فلم يزل يردِّدها على نفسه ثم بكى، ثم نزَع فأحسَن النزع، فلمَّا بلَغ عمر أمرَه فقال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخًا لكم زلَّ زلَّة، فسدِّدوه ووفِّقوه، وادعوا الله أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه"[49].
فانظر إلى منهج أمير المؤمنين عمر - رضِي الله عنْه - كيف كان حليمًا رقيقًا مع ما عُرِفَ عنه من قوَّة وشدَّة، ولكنْ لكلِّ مقام عنده مقال؛ فهلاَّ لزمتَ هذه السنن واقتديتَ بهؤلاء القِمَم.
سادسًا: استِقصاء أسباب انتكاسِه:
قبلَ زيارتك لصاحِبك الذي طرَأ عليه التغيُّر حاوِل أن تتعرَّف على الأسباب التي قادَتْه إلى هذا الطريق، وستظهَر فائدة هذا من خِلال ما يلي:
أ - إنْ كانت عنده مشاكل فستطرح له حلولاً لها، فقد يطرح لك مشكلة عائليَّة أو دراسيَّة أو ماديَّة أعاقَتْه عن هذا الطريق.
ب - الإجابة عن أسئلته، إنْ كانت هناك أسئلة والتهيُّؤ لإجابات مقنعة لأسئلة متصوَّرة ومفترضة.
جـ - الإجابة عن شبهاته والاستِعداد لها استِعدادًا جيدًا، فغالِب المنتَكِسين لا يخلو من هذه الأمور حتى ولو لم يكن مُقتَنِعًا بها، لكن من باب إغلاق الطريق على المناقش، فالاستِعداد مهمٌّ.
فلا بُدَّ بعد تكرار الزيارة له أنْ تطرح عليه سؤالاً: ما الذي دفعك لترْك هذه البيئة؟
فقد يقول مثلاً: فلان يُسِيء إليَّ، أو شيخي لا يحبُّني، أو أخشَى على دراستي، وما أشبه ذلك، وكما ذكرتُ سابقًا أنَّ الاستِعداد لأسئلته المتوقَّعة أمرٌ لا بُدَّ منه.
سابعًا: عدم الوقوع في عرضِه:
هناك من الشباب مَن لا يتردَّد في الوقوع في عرْض أخيه المسلم المنتَكِس، بل ويُجاهِر في هذا السبِّ والولوغ في عرضه، ثم يفكِّر بعد ذلك بزيارته ومناصحته، وقد تكون الأخبار قد وصَلتْ إلى هذا المنتَكِس؛ ممَّا يجعله عند زيارتك له يفاجئك بهجومٍ فقد من خلاله السيطرةَ على أعصابه وتصرُّفاته، إنَّ وقوع الشباب بعرْض أخيهم بمجرَّد حدوث تغيُّر عنده أمرٌ في غايَة الخطورة، إنَّ من أكبر المَشاكِل التي تُواجِه الشباب التسرُّع في الحكم على زميلهم بالانتِكاس مع التَّشهِير به، ثم يحرجون بعد ذلك عن مواجَهتِه، بل قد يمتَنِعون عن مناصحته؛ حياءً ممَّا بدر منهم أو خوفًا من ردَّة فعله؛ ولذا أنصح نفسي وأحبَّائي بالبُعْدِ عن الوُقوع في الأعراض، مع عدَم التسرُّع في الحكْم، إنَّ مجرَّد سبِّ الأخ المسلم يُعَدُّ فسوقًا؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((سِبابُ المسلم فسوقٌ وقتالُه كفرٌ))[50].
إنَّني أنصح ألاَّ يبادر بنصيحة المنتَكِس شابٌّ وقَع في عرضه إلاَّ بعد الاعتِذار إليه، إذا تأكَّد لديه وصولُ الخبر إليه، حتى لا تتحوَّل المناصحة إلى عراك ومشاجرة.
ثامنًا: اختيار وسيلة الاتِّصال بالمنتَكِس لدعوته:
بعد أنْ تبيَّن وتأكَّد لديك أنَّ صاحبك قد ابتَلاه الله، وابتَعَد عن طريق الالتِزام - عليك البحث عن الطُّرُق المناسبة للتواصُل معه، وعدم الاقتِصار على وسيلةٍ واحِدة، بل عليك أنْ تبحث عن أكثر الطرقِ تأثيرًا عليه حتى تمارِسها معه، ومن تلك الطُّرق:
1 - الزيارة له في بيته.
2 - الزيارة له في عمله أو مدرسته.
3 - الزيارة له في المسجد الذي يُصلِّي فيه إذا لم يصل إلى مرحلة الانقِطاع عن صلاة الجماعة.
4 - الرسائل ولها أساليب:
أ - الشفهيَّة مع قريبٍ له؛ كأنْ تقول: بلِّغ فلانًا السلام مِنِّي.
ب - الرسائل المكتوبة، والتي تحمِل في طيَّاتها النُّصح من مناهج السَّلَف؛ كما سيَمُرُّ معنا خبرُ عمر - رضِي الله عنْه - عندما أرسَلَ لصاحبه الذي وقَع في الخمر.
إنَّ لهذه الرسائل وَقْعًا طيِّبًا على نفوس الإخوة، وهذه الرسائل قد تكون عبرَ البريد أو الإيميلات أو الجوَّال.
الرسائل مجديَة ونافعة في الجملة، وأنصَحُ الشباب أن يَتواصَلوا مع زملائهم ما بين الفينة والأخرى بالرسائل، مع الحرْص أن تكون كالملح بالطعام غير مكثَّفة ولا مكرَّرة حتى لا تكون مملَّة، ويا حبَّذا التجديد في الطَّرْحِ مع الحرْص على الاختِصار والخط الجميل العبارة الراقِيَة وأبيات الشِّعر العذبة.
5 - الاتِّصال الهاتفي أو عبر البلوتوث أو الماسنجر.
تاسعًا: تخيُّل الموقف والاستِعداد له قبل مواجَهته:
عليك أنْ تتأكَّد قبلَ الذهاب إلى صاحبك القديم أنَّك ستُشاهِد إنسانًا غير الذي تَعرِفه، قد تلحَظ تغيُّر وجهه بإزالة لحيته وإسبال ثوبه أو وجود الدخان بيده، وإنْ كانت امرأة فقد تجدها أختها الداعية متنمِّصة أو لابِسة ملابس غير محتَشِمة، أو غير ذلك من الأمور، فعليك أنْ تحطاط لمثْل هذا الأمر، وألاَّ تصدم، فضع في حسابك أسوأ الاحتِمالات، فقد لا يفتح لك الباب، أو لا يُحسِن استقبالَك، بل قد يُغلِق الباب في وجهك عندما يَعلَم أنَّك أنت الطارق، فكن مُستَعِدًّا لمثْل هذه التصرُّفات بالحكمة والهدوء ورباطة الجأش والحلم والتأنِّي، فكن حكيمًا عند تصرُّفك، فتعامل على أنَّه مسكين أصابَه الحياء من مواجهتك، وليس المقصود شخصك، بل لو جاءه أيُّ شخص لنفس الغرض الذي جئتَ من أجله لَجُوبِه بمثل مجابهتك، فتقبَّل الأمرَ برحابة الصدر، فلا تيأس ولا تقنط، واحذَر ردَّة الفعل المفاجئة؛ فقد تعود من حيث أتيت، ثم تتحيَّن فرصًا أخرى حتى تظفَر بالجلوس معه.
وضعُ التصوُّرات قبلَ المواجهة أمرٌ في غاية الأهميَّة؛ لأنَّ هناك مَن لا يجعَل هذه الأمور في حساباته، ثم يُفاجَأ بعد ذلك بمثْل هذه الأمور، فيُصاب بصدمة، أو تحدث منه ردَّة فعل قد تضرُّ به وبزميله.
عاشرًا: التهيُّؤ لمقابلته:
عندما تقوم بزيارة صاحبك المتغيِّر فتهيَّأ لمقابلته بما يلي:
1 - إحضار هديَّة مناسبة له - إذا كنت تملك القدرة على ذلك - واحرِص على ألاَّ تكون أشرطة ولا كتبًا؛ لأنَّه الآن بها زاهد؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تهادُوا تحابُّوا))[51].
2 - اختيار الكلام المناسب والعبارات بدقَّة.
3 - احرِص على ألاَّ تُناقِش انتكاسَه في مقابلتك الأولى معه، بل قد يكون حضورك وتجاذبك معه أطرافَ الحديث بعيدًا عن هذا الموضوع دافعًا له وسببًا لعودته، بل حاوِل إن لم تلحظ عليه تغيُّرًا في هيئته أو في مظهره ألا تُظهِر له أنَّك تعرف شيئًا، بل تعامَل معه تعامُلاً طبيعيًّا بحيث لا يشعر أنَّ به تكلُّفًا وتصنعًا، وأذكر حادثةً لأحد الإخوة حيث قال: بلغني أنَّ قريبًا لي انقطع عن صلاة الجماعة بالكليَّة يقول: فذهبت لزيارته، ووصلت إلى بيته قبيل أذان المغرب، وعند مقابلته والجلوس معه، بدأتُ بالحديث معه ولم أبيِّن له سبب زيارتي، وعندما أذَّن المغرب سألته: ما هو أقرب مسجد إلى بيتك؟ مبالغةً في إظهار أنَّني لا أعرف عن انقِطاعه عن الصلاة بالكليَّة، فاختار لي مسجدًا فألقيت فيه كلمة لم أتعرَّض فيها إلى الصلاة مطلقًا حتى لا أُشعِره بالحرج، بل اخترتُ موضوعًا عن الرقائق، وبعد ذلك عدنا إلى بيته، ومكثت معه قليلاً، ثم ودَّعته.
يقول: فوالله الذي لا إله إلا هو ما هي إلا أيَّام قلائل إلا وقد أخبرني أحدُ جماعة مسجده بأنَّه أصبح مُواظِبًا على الصلاة، يقول: وبعد مُدَّة أخبرني هذا الرجلُ بأنَّه قد أعفى لحيته وأصبح يحضر مع الأذان، يقول: بعد فترةٍ لا تُجاوِز شهرَيْن تعلَّق قلب قريبي بالمسجد، ثم أصبح مُؤذِّنًا له عند غِياب المؤذِّن، فزُرتُه حيث أخبرني أحدُ جيرانه بأنَّه أصبح مُرابِطًا في المسجد من بعد المغرب إلى العشاء.
يقول: فذهبت لزيارته في المسجد، وعندما دخَلتُ إلى المسجد فإذا برجل يتلو القرآن بصوت ندي، قلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فالتَفت إليَّ لمَّا عرفني فنهض ليُعانِقني، وقال: لقد أثَّرت فيَّ زيارتُك الماضيَة، وكان أكثر ما أثَّر بي أنَّك لم تفتَح معي الموضوعَ، فلو كنتَ فتحته معي لكنتَ أحرجتني، ولا أظنُّ أنَّني كنت سأعود.
فهذا الموقف الذكي من الداعية والنصيحة غير المباشرة كان لها - بفضل الله - أثرٌ عظيم، وهنا أؤكِّد على الداعِيَة عند المقابلة الأولى عدم طرح الموضوع بالكليَّة.
الحادي عشر: إشعاره بأنك محبٌّ له وحريص على هدايته:
عندما تقوم بزيارة أخيك، فأظهِر حبَّك الشديد له وحرصَك عليه، وبأنَّ الهداية لو تُباع لاشتريتها له، وكن به شفيقًا متأسِّيًا بنبيِّك - صلَّى الله عليه وسلَّم - حيث قال - تعالى - عنه: ï´؟ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ [التوبة: 128].
بل بلَغ من تصوير حرصِه على أمَّتِه أنْ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنما مثلي ومثل أمَّتي كمثل رجل استَوقَد نارًا؛ فجعلت الدواب والفراش يقعنَ فيها، فأنا آخُذ بحجزكم وأنتم تقتَحِمون فيه))[52].
فإظهار حبِّك له وحرصك عليه لا شكَّ أنَّ أثرَه سيكون قويًّا.
الثاني عشر: لا تتوقَّع أنْ يستجيب لك فورًا:
من الأمور المهمَّة ألاَّ يعتَقِد زائر المنتَكِس أنَّه سيجد ذلك الشخص الذي يعرفه بصفاء نفسه وسلامة قلبه، وألاَّ يعتقد بأنه لن يعود إلا والأوضاع جميعها طبيعية، بل عليه أن يحسب ألف حساب لصعوبة المهمة؛ لأن المنتَكِس قد عاش أجواء أثَّرت عليه، وجعلت الرَّان يتمكَّن من قلبه؛ لذا لا تتوقَّع الاستجابة الفوريَّة، أو أن يعود إلى الحق ويَتراجَع عن وضعه بمجرَّد زيارتك له، نعم، قد يُظهِر لك نوعٌ من الاستِجابة فاقنع بها؛ لأنَّ القليل مع التواصُل والدُّعاء والصِّدق سيَزِيد - بإذن الله - وعليك قبول عودته ولو ظهرت عليه آثار ضعْف الاستقامة؛ كتخفيفه من لحيته أو غير ذلك من المعاصي؛ لأنَّه سيَتلاشَى - بإذن الله - مع مرور الوقت وتأثُّره بالصُّحبة الطيِّبة.
الثالث عشر: عدم التشديد عليه:
إنَّ من الحكمة أن يُعلَم المنتَكِس أنَّ المطلوب منه هو ما افترض الله عليه، وأن يُوضِّح له أنَّه متى فعل ذلك فإنَّه يُعَدُّ من أهل الهدى والاستِقامة، ويُخبِره بالحديث الذي رواه البخاري وغيره أنَّ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ الله قال: مَن عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إلي ممَّا افترضته عليه، وما يَزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه))[53].
كما على مَن يَقُوم بدعوته أنْ يُخفِّف الضغط عليه، ويبشِّره بأنَّه على خيرٍ عظيم ما التَزَم بهذه الفرائض، ويخفِّف عنه مُصابه، ويُؤَكِّد له أنَّه يعيش وضعًا طبيعيًّا، وسرعان ما يعود - بإذن الله - إلى الهدى إذا أخلَص نيَّته وصدَق مع ربِّه، ويُذَكِّر بقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ لكل عابد شرَّة، ولكلِّ شرَّة فترة، فإمَّا إلى سنة وإمَّا إلى بدعة، فمَن كانت فترته إلى سنَّة فقد اهتَدَى، ومَن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك))[54].
و"الشرَّة"؛ معناها: الحرصُ على الشيء والنَّشاط له، و"الفترة"، ضده؛ أي: العابد يُبالِغ في عبادته أوَّل الأمر، ويجد في نفسه قوَّةً على ذلك وشوقًا ورغبةً فيه، وكل مبالغ فلا بُدَّ أن تنكَسِر همَّته، وتفتر قوَّته عن ذلك الجد عادةً، فمنهم مَن يرجع حين الفتور إلى الاعتدال في الأمر، وترك الإفراط فيه، فهذا مُهتَدٍ، ومنهم مَن يرجع حين الفتور إلى ترك العبادة بالكليَّة، والاشتغال بضدِّها، فهذا هالك - والله تعالى أعلم[55].
ثم يخبر بأنَّ المطلوب أنْ يَرجِع بعد هذا الفتور إلى الاعتدال حتى يكون مهتديًا، ولا يكون حالُه كحال مَن قاده الفتور إلى ترْك العِبادة بالكليَّة، بل والأخطر منه أنْ ينشغل بغيرها، فهذا قد وقَع في الضَّلال، ويُبيِّن له ما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضِي الله عنْه -: "إنَّ لهذه القلوب إقبالاً وإدبارًا، فإذا أقبلت فخذوها بالنوافل، وإنْ أدبرت فألزموها الفرائض"[56].
الرابع عشر: استمرار التواصُل:
وهذا قد يكون سبَق ذكرُه، ولكن هنا من باب المزيد من الإيضاح، فلا بُدَّ للمربِّي أنْ يتواصل مع تلمِيذه المنقطع، وألاَّ يكتفي بزيارة أو زيارتين أو رسول أو رسولين، بل لا بُدَّ من استِمرار التواصُل وعدم الانقِطاع، فإنَّ نفسَه التي لم تتقبَّل اليوم قد تتقبَّل في الغد، فعدم اليأس أو القنوط مطلبٌ مُلِحٌّ، ومنهجٌ سارَ عليه الأنبياء والرُّسل - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
الخامس عشر: عليك بالعِتاب الهادئ والنَّصِيحة الصادقة والبُعد عن العنف والتجريح واللَّوم والعِتاب:
فأنت طبيبٌ سيُعالِج قلبَ هذا المريض، وتحمِل بيدك مشرطًا وهو لسانك، فاجعله هادئًا ليِّنًا، فالطبيب عندما يُعالِج مرضاه فإنَّه يستخدم مشرَطَه الجراحي بهدوءٍ وحذَر ورفْق حتى تنجَح عمليَّته، فلو استَخدَم القوَّة والعنف لمات المريض من مشرطه، والناس - وربِّي - أحوجُ إلى هذا المنهج في أمراضهم المعنويَّة.
وتأمَّل أمرَ الله لموسى وهارون بأنْ يستَخدِما مع أكبر طاغِيَةٍ على وجه الأرض أسلوبَ الرفق؛ قال - تعالى -: ï´؟ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا ï´¾ [طه: 44]، فإذا كان فرعون مع طغيانه وجبروته يَأمُر الله نبيَّيْه موسى وهارون بأنْ يَتَعامَلا معه باللين فكيف بأخٍ لك ابتَلاه الله؟ أليس هو أَوْلَى باللين وأجدر؟
إنَّ الرِّفق عند مخاطبة المنتَكِس مطلبٌ شرعي؛ ولذا قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا عائشة، عليك بتقوى الله - عزَّ وجلَّ – والرِّفق؛ فإنَّ الرِّفق لم يكن في شيءٍ قطُّ إلا زانَه، ولم يُنزَع من شيءٍ قطُّ إلا شانَه))[57].
وأذكر هنا قصَّة حدثت معي: حيث كنت أقوم بإلقاء درس أسبوعي في السجن المثالي "سجن الملز" بالرياض منذ عشر سنوات، ولاحَظتُ عند أحد السُّجَناء حرصًا شديدًا على الدرس يَفُوق غيرَه، فضلاً عن اجتِهاده في الحفظ للمتن الذي كنت أقوم بشرحه، وعندما لاحَظتُ ذلك انفَردت به أحد الأسابيع وسألته عن سبب سجنه لعلَّ الله أن ييسِّر الإفراج عنه، فأخبرني بأنَّه كان مع مجموعةٍ من الشباب لاحَظُوا انتِكاس أحد رفقائهم، قال: فذهبت لمناصحته فأثار غضبي فقمتُ بضربه، وكانت نتيجة هذه المضاربة أن كسرتُ يده، وهذا هو الذي قادني إلى السجن.
فهذا الأخ سلَك أسلوب العنف فأضرَّ به وأضرَّ بالمدعوِّ، مع يقيني التام أنَّ العنف باستِخدام اليدين أندر النوادر، بل لا يجوز شرعًا، وقد اتَّفق العلماء على أنَّه لا يجوز للإنسان أن يأخذ حقَّه بيده، فكيف بِمَن يستَخدِم يده في حَقِّ الله وهو ليس بمأمورٍ إلا بالإنكار باللسان أو القلب، ولكن العنف باستخدام اللسان شائع ومنتشر.
والخلاصة:
1 - إنَّ على الداعي عندما يُخاطِب زميله المنتَكِس أنْ يتعامل معه بهدوء.
2 - أن يُقابِله بابتسامةٍ وممازحة؛ لأنَّه عند مقابلته سيكون خائفًا وَجِلاً؛ فتبعث ابتسامتك مع إشراقة وجهك فيه الراحةَ والاطمِئنان، وستبعد عنه الخوف والوجل.
يتبع