إنَّ المربي المحنَّك هو الذي يجتَمِع بالشَّباب قبل زِيارة زَمِيلهم لهم، ويَقُوم بتَحذِيرهم من مثْل هذه الأمور مع التَّأكِيد عليهم بأنهم عرضة للوُقوع في مثْل ما وقَع به، ويُؤكِّد عليهم الابتعاد عن:
1 - التكلُّف والتصنُّع عند الاستِقبال، وإعطاء الأمر أكبر من حجمه الطبيعي.
2 - طرْح الأسئلة الاستِفساريَّة عن غيابِه وعن أيَّامه الماضية ماذا صنَع بها.
3 - حبَّذا لو تَمَّ اختِيار البرنامج المُناسِب عند عودته لوضْعه كشابٍّ، وأضرب على ذلك أمثلة:
1 - إنْ كانت العودة قد ظهرتْ منه بدون إلحاحٍ ولا ضغطٍ، بل جاءتْ من رغبةٍ صادِقَة منه، وتوبةٍ ظاهرها الصدق، وهو قد عُرِف بالجد، فاقترح أن يعود وفق برنامج قوي؛ كحفظ القرآن، أو درس علمي، أو الذهاب لحضور محاضرة، أو لقاء مع أحد أهل العلم... إلخ.
2 - إنْ كانتْ عودته مُتزَعزِعة وضعيفة من المُناسِب أنْ تكون عودته في وقت استجمام عند الشباب وترويح عن النفس؛ حتى يشعر بلذَّة الجانِب الترويحي مع الرفقة الطيِّبة والصُّحبة الصالحة، وحتى يشعر بقيمة ما فقَدَه في فترة ابتِعادِه عنهم، ولا حرج على الشباب أن يمرَحُوا ويفرَحُوا أو يستَجِمُّوا بما أحلَّ الله، وكما قال أبو الدرداء - رضِي الله عنْه -: إنِّي أستجمُّ ببعض الباطل ليكون أنشط لي في الحق[69].
ولا يقصد هنا اللهو الباطل المحرَّم، فحاشاه أن يقصد ذلك، بل يقصد اللهو المباح، والذي يسمَّى باطلاً كما جاء في الحديث: ((كلُّ ما يلهو به الرجل المسلم باطلٌ، إلا رمية بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهنَّ من الحق))[70].
إذا كان هذا الصحابيُّ الجليل يُمارِس اللهوَ المباح من أجل إراحة نفسِه ودفعها للجدِّ من باب أَوْلَى من عداه.
إنَّ عودة الشابِّ ضعيف التديُّن في وقت رحلة ترفيهيَّة أمرٌ في غاية الفائدة له.
القسم الثاني: الموقف في التعامُل من الزيارة المفاجِئَة التي قام بها المنتَكِس لزملائه من غير ترتيبٍ مسبق، ولا توقُّع لمثْل هذه الزيارة.
إنَّ بعض المنتَكِسين قد يَعُودون من تِلقاء أنفسهم بدون إشعارٍ مسبق، أو دعوة وُجِّهت له، أو زيارة مُرتَقَبة، بل جاءتْ من مُبادَرة من تِلقاء نفس الشابِّ بالعودة إلى زملائه، وهنا من المناسب أن يكون الاستِقبال له استِقبالاً حارًّا، مع عدم مساءلته أو فتح أيِّ حوار عمَّا مضى، بل يكون تَرحِيبًا مع القِيام لاستِقباله ومُعانَقته حتى يظلَّ أثره على نفْس الشاب طيِّبًا، وحتى يعرف قيمة الوفاء عند الشباب.
إنَّ الفرح بتوبة الشابِّ وعودته إلى الرفقة الصالحة أمرٌ محمود وأثَره على العائد طيِّب، بل هذا كعب بن مالك - رضِي الله عنْه - يحدِّث بعد فترة عن أثَر قيام طلحة بن عبيدالله - رضِي الله عنْه - له عند توبة الله عليه بعد قبولها؛ فيقول: "انطلقت إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فتلقَّاني الناس فوجًا فوجًا، يُهنِّئوني بالتوبة يقولون: هنيئًا لك توبة الله عليك، حتى دخلتُ أسجد، فإذا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - جالس حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيدالله يهرول حتى صافحني وهنَّأني، والله ما قام إليَّ رجلٌ من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة"[71].
فانظر إلى أثَر استِقبال طلحة على قلب كعب وتأثيرها على مشاعره، فالشباب من باب أَوْلَى.
• • •
الخاتمة
وفي الختام أدعو جميعَ الشباب أن يقرؤوا منهج الصحابة في التعامُل مع الشائعات من خِلال منهجهم في التعامُل مع حادِثَة الإفك التي انتَشَر خبرُها بين الآلاف من الصحابة ولم يصدقها أحدٌ منهم، وإنما رَوَّج لها ثلاثةُ نفرٍ نالوا عِقابَهم، في حين رفض بقيَّة الصحابة مجرَّد المناقشة في هذه القضيَّة، وذبُّوا عن عرض عائشة - رضِي الله عنْها - بما فيهم ضرَّتها زينب بنت جحش - رضِي الله عنْها - مع أنَّ وقوع الضرَّة في عرض ضرَّتها أمرٌ مُتوقَّع، ولكنَّ زوجةَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - زينب - رضِي الله عنْها - أثنتْ على عائشة - رضِي الله عنْها - ورفضتْ أن تصدق مثل هذا الخبر عنها، فكانت مدرسة على أبناء الأمة أن يستفيدوا منها، فكانت هذه الحادِثَة مَنهَجًا على المؤمِن أن يستَفِيد منها في كيفيَّة التعامُل مع الشائعات.
ـــــــــــــــ
[1] هذه المقدمة كتبها الإمام ابن حبان في مقدمة "صحيحه"، انظر ص 100 في النسخة المحقَّقة.
[2] "الاعتصام" ( 1/ 130) وهامشها رقم (4).
[3] انظر: "مجموع الفتاوى" ( 28/ 206، 207).
[4] أخرجه أحمد في "المسند" حديث رقم (1737)، والترمذي في "السنن" (2318)، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (2/ 531)، وحسَّنَه شعيب لشواهده؛ انظر: "الموسوعة الحديثيَّة لمسند الإمام أحمد" ( 3/ 258).
[5] انظر: "في ظلال القرآن" عند تفسير الآية 15 من سورة النور.
[6] أخرجه أبو داود حديث رقم (5/ 254)، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود" رقم (3/ 4972)، وانظر: "الصحيحة" (2/ 548).
[7] رواه البخاري في "صحيحه"، كتاب الإيمان حديث رقم (10)، ومسلم حديث رقم (40).
[8] أخرجه البخاري، كتاب الرقاق باب حفظ اللسان رقم (6477)، وأخرجه مسلم (2988).
[9] "فتح الباري" (11/ 308).
[10] انظر: "التثبت والتبين في المنهج الإسلامي" ص: 102.
[11] "تفسير القرآن العظيم" 3/ 303.
[12] "تفسير السعدي" 5/400.
[13] "جامع العلوم والحكم" 2/ 292.
[14] "جامع العلوم الحكم" 2/ 292.
[15] "غذاء الألباب" 1/265.
[16] "زاد المسير" 7/471.
[17] "روح المعاني" 14/236.
[18] أخرجه أبو داود حديث رقم (4880)، وأخرجه أبو يعلى في "مسنده" 3/ 237 رقم (1675)، والبيهقي في "الجامع لشعب الإيمان" 17/152 (9213)، واللفظ له، وقال محقِّق "الشعب": إسناده صحيح، كما صحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" برقم (7861)، وفي "الصحيحة" حديث رقم (2064).
[19] أخرجه ابن ماجَهْ حديث رقم (2546)، وأخرجه المنذري في "الترغيب والترهيب" وقال: إسناده حسن، (3/ 239)، الجزء الأول من الحديث عند أبي داود (4893) من حديث ابن عمر، وبعض الحديث عند مسلم (2699) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنهم - وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن ابن ماجه".
[20] أخرجه البخاري في كتاب المظالم، باب لا يظلم المسلم مسلم حديث رقم (2442)، وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم حديث رقم (2580).
[21] "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج" (شرح النووي) 1543 في كتاب البرِّ والصلة، باب تحريم الظلم عند شرح الحديث رقم 2580.
[22] انظر: "صحيح مسلم" حديث رقم 2699 في كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر.
[23] انظر: "فتح الباري" 6/ 262.
[24] رواه الطبراني في "الأوسط" (2337)، وقال الألباني: صحيح لغيره، في "صحيح الترغيب والترهيب" (2337).
[25] انظر: "سنن أبي داود" في كتاب الأدب حديث رقم (4888 )، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود" 3 /199.
[26] أخرجه أحمد في "المسند" 36/ 218 حديث رقم (21891)، وأخرجه أبو داود حديث رقم (4377)، وقال شعيب في "الموسوعة": صحيح لغيره 36/ 218، وقوله: "فخدَعَه هزَّال" لأن هزالاً كان يعلَم حدَّ الزنا، ويدري أنَّه إذا ذهب إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - سيُقِيم عليه الحد.
[27] أخرجه أحمد في "مسنده" 36/ 220 حديث رقم 21893 وقال شعيب: صحيح لغيره؛ انظر: "الموسوعة" 36/ 220.
[28] أخرجه أحمد في "المسند" حديث رقم (21895)، والحاكم في "المسند" رقم (8080)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافَقَه الذهبي، انظر: "المستدرك" 4/ 403، وقال شعيب في "الموسوعة": صحيح لغيره 36/ 221، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع" 799.
[29] أخرجه البغوي في "شرح السنة" 10/ 283.
[30] أخرجه عبدالرزاق في "مصنفه" برقم 20267، والبيهقي في "شعب الإيمان" برقم 6264، وقال محقِّق "الشعب": إسناده حسن 12/ 80.
[31] أخرجه البغوي في "شرح السنة" 13/ 137 برقم 3559، وعبدالرزاق في "المصنف" برقم 20266، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم 6265، وقال المحقق: إسناده منقطع، 12/ 80، 81.
[32] أخرجه عبدالرزاق في "المصنف" 10/ 227.
[33] أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب بشارة مَن ستر الله - تعالى - عليه في الدنيا بأنْ يستر عليه في الآخِرَة، حديث رقم (2590).
[34] "مكارم الأخلاق"؛ للحزنقي ص 495.
[35] المرجع السابق: ص 502.
[36] "الزهد"؛ لوكيع 3/ 768.
[37] انظر: "سنن أبي داود" حديث رقم (4890)، و"المصنف"؛ لعبدالرزاق (18945)، و"سنن البيهقي" 8/ 224، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن أبي داود" 3/ 199.
[38] أي: المرضعة غير ولدها.
[39] رواه البيهقي في "شعب الإيمان" 17/ 154 (9215)، وقال المحقِّق: إسناده حسن.
[40] وجميع هذه الروايات ثابتة كما مَرَّ معنا، انظر: المسنَد الأحاديث الآتية: رقم (21891)، (21892)، (21893)، وأخرجه النسائي في "الكبرى" مختصرًا (7279)، والطبراني في "الكبير" 12/ 531، والبيهقي في "الجامع" 17/ 144 برقم (9206)، والحاكم في "المستدرك" وصحَّحه، ووافقه الذهبي، انظر: 4/ 361، وصحَّحه شعيب، انظر: "الموسوعة الحديثية" 36/ 215 - 221، وصحَّحه محقِّق "الشعب" 17/ 47.
[41] انظر: "الجامع لشعب الإيمان" 17/ 155.
[42] أخرجه الترمذي في حديث رقم (3657) وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" 1/ 157 حديث 555.
[43] انظر: "الأذكار"؛ للنووي ص 258، و"تحفة الأحوذي" 9/276، و"فيض القدير" 1/ 451.
[44] انظر: "الجامع لشعب الإيمان" 12/ 87 برقم 6272.
[45] أخرجه عبدالرزاق في "المصنف" 11/179 برقم (20266)، والطبراني في "المعجم الكبير" 9/ 110 برقم (8574)، وابن المبارك في "الزهد" 1/ 313، والبيهقي في "شعب الإيمان"، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" 4/ 205، وقد سبَق أنْ مَرَّ معنا.
[46] أخرجه عبدالرزاق في "المصنف" 11/ 180 برقم (20267)، وأبو نعيم في "الحلية" 1/ 227، والبيهقي في "شعب الإيمان" برقم 6264، وقال المحقِّق لـ"جامع شعب الإيمان": إسناده: رجاله ثقات 12/80.
[47] انظر: "الجامع لشعب الإيمان" 20/362 رقم (10684).
[48] أخرجه مسلم كتاب الذكر والدعاء، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب حديث رقم (6864).
[49] أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" 12/80 برقم (6263)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" 4/98، والسيوطي في "الدر المنثور" 7/ 270 - 271، وأورده ابن كثير في بداية تفسير سورة غافر، تفسير الآية الثانية 7/ 3064.
وقال محقِّق "الشعب": إسناده حسن، انظر: "الشعب" 12/80.
[50] أخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب خوف المؤمن أن يحبط عمله حديث رقم 18.
[51] أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" حديث رقم 594.
[52] رواه مسلم كتاب الفضائل: باب شفاعته - صلَّى الله عليه وسلَّم - على أمَّته، حديث رقم (2284).
[53] أخرجه البخاري كتاب الرقاق باب التواضع حديث رقم (6502).
[54] أخرجه أحمد في "المسند" حديث رقم (6477)، (6908)، وللحديث ألفاظٌ وروايات متعدِّدة وردت في كثيرٍ من دواوين الإسلام، وهو حديثٌ صحيح على شرط الشيخين، كما قال شعيب، "الموسوعة" 11/10.
[55] انظر : حاشية "الموسوعة الحديثيَّة" 11/11.
[56] وجدته في "مدارج السالكين"؛ لابن القيِّم 3/122، ولم أجده عند غيرِه بعد بحث وتَقَصٍّ.
[57] أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" حديث رقم 580، وأخرجه أبو داود حديث رقم 2478، وأخرجه أحمد في "المسند" حديث رقم (24307)، وقال شعيب في "الموسوعة": حديث صحيح 40/ 353.
[58] أخرجه مسلم برقم (2748).
[59] أخرجه مسلم (2749).
[60] الحديث رواه البخاري رقم (6308)، ومسلم (2747).
[61] انظر: "الجامع لشعب الإيمان" (12/555).
[62] انظر: "الجامع لشعب الإيمان" ( 12/ 555 - 556).
[63] أخرجه البخاري، كتاب التوحيد باب قول الله - تعالى -: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} [الفتح: 15] حديث رقم 7507، وأخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب حديث رقم (2758) واللفظ له.
[64] البخاري أطرافه في "الفتح" (1936)، ومسلم (1111).
[65] مسلم حديث رقم (1112).
[66] انظر: "الموطأ" 1/ 217، والبيهقي 4/ 225، مع أنَّ العمدة على الأحاديث الموصولة أَوْلَى وأَوْجَب.
[67] أخرجه الترمذي، وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حمَّاد، عن سفيان بن عُيَينَة قال: وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد حديث رقم (2267)، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترمذي" 2/508.
[68] "تحفة الأحوذي" 6/450.
[69] أخرجه الفسوي في "المعرفة والتاريخ" 3/ 249، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 46/ 501.
[70] أخرجه الترمذي في "سننه" حديث رقم 1637، وقال عنه: حسن صحيح، وضعَّفه الألباني في "ضعيف سنن الترمذي" حديث 163.
[71] أخرجه البخاري في كتاب المغازي باب حديث كعب بن مالك رقم 4418.