عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 06-07-2020, 01:56 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,357
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المنهج في التعامل مع المنتكسين

السادس عشر: تصحيح بعض المفاهيم عنده:
بعض الشباب ينقَطِع عن زملائه ويظنُّ أنَّ الدين والتديُّن محصورٌ بفئة معيَّنة من الشباب، فتُواجِهه مشكلةٌ مع الشيخ أو المشرف أو أحد زملائه، ثم يترك الالتِزام؛ لاعتقاده أنَّ الالتزام محصورٌ بهذه المجموعة، فعلى المربِّي أن يفتح لتلميذه الذي لم يُوفَّق معه آفاقًا واسعة، وألا يربطه بشَخصِه الكريم وكأنَّه أحد أفراد عائلته الذين يجب أن يظلُّوا معه لا يغادرونه أبدًا، فكم من شابٍّ ترك مجموعته ثم أبدع مع غيرها، فالأنفس قد تَتوافَق مع أنفس أخرى وتتلاءم مع بيئات غير بيئاتها التي عاشت معها، وكما قال الحكيم:
فَالْعَنْبَرُ الخَامُ رَوْثٌ فِي مَوَاطِنِهِ
وَفِي التَّغَرُّبِ مَحْمُولٌ عَلَى العُنُقِ


فعلى المربي أن يقتَرِح عليه مجموعةً غير مجموعته إذا رأى بأنها هي الحل لمشكلته.

السابع عشر: إخباره بأنَّ الجميع معرَّض للوقوع في الذنب:
عليك أنْ تُؤكِّد لهذا الذي وقَع في الذنب أنَّه ليس أوَّل واقع ولا آخِر مَن وقع، وأنَّ الوقوع في الذُّنوب صفة بشريَّة؛ فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لولا أنَّكم تُذنِبون لخلق الله خلقًا يذنبون فيغفر لهم))[58].

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((والذي نفسي بيده لو لم تُذنِبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقومٍ يُذنِبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم))[59].

فتحثه هنا على الاستغفار، وبأنَّ الله - سبحانه وتعالى - يحبُّ عبدَه الذي يتوب بعد الذنب، وليس المقصود هنا الحث على الذنب، بل الحث على الاستغفار بعد وقوع الذنب، ويستحسن تذكيره بأنَّه لا يسلم أحدٌ من الذنب، كما يستحسن أن تُساعِده ببيان فضل التوبة وفرح الربِّ بذلك؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لَلَّهُ أشد فرحًا بتوبة عبده...))[60].

فبهذا الأسلوب تُخفِّف عنه مُصابَه وتُشَجِّعه على التوبة، وحبَّذا أن تذكِّره بأخبار التائِبين من ذنوبهم؛ قال علي بن الفضل:
أَيَا مَنْ لاَ يَخِيبُ لَدَيْهِ رَاجِ
وَلَمْ يُبْرِمْهُ إِلْحَاحُ الْمُنَاجِي

وَيَا ثِقَتِي عَلَى سَرَفِي وَجُرْمِي
وَإِيثَارِ التَّمَادِي فِي اللَّجَاجِ

أَقِلْنِي عَثْرَتِي وَاغْفِرْ ذُنُوبِي
وَهَبْ لِي مِنْكَ عَفْوًا وَاقْضِ حَاجِي

فَمَنْ لِي غَيْرُ إِقْرَارِي بِجُرْمِي
وَعَفْوُكَ حُجَّةٌ يَوْمَ احْتِجَاجِي[61]



وكما قال يحيى بن معاذ الرازي:
جَلاَلُكَ يَا مُهَيْمِنُ لاَ يَبِيدُ
وَمُلْكُكَ دَائِمٌ أَبَدًا جَدِيدُ

وَحُكْمُكَ نَافِذٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ
وَلَيْسَ يَكُونُ إِلاَّ مَا تُرِيدُ

ذُنُوبِي لاَ تَضُرُّكَ يَا إِلَهِي
وَعَفْوُكَ نَافِعٌ وَبِهِ تَجُودُ



فَلَسْتُ عَلَى عَذَابِ اللهِ أَقْوَى
وَأَنْتَ بِغَيْرِهَا لاَ تَسْتَفِيدُ

فَنِعْمَ الرَّبُّ مَوْلاَنَا وَإِنَّا
لَنَعْلَمُ أَنَّنَا بِئْسَ العَبِيدُ



وَبَابُكَ مَعْدِنٌ لِلْجُودِ يَا مَنْ
إِلَيْهِ يَقْصِدُ العَبْدُ الطَّرِيدُ[62]


الثامن عشر: فتْح باب التوبة له:
عندما يُوفِّقك الربُّ - عزَّ وجلَّ - بسُلوكِ هذا الطريق العظيم فعليك أن تفتَح لهذا المُبتَلَى بابَ التوبة، وتُذَكِّره بأنَّ الكلَّ يخطئ ويُذنِب، وبأنَّه ليس أوَّل مَن أذنَبَ حتى يفعل بنفسه ما يفعل، بل الذنوب يجب أن تقوده إلى التوبة لا إلى ذنوبٍ أخرى، كما عليك أنْ تُذَكِّره بالآيات والأحاديث التي تَحُثُّ على التوبة، وتبيِّن حَقارة الذنب عند التوبة فمثلاً:
1 - قال - تعالى -: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران: 135].
2 - ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَلأعراف: 201].
3 - قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أذنَب عبدٌ ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال - تبارك وتعالى -: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أنَّ له ربًّا يَغفِر الذنب، ويَأخُذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي، فقال - تبارك وتعالى -: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أنَّ له ربًّا يَغفِر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي، فقال - تبارك وتعالى -: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أنَّ له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لك))[63].

فأنت هاهنا تخفِّف عنه مُصابَه، وتُهوِّن عليه من الأمر، وتفتَح له الأبواب التي كانت بالنسبة له مغلقة، وهذا منهج الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - فعن أبي هريرة - رضِي الله عنْه - قال: "بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذ جاء رجلٌ فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: ((ما لك؟))، قال: وقعتُ على امرأتي وأنا صائم - وفي رواية: أصبتُ أهلي - فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((هل تجد رقبةً تعتقها؟))، فقال: لا..." الحديث[64].

فأنت تلحَظ أنَّ هذا الرجل قد جاء وَجِلاً إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بل في روايةٍ عند مسلم أنَّه قال: "احترقت يا رسول الله"[65].

بل في روايةٍ مرسلة في "الموطأ": "جاء أعرابي يضرب فخذه وينتف شعره يقول: هلك الأبعد"[66].

فانظر إلى أسلوب تَعامُل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع هذا المذنب؛ لم يوبِّخه ولم يُعاقِبه ولم يُقنطه، بل سارَع لبحْث طرق علاج مشكلته للتخلُّص من آثار ذنبه، بطرْح أنواع الحلول حتى يختار منها المناسب، لقد فتَح له أبواب الأمل، بل جاءَه قانطًا خائفًا فحَوَّله النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - آمِنًا مبتسمًا غنيًّا، هكذا يجب أنْ يفعل الدُّعاة مع المذنِبين التائِبين، يفتحوا لهم أبوابَ الخير وبَوارِق الأمل، وألاَّ يكونوا مُنفِّرين ولا زاجِرين، فالناس تحتاج رقَّةً وعطفًا لا توبيخًا وعنفًا.

التاسع عشر: بذل الجهد لرفْع إيمانِه:
عندما تقوم بزِيارة صاحِبك المنتَكِس عليك أنْ تتذكَّر أنَّ الإيمان يَزِيد ويَنقُص، وأنَّ صاحِبَك قد نقَص إيمانُه بلا شكٍّ، وعليك أنْ تبذل جُهْدَك لرفْع مُستَوى الإيمان عندَه، وكُنْ واثِقًا من ذلك، وضَعْ لذلك برنامجًا يَتناسَب مع سِنِّه وفكرِه، وليكن بشكلٍ تدريجي غير مُتَكلَّف، وتلقائي غير متعمَّد، ونبدأ مثلاً بعرْض فكرة أداء العمرة والحج، ونقتَرِح عليه زيارة بعض الصالحين من العُلَماء والعُبَّاد والتجَّار، ولا مانع من زيارة المقابِر؛ فهذه من وسائل رفْع الإيمان التي تُؤثِّر بحوْل الله وقوَّته إذا نفِّذت بشكلٍ مُحكَم بالتعاون مع بعض المقرَّبِين إلى قلبه.

العشرون: تذكيرُه بمحاسن الدين والاستِقامة:
على مَن يُخاطِب المنتَكِس أنْ يبيِّن له فضلَ الدين والاستِقامة، قال القحطاني - رحمه الله -:
الدِّينُ رَأْسُ المَالِ فَاسْتَمْسِكْ بِهِ
فَضَيَاعُهُ مِنْ أَعْظَمِ الخُسْرَانِ


وقول عِياض - رحمه الله -:


على مَن يُخاطِب المنتَكِس أنْ يُذكِّره بفَضِيلَة الدِّين ومَحاسِن الإسلام وفضل الاستِقامة، ويُذَكِّره بأنَّ من أعظَمِ النِّعَم عليه أنَّه مسلم، ويُذَكِّره بالجنَّة ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [القمر: 54 - 55]، ويقول - تعالى -: ﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا ﴾ [النبأ: 31 - 32]، إلى نهاية الآيات من سورة النبأ وغيرها من الآيات.

الحادي والعشرون: تَذكِيرُه بالأيَّام السعيدة السابقة مع الصُّحبة الطيِّبة:
عندما تقوم بزيارة صاحبك المنتَكِس عليك أن تُحاوِل أنْ تسترجع المواقف السَّعيدة التي عاشَها مع زملائه، ثم قمْ بسردها عليه بأسلوبٍ خفيف وممتِع دون إشعاره بتعمُّدك ذلك، واحذَر أن تتكلَّف بذلك، بل حاوِل أن تجعَلَها جاءتْ بشكل تلقائي؛ فلها بإذن الله وقعٌ طيِّب على مَن ابتُلِي بنَقصِ إيمانه وضعْف تديُّنه، كما أحذِّرك من تذكيره بما كان يحدث له من مشكلات، أو ما كان يَنالُه من عقابٍ عند حدوث أخطاءٍ منه؛ لأنَّ هذا الأسلوب يَزِيد من نفوره، وسيَجعله أكثر إصرارًا على استِمرار انتِكاسته.

إنَّ هذا الأسلوب له وقعٌ عجيب ومفعولٌ سريع - بإذن الله - بإعادة الصاحب إلى أصحابه، وأُعيدُ وأؤكِّد أنَّ الأسلوب هو الذي يُحدِّد أثَر هذا الفعل ونتائج هذا اللِّقاء.

الثاني والعشرون: فتْح آفاقٍ جديدة له:
هناك من الشباب مَن يَربِط الاستِقامةَ بأشخاصٍ معيَّنين أو يظنُّ أنَّ لا استِقامة إلا معهم، وهنا تحدُث الإشكاليَّة؛ ولذا أقدِّم النصائح التالية:
أيُّها المربِّي الكريم، إذا كان لك تلميذٌ لم يرتح مع المجموعة التي رزَقَك الله الإشرافَ عليها، فلم يَتجانَس مع أفرادها ولم تلتقِ الأرواح مع روحه - فعليك إذا لم تَنجَح في إصلاح وَضعِه مع المجموعة أنْ تفتح له آفاقًا جديدة؛ كنُصحِه بالانضِمام إلى مجموعةٍ أخرى قد يُوفَّق معها، وعليك أنْ تكون الوَسِيط له بذلك متى وجدتَ عنده الرَّغبة.

إذا كان الشابُّ ليس مع مجموعةٍ طلابيَّة بل مع صحبةٍ لا قائد لها، فعلى زملائه نصحُه بالانضِمام لغيرهم عندما يجد عدم تجانُسه معهم بأسلوبٍ طيِّب، ولا يفهم منه ولا يشم الإبعاد والطرد، بل عن طريق الذهاب مع مجموعةٍ إلى رحلةٍ، فإذا ارتاحَ لهم سوف يُحاوِل الانضِمامَ إليهم بنفسه وهكذا.

إذا كان الانتِكاس من رجلٍ عادي ليستْ له مجموعةٌ، فعلى المقرَّبين له الاقتراحُ عليه بالانضِمام إلى رفقةٍ صالحة والسعي له بذلك.

كما أنَّ على المُنتَكِس أنْ يُعِيد النظرَ في النشاط الدعوي الذي يُمارِسه أو النافِلة التي يَحرِص عليها، فقد يكون يُمارِس نشاطًا دعويًّا يحتاج إلى نفقةٍ ماديَّة لا تُلائِم ظروفه الماديَّة؛ فمثلاً نشاطه توزيع كُتَيِّبات وأشرطة، فهذا انصَحْه بالتحوُّل إلى نشاطٍ آخَر لا يُكلِّفه ماديًّا شيئًا، وهناك مَن يُمارِس عِبادةً لا يستَطِيع المُواظَبة عليها، وعند تخلِّيه عنها تنعته نفسه بالنِّفاق ثم يترك الدين من جرَّاء ذلك؛ كمَن يقوم الليل أو يصوم النَّفل، وعليه أنْ يتنبَّه له دائمًا بأنها نَوافِل لا إثمَ بتركها، والله الموفِّق.

وفي الخِتام:
هذا هو المنهج الذي اخترتُه عند التعامُل مع المنتَكِس، مع التشديد على ألاَّ يُشهَّر به ولا يُسَبَّ ولا يُشتَم، ولا يُشمَت به، عسى الله أنْ يهديه، وأنْ يردَّنا إليه ردًّا جميلاً.

الثالث والعشرون: عدم المواجهة المباشرة مع المربي في أوَّل الأمر:
يحمل الشابُّ في قلبه هيبةً لشيخه في الغالب، ويُصابُ بالحرج عند مواجهته؛ ولذا فمن الأفضل عند انقِطاع الشابِّ ألاَّ يتَّجِه شيخُه وأستاذُه إليه مباشرةً لمناقشته ومُناصَحته؛ خشيةَ أن يتصرَّف الشابُّ معه تصرُّفًا شائنًا يَصعُب بعد ذلك عليه تصحيحُه؛ كتهرُّبه منه أو تلفُّظه عليه.

إنَّ التصرُّفات التي لا يُدرِك الشابُّ المنتَكِس آثارَها في بداية انتِكاسه وسوء تعامُلِه مع زُمَلائِه قد تَحُولُ بينه وبين العَودة إليهم مُستقبَلاً، وتَزداد الأمور صعوبةً عندما تكون هذه التصرُّفات مع الشيخ أو المربِّي أو الأستاذ، مع العلم بأنَّ هؤلاء الفُضَلاء لا تُؤثِّر فيهم مثل هذه التصرُّفات؛ لعلمهم بأنَّ لكلِّ مرحلةٍ حكمها، ولكنَّ الخوف ألاَّ يفهم الشابُّ المنتَكِس مَوقِف الشيخ من تصرُّفاته وقدرته على التحمُّل وعدم عتبه على تصرُّفات تلميذه في مثل هذه المواقف؛ لأنَّه مرَّ بتَجارِب سابقة أو سمع بتَجارِب لغيره من الدُّعاة، وهذا الذي يدفعني إلى القول بأنَّ على الشيخ ألاَّ يقوم بزيارة التلميذ؛ فأوَّل مرَّة يدعها إلى أقرب زملاء الشاب إلى نفسه حتى يُهيَّأ الشابُّ إلى مرحلةٍ أفضل، ثم يَزورُه بعدَها الشيخُ إمَّا بترتيبٍ مسبق أو بشكلٍ مُفاجِئ، على حسب الظُّروف والمُعطَيات.

الرابع والعشرون: عليك عندما تتعامَل مع مُنتَكِس، أن تنظر في أحواله من خِلال معرفة بيئته وعمره... إلخ:
أ - مسألة العمر:
بعض المربِّين - مع الأسَف الشديد - يُضخِّم الأمور ويُعطِيها أكبرَ من حجمها الطبيعي؛ فمثلاً تجده يُحَوقِل ويستَرجِع عند حدوث التغيُّر من شابٍّ صغير لم يُناهِز الحلم، ولم يَعرِف بعدُ معنى الاستِقامَة، فيُعطِي لتراجعه تَهوِيلاً أكبر من حَجمِه الحقيقي، بل يُصوِّر حالته بأكبر ممَّا تستحقُّ، ويُضخِّم الأمر مع أنَّ مَن حدَث عنده التغيُّر لم يبلغ حتى المرحلة المتوسِّطة، أو لم يزل بعدُ في بدايتها، وهذا الاهتِمام والنِّقاش الزائد مع هذا الغلام يُؤثِّر سلبيًّا على هذا الغُلاَم، خاصَّة عندما تُعقَد له الجلسات المُتَتابِعة لِمُناصَحته ومناقشته من قِبَل المربي أو بقيَّة أفراد المجموعة، إنَّني على يقينٍ بأنَّ المربِّي الذي يَفعَل مثلَ هذا منطلقه الحبُّ والحرص، ولكن قد يَغِيب عن تَفكِيره الجوانب السلبيَّة، ومنها مثلاً: قد يُغرِي هذا الاهتِمام الزائد بعضَ أقرانه ليفعلوا مثل ما فعل؛ لينالوا مثل ما نالَه من عِنايةٍ واهتِمامٍ وجلسات وزيارات؛ لعدم معرفتهم بنعمة الاستقامة... إلخ.

ب - مُراعاة البيئة:
إنَّ مُراعاة البيئات وخاصَّة البيئة الجاهلة، بفضْل التديُّن والاستِقامة، التي قد تكون ضغوطها على الشاب أكبرَ من طاقاته وقدراته على التحمُّل، فعلى المربِّي مُراعاة هذا الجانِب باستِخدام أساليب تحفَظ لهذا الشاب تَوازُنَه حتى يمكن أن يَتعايَش مع مجتمعه، فمثلاً عندما يكون الشابُّ في بيئةٍ ثريَّة، ومن عادات الأهل السفرُ إلى البِلاد الغربيَّة لقَضاء الإجازات الصيفيَّة هناك، مع بُعدِهم عن التمسُّك بتَعالِيم الدِّين؛ لأنَّ أفراد الأسرة يَعِيشون في حالة متردِّية من الناحِيَة الدينيَّة، فإنَّ التديُّن المتوقَّع من هذا الشابِّ لا بُدَّ أنْ يكون أقلَّ من زملائه؛ نظَرًا لتأثير البيئة؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنكم في زمانٍ مَن ترك منكم عُشرَ ما أُمِر به هلك، ثم يأتي زمانٌ مَن عمل منكم بعُشْرِ ما أُمِر به نجا))[67].

قال في "التحفة" في شرح هذا الحديث: "إنَّكم - أيُّها الصحابة - في زمانٍ متَّصف بالأمن وعزِّ الإسلام؛ فمَن ترك عُشرَ ما أُمِر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد وقَع في الهلاك؛ لأنَّ الدين عزيزٌ وأنصاره كثر، فالتَّرك تقصيرٌ، فلا عذر، ثم يأتي زمانٌ يَضعُف فيه الإسلامُ، ويكثر الظُّلم، ويَعُمُّ الفسق، ويقلُّ أنصار الدين، وحينئذٍ مَن عمل منهم (أي: من أهل ذلك الزمن) بعُشرِ ما أُمِر به نجا؛ لأنَّه المقدور؛ ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]"[68].

فالتعامُل مع الشابِّ المنتَكِس من هذه البيئة حبَّذا أن يكون مختلفًا عن التعامُل مع منتَكِس في بيئةٍ أخرى، فلا يُطلَب منه ما يُطلَب من غيره، ويُقبَل منه اليسيرُ حتى يَفتَح الله عليه وعلى أهله، ولأنَّ وضعه بعد استقامته قد يُعادِل وضعَ بعض المنتَكِسين من بيئات أخرى.

الخامس والعشرون: استقباله عند العودة:
من المنتَظَر أنْ يكون للجُهود المبذولة دورٌ في إعادة الشاب إلى زملائه، كما عليك أنْ تتأكَّد أنَّ هناك من الشباب مَن يَحرِصون على العودة إلى زُمَلائِهم بعد انقِطاعِهم من جَرَّاء شعورهم بالمَلَلِ والفَرَاغ، ولكنَّ الخوفَ من المواجهة الأولى للشابِّ مع شيخِه أو زملائه يمثِّل هاجِسًا وقلَقًا عند الشاب؛ ولذا قسمتُ هذا المبحث إلى قسمين:
الأول: الزيارة المرتَّب لها بين المنتَكِس وشيخه أو أحد زملائه، وهذه الزيارة من المفتَرَض أن يتمَّ التعامل معها وفْق الأمور الآتية:
أ - يستقبل استقبالاً عاديًّا بلا تكلُّف، وكأنَّه موجود بالأمس، إذا كان هذا الشابُّ قد عُرِف بحيائه وخجله من مثل هذه المظاهر، إنَّ جعْل مثل هذه الشاب في مَوقِفٍ حرج بحيث يكون استقبالُه لافتًا للأنظار أمرٌ يَصعُب عليه تقبُّله، بل قد يجعَلُه يُفَكِّر ويَتردَّد قبلَ الزيارة؛ ولذا على مَن رتب لهذه الزيارة التعهُّد له بذلك، والترتيب المسبق مع الشباب؛ حتى يوفي بالعهد، وإنْ كان الشابُّ لا يُعرَف بالخجَل في مثْل هذه الأمور، فيكون الاستِقبال على حسب الظروف، وإنْ كنت أحبِّذ أنْ يكون التعامُل معه كالسابق إذا كانتْ هذه العودة وفْق اتِّفاقٍ مسبق؛ لأنَّ التكلُّف بالاستِقبال والتصنُّع أمرٌ غير مقبول.

ب - عدم إحراجه بطرْح أسئلةٍ من قِبَلِ زُمَلائِه موجَّهة له مثلاً: أين كنتَ في الفترة الماضية؟ هل صحيحٌ ما سمعنا عنك؟ لماذا انقطعتَ؟ هل بدا مِنَّا ما دفَعك لهذا؟ إلى غير ذلك من الأسئلة.
يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.77 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.73%)]