ï´؟ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ï´¾ [الزخرف: 22]، العادات والتقاليد، والموروثات والسلبيَّة والجاهليَّة أحيانًا وربما العناد والمكابرة!
أيها المناضلون، يكفيكم حب الله ورضاه عنكم وعن طريقكم:
كتَب معاوية بن أبى سُفيان - رضِي الله عنه - إلى عائشة - رضِي الله عنها -: أن اكتبي إلَيَّ بشيء سَمِعْته من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: فكتبَتْ إليه: سمعتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((إنَّه مَن يعمَلُ بغير طاعة الله يَعُودُ حامده من الناس ذامًّا))؛ الحميدي، وصحَّحه الألباني.
كتَب معاوية إلى عائشة أم المؤمنين - رضِي الله عنها - أن اكتبي إلَيَّ كتابًا تُوصِيني فيه ولا تُكثِري عليَّ، فكتبَتْ عائشة - رضِي الله عنها - إلى معاوية: سلامٌ عليك، أمَّا بعد، فإنِّي سمعتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((مَن التَمَس رِضاء الله بسخط الناس كَفاه الله مؤنة الناس، ومَن التَمَس رِضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس))، والسلام عليك؛ الترمذي وصحَّحه الألباني.
وفي روايةٍ: ((مَن أرضى الله بسخَط الناس كَفاه الله الناس، ومَن أسخَطَ الله برضا الناس وكله الله إلى الناس))؛ صحيح، صحَّحه الألباني.
ويَكفِيهم سخط الله، وأنهم في الغيِّ تائهون وتأخُذون بأيديهم شفقة عليهم، وهم يَأبون الهداية والنَّجاة.
عن يحيى بن راشد قال: جلسنا لعبدالله بن عمر فخرَج إلينا فجلَس، فقال: سمعتُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم – يقول: ((مَن حالَتْ شفاعَتُه دون حدٍّ مِن حدود الله فقد ضادَّ الله، ومَن خاصَم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومَن قال في مؤمنٍ ما ليس فيه أسكَنَه الله رَدغة الخبال حتى يخرج ممَّا قال))؛ أبو داود.
عن أبي هريرة - رضِي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يُوشِك إنْ طالَتْ بك مدَّة أنْ ترى قومًا في أيديهم مثل أذناب البقر؛ يغدون في غضب الله، ويَرُوحون في سخط الله))؛ مسلم.
أنت عبد الله:
والكثير من الناس يتذرَّع بحجة أنَّه عبد المأمور، وأنَّه ضعيفٌ ومغلوبٌ على أمره، ويَمنَع أولادَه وذَوِيه من النِّضال والتصدِّي للباطل، والفاجر منهم يدَّعِي أنَّ الإسلام ليس له نصيبٌ في حَياتنا إنما هو في المسجد علاقةٌ بين العبد وربِّه، وأنَّنا لو أنزَلنا القُرآن ليَحكُم حياتنا لن تستقرَّ الأمور، وسنُعادِي به الدُّنيا كلها ولنا مصالح هنا وهناك، ولهؤلاء نقول: إنَّكم تقولون كما قالت قريش من قبلُ ونَسِيتُم أنَّكم عِباد الله؛ ï´؟ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ï´¾ [القصص: 57]، وأجيب بما أجابَ الله عليهم: ï´؟ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ [القصص: 57].
يقول سيد قطب: فهم لا يُنكِرون أنَّه الهدى، ولكنَّهم يَخافون أنْ يتخطَّفهم الناس، وهم ينسون الله، وينسون أنَّه وحدَه الحافظ، وأنَّه وحدَه الحامي؛ وأنَّ قوى الأرض كلها لا تملك أنْ تتخطَّفهم وهم في حمى الله؛ وأنَّ قوى الأرض كلها لا تملك أنْ تنصرهم إذا خذَلهم الله؛ ذلك أنَّ الإيمان لم يُخالِط قلوبهم، ولو خالَطهم لتبدَّلت نظرتهم للقوى، ولاختَلَف تقديرهم للأمور، ولعلموا أنَّ الأمن لا يكون إلاَّ في جوار الله، وأنَّ الخوف لا يكون إلاَّ في البعد عن هداه، وأنَّ هذا الهدى موصولٌ بالقوَّة وموصول بالعزة؛ ï´؟ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ï´¾ [فاطر: 10].
وأنَّ هذا ليس وهمًا، وليس قولاً يقال لطَمأَنة القلوب، إنما هو حَقِيقةٌ عميقة مَنشَؤُها أنَّ اتِّباع هُدَى الله مَعناه الاصطِلاح مع ناموس الكون وقواه، والاستِعانة بها وتَسخِيرها في الحياة، فالله خالِقُ هذا الكون ومُدبِّره وفْق الناموس الذي ارتَضاه له، والذي يتبع هدى الله يستمدُّ ممَّا في هذا الكون من قوى غير محدودة، ويَأوِي إلى ركن شديد، في واقع الحياة.
إنَّ هُدَى الله منهج حياة صحيحة، حياة واقعة في هذه الأرض، وحين يتحقَّق هذا المنهج تكون له السيادة الأرضيَّة إلى جانب السَّعادة الأخرويَّة، وميزته أنَّه لا انفِصالَ فيه بين طريق الدنيا وطريق الآخِرة؛ ولا يقتَضِي إلغاء هذه الحياة الدنيا أو تعطيلها ليُحقِّق أهداف الحياة الآخِرة، إنما هو يَربِطهما معًا برباطٍ واحدٍ: صلاح القلب، وصلاح المجتمع وصلاح الحياة في هذه الأرض، ومن ثَمَّ يكون الطريق إلى الآخرة، فالدنيا مزرعةُ الآخرة، وعمارة جنَّة هذه الأرض وسِيادتها وسيلةٌ إلى عمارة جنَّة الآخِرة والخلود فيها، بشَرطِ اتِّباع هُدَى الله، والتوجُّه إليه بالعمَل والتطلُّع إلى رِضاه.
وما حدَث قطُّ في تاريخ البشريَّة أنِ استَقامَتْ جماعةٌ على هدى الله إلاَّ منَحَها القوَّة والمنعة والسِّيادة في نهاية المَطاف؛ بعد إعدادها لحمل هذه الأمانة، أمانة الخِلافة في الأرض وتصريف الحياة.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|