
06-07-2020, 04:10 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,544
الدولة :
|
|
رد: بدعة الاحتفال بذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم
فما كان الفضل الأعظم، والرحمة العامة الشاملة؛ والهداية التي أخرجت الناس إلى النور من محمد بن عبد الله، وإنما كانت من محمد رسول الله،. وما كانت هذه الرسالة إلا بعد تلك الولادة الروحية الثانية؛ والتي كانت ليلة القدر من شهر رمضان بعد بلوغه سن الأربعين.
فلئن كان شيء من هاتين الولادتين جديراً بالتذكير والإحياء، فهي الولادة النبوية لا الولادة البشرية. وأنه لمن أوجب الفروض إحياء هذه الذكرى في قلب المؤمن ونفسه وبيته ومتجره ومصنعه ونظام معيشته وإدارة شئونه العامة والخاصة.
وإن من أقوى أسباب سعادة الأمة أن تحيي هذه الذكرى في حكومتها ونظامها وإدارتها وقضائها؛ وملكها وجميع شئونها الاقتصادية والسياسة والدولية. ولن يكون ذلك الإحياء بالاحتفال يوما معينا أو ليلة واحدة من السنة. لا وإنما يكون ذلك في كل وقت ولحظة؛ وفي كل عمل وشأن، تبقى هذه الذكرى النبوية ألزم للإنسان من طعامه وشرابه؛ لا تبرح قلبه ولا تخرج من نفسه، لتكون هي المقومة لعمله، والمهذبة لخلقه، والهادية له في شئونه كلها إلى الصراط المستقيم وطريق الرشاد القويم.
هذه الذكرى الروحية تتصل بالروح والأخلاق والآداب لا بالظواهر الفارغة من شموع تضاء وخيام تنصب، ،وطبول وزمور. فإن هذه الولادة الروحية تمقت أشد المقت تلك المظاهر الفارغة.
ولقد وفق الصحابة والتابعون والأئمة المهتدون وسلفنا الصالحون رضي الله عنهم إلى الانتفاع بهذه الذكرى المجيدة، وأحلوا من نفوسهم المحل الأرفع إيمانا، وهداية، إطاعة لله ولرسوله وأخلاقا كريمة، وشدة على الكفار وتراحم بينهم، وركوعا وسجوداً وأمرا بالمعروف ونهياً عن المنكر، وعدلا وإنصافا، وصدقا وبرا. فكانوا بهذه الذكرى خير أمة أخرجت للناس.
وأعرضوا كل الإعراض عن ذكرى الولادة البشرية، فلم يحتفلوا لها ولم يقيموا لها وزنا. لأنهم يعلمون أن في شهر ربيع الأول كانت الولادة البشرية. وفيه كانت الوفاة البشرية. فأي الحادثتين يذكرون؟ أما الولادة الروحية فلم تنقطع ولم تقبر، ولن تقبر، حتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. ولا يزال فضلها وخيرها يعم أهل الأرض غضاً طريا كأول شأنها في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم البشرية.
والذكريات تحفز المحتفل إلى تعرف خصائص ومزايا هذه الذكرى. وتحضه على البحث والتنقيب على ما امتاز به المحتفل بذكراه واختص به عن غيره. وتدوين تلك المزايا ونشرها وبثها في الذكرى وفي الناس ليكون لهم منه قدوة نافعة، وأسوة حسنة والمذكر يجتهد في أن يصور تلك الذكرى بأقصى ما يستطيع وأروع ما يقدر ليكون لها في النفوس الأثر الذي يريده.
فالصحابة والسلف الصالح رضي الله عنهم لشدة حرصهم على ذكرى الولادة النبوية الروحية يبذلون أقصى ما يستطيعون في حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفة أخلاقه النبوية، وآدابه الرسولية، وينشرونها في الناس، ويتحملون في سبيل نشرها في نواحي العالم أشق الجهود وأبعد الأسفار. وما زالوا كذلك يفعلون حتى ملأوا الأرض بالهدى النبوي وعمت رحمة الله في مشارق الأرض ومغاربها، بفضل أولئك الذين كانوا يعرفون محمدا رسول الله، لا محمدا البشر العربي. ويعرفون رسالته، لا جسمه ويعرفون نور هداية نبوية وإشراق صحيفة ملية، لا نور عينيه، لا بياض وجهه وخديه.
ثم أتى من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات. وعميت بصائرهم عن ذكرى النبوة، فدس لهم أعداؤهم من اليهود والنصارى فتنة الاحتفال بذكرى البشرية وعظموها في نفوسهم، وشغلوهم بها كل الانشغال حتى لتكاد تعتقد أنها عندهم كل شيء. فيتكلفون لها الأمور التي لا تعرف. ويتحدثون عنها، ويؤلفون فيها ما لا يرضاه مسلم عاقل عن نبيه صلى الله عليه وسلم فمن قصائد تشبيب وغزل، ومن وصف لحمرة خديه؛ وسواد عينيه، وطول أهدابه، ووصف لفمه ولبطنه، ولكذا وكذا. وتفننوا ما اشتهت نفوسهم المنحطة في وصفه صلى الله عليه وسلم حتى ليظن السامع والقارئ أنهم إنما يصفون امرأة حسناء، لا نبياً هو أفضل خلق الله وأشرف رسل الله، ولا إماما هو خير الأئمة شجاعة ومروءة وكرم أخلاق وسخاء نفس، ولا مجاهدا في سبيل الدعوة إلى الله. كان أكمل الأمثلة الصالحة للمجاهدين الصابرين المحتسبين الذين لا يخطر لهم ببال حظ أنفسهم ولا شهوة هواهم، وإنما ملك نفسه حب الله وحب دين الله، وحب الخير للناس أن يكونوا محبين لله ومحبين لدين الله ومهتدين بهدي الله.
فما أسمج تلك القصص التي يسمونها "موالد" وما أبعدها عن دين الله، وما أعظم شرها في تذكير الناس برسول الله، وما أشدها فتكًا بدين الله، وما أقبحها في تنفير الناس من محمد رسول الله الهادي إلى سواء السبيل، وتعشيقهم لمحمد الحلو الجميل أحمر الخدود، وأسود العيون، وممشوق القد، ونحيل الخصر. بئسما صنعت وتصنع؛ وبئسما كانوا يصنعون.
لمثل هذا يذوب القلب من كمد 
إن كان في القلب إسلام وإيمان 
قال ابن إسحاق: فشب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلؤه الله ويحفظه، ويحوطه من أقذار الجاهلية لما يريد من كرامته ورسالته حتى بلغ أن كان رجلا أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا وأكرمهم حسبا وأحسنهم جوارا، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً وأعظمهم أمانة وأبعدهم عن الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزها وتكرما حتى سماه قومه الأمين.
وذكر أبو نعيم في دلائل النبوة؛ وغيره من أهل السير والتاريخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال "حدثتني أم أيمن - حاضنة رسول الله صلى الله عليه سلم قالت: كان لقريش صنم تحضره وتعظمه؛ وتنسك له النسائك - أي تذبح له الذبائح- ويصنعون له الطعام كما يصنع الناس اليوم في الموالد من ذبائح وأطعمة - ويحلقون رءوسهم عنده، ويعكفون عنده يوما إلى الليل. وذلك يوم في السنة. وكان أبو طالب يحضره مع قومه، وكان يكلم رسول الله أن يحضر ذلك العيد مع قومه، فيأبى رسول الله. حتى رأيت أبا طالب غضب عليه أسوأ الغضب فيقول: إنا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتنا؛ وجعلنا نقول: ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيداً، ولا تكثر لهم جمعاً قالت: فلم يزالوا به حتى ذهب؛ فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع إلينا مرعوبا. فقلن عماته: ما دهاك؟ قال: إني أخشى أن يكون بي لمم. فقلن: ما كان الله عز وجل ليبتليك بالشيطان. وفيك من خصال الخير ما فيك. فما الذي رأيت قال: إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد، لا تمسه. قالت أم أيمن: فما عاد إلى عيد لهم".
لقد كان هذا في طفولته صلى الله عليه وسلم، فأبى عليه ربه أن يحضر لهم عيداً (مولداً) من موالدهم، ولا أن يشاركهم في شيء من اجتماعاتهم التي كانوا يحيون بها ذكرى أوليائهم. وبغض الله إلى قلبه أشد البغض تلك الأعياد والموالد الجاهلية التي صرفت الناس عن الله وعبادته إلى أولئك الموتى تعظمها من دون الله وتفزع إليها وتتمسح بما نصب على قبورها. كما بغض الله إليه كل ما كانوا فيه من فسوق ومعاص، ورذائل ونقائص، حتى شرفه الله وشرف الأرض برسالته؛ فكان قد تمكن منه بغض تلك الأعياد والموالد، وانجلى له كل الانجلاء ما كان لها من أسوأ الأثر في إفساد القلوب والعقائد؛ وأنها ما تقام إلا لمحادة الله والكفر به، وما يقصد منها إلا جر المغانم لأولئك الدجالين الطغاة الذين استعبدوا الناس واستولوا على قلوبهم فأفسدوها باسم أولئك الموتى؛ وموالدهم وأعيادهم.
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرب هذه الأعياد أشد قيام، وجاهد الدعاة إليها من سدنة أولئك الموتى أشد جهاد، وما زال حتى طهّر الأرض منها؛ ونكس أعلامها وقشع عن القلوب غياهبها وظلماتها. وعرف الصحابة بنور العلم النبوي فساد ما كانوا فيه وضلاله وشقائه، فعاونوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إبطاله أعظم المعاونة ونصروه عليها وعلى المفتونين بها أعز نصر.
ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف من طباع الأمم وتحولها عن دين الحق ما رأى في اليهود والنصارى وقريش. ويزيده الله تعالى بذلك علما. ويخشى على أمته أن تتردى في مثل ما تردى فيه أولئك المرتدون. ويعلم الله أن أهل الكتاب لا بد أن يحاولوا رد كثير من المسلمين عن دينهم إن استطاعوا. وسيبذلون في ذلك كل ما يستطيعون. علم ذلك كله رسول الله صلى الله عليه وسلم. فحذر أمته أشد التحذير من تلك الفتنة وخوّف أشد التخويف من دسائس أهل الكتاب، وأعطانا سلاحا قويا ندفع به عن أنفسنا كيد أعداء الأنبياء من شياطين الجن والإنس. ذلك هو القرآن الذي تولى الله تعالى بنفسه وضمن حفظه. والسنة المطهرة التي تركها فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. من تمسك بهما فلن يضل ولن يشقى ومن أعرض عنهما فإن له معيشة ضنكا. قال صلى الله عليه وسلم "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي" وقال "وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي. تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ" وإياكم ومحدثات الأمور. فإن كل بدعة ضلالة وقال "لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" وقال "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القُذّة بالقذة".
كل ذلك يدلنا دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حذرا أشد الحذر على أمته من الافتتان بما سيوحيه شياطين الجن والإنس من زخرف القول وغروره، رداً لهم عن دينهم، وإرجاعا لهم إلى الكفر بعد إذ أنقذهم الله منه. وبين لنا أن سبيل الشيطان إلى فتنة النصارى وغيرهم هي بعينها سبيله إلى هذه الأمة. وأن علينا أن ننظر في أصل كفر هؤلاء، وما أدى بهم إلى عداوة عيسى بن مريم وغيره من الأنبياء. لنعرفه فنتقيه ونعلمه فنحذره. فإن جهلنا ذلك. وقلنا: إن النصارى وغيرهم كفروا لأنهم يهود ونصارى لا لأنهم غلوا في عيسى، ولا لأنهم شرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله واتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ومعابد، واتخذوا لها الأعياد والذكرانات، ولا لأنهم وضعوا في أعناقهم أغلال التقليد الأعمى لقسيسيهم ومطارنتهم ورهبانهم. وأن قاعدتهم وعمدتهم في الدين والعمل "حطها في رقبة عالم واطلع سالم".
إذا جهلنا ذلك ولم نتبينه حق التبين وقعنا فيه شراً مما وقعوا، واتخذناه نحن كذلك على مثل ما اتخذوه، عملا صالحا وقربة إلى الله، وخيرا نافعا. ولا يزال ذلك حتى يملك علينا قلوبنا ويصبغها بصبغة الهوى والفتنة، فتنعكس فطرتها وتنقلب حقيقتها فترى المنكر معروفا والمعروف منكرا، والصالح باطلا والباطل صالحا، وأهل الخير والهدى أهل ضلال، وأهل الضلال والزيغ أهل الخير والهدي. وحينئذ يعمنا الله بعذاب من عنده وتحق علينا آية ï´؟ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ï´¾ [المائدة: 78].
ومن أجل هذا كله نجد القرآن الكريم قد كشف عن أحوال هؤلاء الكفار والمشركين وأسباب كفرهم وأعمال شركهم أتم كشف وكذلك السنة المطهرة، لنأخذ العبرة ولنتقي ذلك ونحذره.
ومع هذا فقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلك الأعمال الجاهلية والأعياد الشركية نصاً صريحاً لا يقبل التأويل، ولا يصرفه عن مراده ومقصده إلا مشاق لله ولرسوله، ومتبع غير سبيل المؤمنين، فقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" قالت عائشة "يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره" وقال "لا تتخذوا قبري عيدا" وقال "لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والموقدين عليها السرج".
وقال أبو الهياج الأسدي: "بعثني علي رضي الله عنه وقال: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تجد قبرا مشرفا إلا سويته، ولا تمثال إلا طمسته" وقال غير ذلك كثيرا، ولكن الناس اليوم غلبت عليهم اليهودية والنصرانية والجاهلية، فطرحوا كل هذا وراء ظهورهم واتبعوا ما شرعه لهم يهود هذه الأمة ورهبانها وقساوستها من تلك الأعياد التي لم يأذن الله ولا رسوله بها، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله؛ يحلون لهم ما حرم الله، ويحرمون عليهم ما أحل الله، وبنوا على القبور المساجد ونصبوا عليه الستور، ووضعوا عندها صناديق النذور، واحتفلوا لها بالأعياد السنوية كل ذلك مضاهاة للمشركين الأولين، وإماتة لسنة وشرعة سيد المرسلين.
وزين لهم شياطين الجن والإنس ذلك بما أوحوا إليهم من زخرف القول: بأن ذلك تعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيم لآل بيته وحب له وحب للصالحين. وكذبوا. فوالله ما هو إلا تعظيم للشرك والمشركين، وحب للشيطان وحزبه الخاسرين، وإلا فهل كان هؤلاء المفتونين الجاهلون الضالون في آخر الزمن الذي يبيعون دين الله بأخس الأثمان؛ ويشترون بآيات الله ثمنا قليلا أعرف بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يعظمه من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة والتابعين والأئمة المهتدين رضي الله عنهم. وهم أحرص على حب الله والرسول من هؤلاء المؤمنين الصادقين؟ كلا والله وألف مرة كلا.
فما بال هؤلاء السلف أعرضوا عن تلك الأعياد. وعن تلك الأنصاب والقباب؟ بل ما بالهم كانوا يحاربونها، ويهدمونها ويطهرون الأرض منها؟ والله ما هي إلا القلوب التي طبع الله عليها. فأبغضت سنة رسول الله وحاولت إطفاء نور الله. وبذلت في ذلك الأموال لتبلغ غايتها. وتحيي ما أمات الله وتميت ما أحيا الله وما كانت تلك القلوب الخبيثة المجرمة إلا قلوب الإسلام من اليهود والنصارى ومجوس الفرس، لبسوا للناس ثوب الإسلام الظاهر، حين رأوا أن ثوب الحرب لم يفدهم شيئاً. مع استمساك المسلمين بحبل الله المتين وعروة الله الوثقى.
فأعملوا في القلوب والعقائد سلاح بدعهم وأباطيلهم حتى ظفروا واستعمروها وتمكنوا مناه، فخربت من ذكر الله، ومن دين الله ومن نور الله. فصرفوهم على أهوائهم كما يشاءون ولعبوا بهم كما يريدون، وأذلوهم بعد العزة، واستبدوا بعد ذلك في الديار والأموال، بعد ما استعبدوا القلوب والنفوس ببدعهم وضلالاتهم، ورحم الله مالك بن أنس رضي الله عنه إذ قال: "والله لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها".
هذه بدعة الأعياد الجاهلية باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منها بريء، بأبي هو وأمي وباسم آل بيت رسول الله؛ وهم منها برآء. وهذه بدعة القباب ورفع القبور باسم آل بيت رسول الله وهم منها برآء. هذه البدع كلها: أول من ابتدعها الدولة اليهودية المجرمة الخبيثة الفاسدة المفسدة، دولة العبيديين المتسماة كذبا وزورا وخداعا وتغريراً باسم "الفاطميين" وهم برآء من فاطمة الزهراء عليها السلام. وهي بريئة منهم. هم أول من أحدث قبة على القبر الذي بنوه بالقاهرة باسم الحسين رضي الله عنه والحسين بريء منهم ومن قبرهم، وزعموا كذبا أنهم أحضروا رأسه الشرف من المدينة إلى ذلك القبر، ليموِّهوا على الدهماء والعامة، وكذبهم التاريخ، ولا يزال رأس الحسين رضي الله عنه بالمدينة لم يخرج منها، وليس في القبر إلا هواء، كما أن أفئدة العاكفين عنده والمعظمين له والطائفين به وعابديه، هواء في هواء.
ثم أول مولد أحدثه هؤلاء العبيديون الملاعين باسم الحسين رضي الله عنه. وكانوا يزخرفون هذا المنكر بكثرة ما يذبحون من الذبائح وما يطعمون من الطعام، وما يخلعون من الخلع ومن الأموال يشترون بها ذمم الذين باعوا دينهم في سوق الدنيا لأولئك المجرمين؛ واشتروا الحياة الدنيا بالآخرة. وكانوا يقيمون من الألعاب واللهو ما يفتنوا به العامة. وكانوا مع هذه الدعوة في حب الحسين وآل الحسين يسبون أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - على المنابر والمآذن عقب الخطب والآذان؛ ويصلون على الشيطان الذي يتسمى بأم الخليفة المذل لدين الله، والهادم لشرعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قبحهم الله وأذاقهم من عذابه وشديد عقابه ما هم له أهل.
وليس هذا من أولئك اليهود عجباً. فهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، وإنما العجب أن يقلدهم في ذلك من ينتسب إلى الإسلام، ويترك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته واتباع علي رضي الله عنه وآل بيته. هل يستطيع أحد أن يدعي أن علياً أحيا مولداً للنبي صلى الله عليه وسلم؟أو أن الحسن أو الحسين أو أحد أولاد علي رضي الله عنهم أحيوا مولداً لأبيهم؟ وهل يستطيع أحد أن يقول: إن الحسن أو الحسين رضي الله عنهما بنوا على قبر أبيهما قبة، ووضعوا عليه مقاصير النحاس المفضضة وستروه بأستار الحرير وأضاءوا عنده الشموع والسرج.
أليس هذا من أعجب العجب، أن يكون علي رضي الله عنه هو الذي وظفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هدم القبور العالية وتسويتها بالأرض، وطمس الأنصاب وإزالتها، ثم يجيء المجرمون فيقيمونها باسم علي وأولاد علي؟ اللهم إني أشد أن هذا أفجر الفجور، وأفحش الفحش، وأشهد أن علياً وأولاد علي رضي الله عنهم مبرأون من كل هذه القباب والمقاصير والأعياد والموالد الشركيات الجاهلية؛ وأنهم لو بعثوا اليوم لكانوا أول من يهدمها ويحارب المعظمين لها والمحتفلين بها. ومهما زعموا زوراً وبهتانا أنهم أشد الناس حباً لعلي وأولاده؛ فهم في الواقع الذي ينطق به القرآن والسنة وتنطق به سيرة علي أولاده: أعداء علي وأعداء أولاده، وأعداء الله وأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عن أهل بيته.
ووالله أن ذلك الحب المزعوم؛ ما يتخذه أولئك السدنة الدجالون إلا شبكة يصيدون بها العامة والدهماء ليأكلوا أموالهم بالباطل. ولو أنه أغلقت هذه الصناديق وأزيلت تلك القباب، و أبطلت تلك الأعياد. وانقطع مورد السحت الذي يملؤون به بطونهم. لو وقع هذا ما فكروا في علي ولا في أولاد علي، ولا في أحد من أولئك الموتى الصالحين؛ ولا خطر لهم في ذلك ببال، وهو لم يخطر لهم اليوم ببال، وإنما هو الدجل الذي كان يتأكل منه رهبان النصارى وأحبار اليهود باسم أنبيائهم وصالحيهم، وطريقة واحدة سلكوها، وشبكة واحدة أتقنوا صنعها؛ وإنا لله وإنا إليه راجعون.
هذا ولم يزل علماء الإسلام ومصابيح الهداية الذين لم يستطع العبيديون ولا غير العبيديين أن يشتري ضمائرهم ولا ذممهم بمهما كان من مال أو وظيفة أو رياسة أو دنيا، ولم تجد زخارف الشيطان إلى قلوبهم سبيلا؛ ولا يزال يشع في قلوبهم نور الإيمان والعلم النبوي؛ ولا تزال نفوسهم حية قوية الحياة بروح القرآن وهدايته. لم يزل أولئك العلماء المهتدون، لا يزالون قائمين على الحق؛ واقفين لحزب الشيطان بالمرصاد، أخذوا عدتهم وادرعوا السنة المحمدية ورفعوا سيف القرآن على عنق البدعة وأهلها، يعرضون بها في كل وقت وينادون بها في كل مجتمع وبلد؛ ويصبرون على ما ينالهم من أذى ألسنة المبتدعين وأيديهم، يقتدون برسول الله وإخوانه الأنبياء ï´؟ ولا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ï´¾ [الأنعام: 34] يقولون كلمة الحق عالية مهما آذت الخرافيين؛ ويصكون في وجوههم بسيرة السلف الصالح، وإن كانوا لها كارهين؛ لا يثنيهم عن ذلك تشنيع دعاة البدعة، عمى الأبصار والبصائر، ولا يهمهم ما يشيعونه عنهم من بهتان مبين، ولا يعبأون بما يزخرفون على الدهماء والعامة من أن فلانا يكره رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يمنع من إقامة المولد له، ويبغض الحسين وآل البيت رضي الله عنهم لأنه يكره ما أقيم على قبورهم من أنصاب وأوثان، وما يفعله أمثال الأنعام، عندها من دعاء للمقبور واستغاثة به، تقبيل للأحجار والمقاصير وتمسح بها وطواف حولها. كل ذلك التشنيع والتهويش لا يعبأ به أنصار سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا يعيرونه من نفوسهم أدنى التفات، ولا يزيدون على ï´؟ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ï´¾ [آل عمران: 119].
لا يزال أولئك العلماء يقومون لله ولرسوله بدفع هذه البدع وتحذير الناس منها في كل زمان ابتغاء وجه الله، لا يريدون من الناس جزاء ولا شكوراً؛ ولا يخافون في الله لومة لائم.
فمن أولئك العلماء الأجلاء الذين أنكروا بدعة مولد النبي صلى الله عليه وسلم:
الإمام أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي من أئمة العلماء بالمغرب، وشارح كتاب الموطأ. أحد شيوخ الإمام ابن عبد البر الأندلسي. توفي سنة 494. وقد سئل عن بدعة المولد فقال رحمه الله، ورحمنا معه:
لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين، بل هو بدعة أحدثها البطالون؛ وشهوة نفس اعتنى بها الأكالون؛ بدليل أنا إذا أدرنا عليه الأحكام الخمسة، قلنا: إما أن يكون واجباً، أو مندوبا، أو مباحا، أو مكروها، أو محرما. وليس هو بواجب إجماعاً ولا بمندوبا، لأن حقيقة المندوب ما طلبه الشرع من غير ذم على تركه، وهذا لم يأذن فيه الشرع ولا فعله الصحابة ولا التابعون ولا العلماء المتدينون فيما علمت.
وهذا جوابي عليه بين يدي الله تعالى إن سئلت عنه.
ولا جائز أن يكون مباحا، لأن الابتداع في الدين ليس مباحا بإجماع المسلمين.
فلم يبق إلا أن يكون مكروها أو حراما، وحينئذ يكون الكلام فيه في فصلين.
والتفرقة بين حالين:
إحداهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله ولا يجاوزون في ذلك الاجتماع أكل الطعام، ولا يقترفون شيئا من الآثام؛ وهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة. إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، وسرج الأزمنة، وزين الأمكنة.
والثاني أن تدخله الجناية؛ وتقوم به العناية؛ حتى يعطي أحدهم السحت ونفسه تتبعه وقلبه يؤلمه ويوجعه؛ لما يجد من ألم الحيف. وقد قال العلماء: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لاسيما إذا انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد والنساء الفاتنات؛ أو مختلطات بهم أو متشرفات، والرقص بالنثنى والانعطاف؛ والاستغراق في اللهو، ونسيان يوم المخاف. وكذلك النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد غافلات عن قوله تعالى ï´؟ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ï´¾ [الفجر: 14].
وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، لا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يحلو ذلك لنفوس موتى القلوب وغير المستقلين من الآثام والذنوب. وأزيدك أنهم يرونه من العبادات؛ لا من المنكرات والمحرمات، فإنا لله وإنا إليه راجعون "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ".
أما بعد فليس تلك الملاهي والمفاسد التي تقام باسم النبي صلى الله عليه وسلم، وليس ما يعمله أهل الطرق الصوفية من رقصهم وغنائهم، وألاعيبهم التي يضيعون لأجلها الصلوات، ويهتكون بها المحرمات، ويشاقون بها الله والرسول. ليس شيء من ذلك مما يحبه الله والرسول، ولا كان يدعو إليه الرسول؛ وإنما كان من أشد ما ينهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم.
وإنما إحياء ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم - كما قلنا - بإحياء العمل بسنته، واتباع دينه والوقوف عند حدوده، لا بتلك المهازل التي تدمي قلب الإسلام، وتصيبه في الصميم، من فسوق وفجور وسفه وطيش؛ وبدع وخرافات.
وأن أفضل ما تحيي به ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الظروف الحاضرة إمداد فلسطين الدامية، ومساعدتها بكل ما يستطيع ويملك المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وعلى الأخص مصر، وأولى ثم أولى من تلك الملاهي والأنوار الكهربائية والألعاب التي تذهب فيها أموال طائلة إلى جيوب الإفرنج - أن تدفع هذه الأموال مساعدة لفلسطين، ولأيامها وأيتامها، تسد رمقهم، وتبل حشاشتهم التي أحرقتها اليهود وأعوانهم.
وإنا لنرجو الرجاء كله في عصر جلالة مولانا الملك الصالح التقي فاروق الأول أدام الله نصره وتوفيقه ورعايته - أن تمحي هذه البدع والأعياد الجاهلية؛ وأن تؤخذ الأمة بالشدة والقوة إلى الصراط المستقيم الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى الله تعالى به في قوله ï´؟ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾ [الأنعام: 153].
وعلى رأس العلماء اليوم رجل الإصلاح الإسلامي الأستاذ الإمام الشيخ محمد مصطفى المراغي، الذي قد أصدر أمره بتأليف لجنة لبحث البدع وأمراضها وبحث علاجها والسبيل إلى إنقاذ الناس منها. لعل هذه اللجنة توفق سريعا إلى إنقاذ الناس من هذه المصائب والطوام التي سخر منا العالم بسببها، وتعمل سريعا على إنقاذ ذكرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك العورات التي شوهتها، وصورت هذه الذكرى أسوأ صورة في نفوس العامة والجمهور.
وفق الله الجميع لحب الرسول صلى الله عليه وسلم وحب سنته ودينه حباً صادقا، لا حبا كاذباً.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|