الأربعون الشبابية (3 / 4)
أ. محمد خير رمضان يوسف
(21)
الشابُّ السمحُ المَدين
عن كعب بنِ مالكٍ قال:
كان معاذُ بنُ جبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ شابًّا حليمًا سمحًا، من أفضلِ شبابِ قومه، ولم يكنْ يُمسِكُ شيئًا، فلم يزلْ يَدَّانُ حتى أَغرقَ مالَهُ كلَّهُ في الدَّين.
فأتَى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ غرماؤه، فلو تركوا أحدًا من أجل أحدٍ لتركوا معاذًا من أجلِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، فباعَ لهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مالَه، حتى قامَ معاذٌ بغيرِ شيءٍ!
رواه الحاكم في المستدرك (5192) وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقهُ الذهبي، السنن الكبرى للبيهقي (11042) والذي يليه.
(22)
الإهاب والعصب
عن عبدالله بن عُكَيمٍ قال:
قُرئَ علينا كتابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بأرضِ جُهينةَ وأنا غلامٌ شابٌّ: "أنْ لا تستمتعوا من الميتةِ بإهابٍ ولا عصَب".
سنن أبي داود (4127) وصححه له في صحيحه، سنن النسائي (4249).
قال ابنُ حبَّان: يريدُ به قبلَ الدِّباغ، والدليلُ على صحَّتهِ قولهُ صلى الله عليه وسلَّم: "أيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طهر"[1].
والإهاب: جلدُ الحيوانِ قبل دبغه.
والعصَب: ما يشدُّ مفاصلَ الحيوانِ ويربطُ بعضها ببعض.
(23)
الشجرة التي لا يسقط ورقُها
عن عبدالله بن عمر رضيَ الله عنه قال: قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم:
"مَثَلُ المؤمنِ كمثلِ شجرةٍ خضراء، لا يَسقطُ ورقُها ولا يَتحاتّ".
فقال القوم: هي شجرةُ كذا، هي شجرةُ كذا، فأردتُ أن أقول: هي النخلة، وأنا غلامٌ شابٌّ، فاستحييت، فقال: "هي النخلة".
زادَ في طريقٍ أخرى للحديث: فحدَّثتُ به عمر فقال: لو كنتَ قلتَها لكان أحبَّ إليَّ من كذا وكذا.
صحيح البخاري (5771)، صحيح مسلم (2811)، واللفظُ للأول.
قال الإمامُ النووي: في هذا الحديثِ فوائد، منها:
استحبابُ إلقاءِ العالمِ المسألةَ على أصحابه؛ ليختبرَ أفهامهم، ويرغِّبَهم في الفكرِ والاعتناء.
وفيه ضربُ الأمثالِ والأشباه.
وفيه توقيرُ الكبار، كما فعلَ ابنُ عمر، لكنْ إذا لم يعرفِ الكبارُ المسألةَ فينبغي للصغيرِ الذي يعرفها أن يقولها.
وفيه سرورُ الإنسانِ بنجابةِ ولدهِ وحُسنِ فهمه، وقولُ عمرَ رضيَ الله عنه: "لأنْ تكونَ قلتَ هي النخلةُ أحبَّ إليَّ"، أرادَ بذلك أن النبيَّ صلى الله عليه و سلم كان يدعو لابنه، ويعلمُ حُسنَ فهمهِ ونجابته.
وفيه فضلُ النخل. قال العلماء: وشبَهُ النخلةِ بالمسلم في كثرةِ خيرها، ودوامِ ظلِّها، وطيبِ ثمرها، ووجودهِ على الدوام، فإنه من حين يَطلعُ ثمرُها لايزالُ يؤكلُ منه حتى يَيبس، وبعد أن يَيبسَ يُتَّخذُ منه منافعُ كثيرة، ومن خشبها وورقها وأغصانها، فيُستعمَلُ جذوعًا وحطبًا وعصيًّا ومخاصرَ وحُصَرًا وحبالًا وأوانيَ وغير ذلك، ثم آخرُ شيءٍ منها نواها. وينتفعُ به علفًا للإبل. ثم جمالُ نباتها، وحُسنُ هيئةِ ثمرها.
فهي منافعُ كلُّها، وخيرٌ وجمال، كما أن المؤمنَ خيرٌ كلُّه، من كثرةِ طاعاتهِ ومكارمِ أخلاقه، ويواظبُ على صلاتهِ وصيامهِ وقراءتهِ وذكره، والصدقةِ والصلة، وسائرِ الطاعات، وغيرِ ذلك.
فهذا هو الصحيحُ في وجهِ التشبيه[2].
(24)
المسلم يؤجَر إذا تأذَّى
عن الأسودِ [بنِ يزيدَ] قال:
دخلَ شبابٌ من قريشٍ على عائشةَ وهي بمِنى، وهم يضحكون، فقالت: ما يُضحكُكم؟
قالوا: فلانٌ خرَّ على طُنبِ فُسطاطٍ فكادتْ عنقهُ أو عينهُ أن تذهب!
فقالت: لا تضحكوا، فإني سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال:
"ما من مسلمٍ يُشاكُ شوكةً فما فوقَها، إلا كُتِبتْ له بها درجة، ومُحِيَتْ عنه بها خطيئة".
صحيح مسلم (2572).
الطُّنُب: حبلٌ يُشَدُّ به الخِباء والسُّرادق ونحوهما.
والفُسطاط: بيتٌ من شعر.
(25)
الرفق بالحيوان
في حديثٍ لعبدالله بنِ جعفرَ رضيَ الله عنه، أنه عليه الصلاةُ والسلامُ دخلَ حائطًا لرجلٍ منَ الأنصار، فإذا فيهِ ناضحٌ له، فلمَّا رأى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم، حنَّ وذَرَفتْ عيناه، فنزلَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم، فمسحَ ذِفراهُ وسَراتَهُ، فسَكَن، فقال:
"مَن ربُّ هذا الجملِ؟".
فجاءَ شابٌّ من الأنصارِ فقال: أنا.
فقال: ألا تتَّقي اللَّهَ في هذهِ البهيمةِ الَّتي ملَّكَكَ اللَّهُ إيَّاها، فإنَّهُ شكَاكَ إليَّ وزعمَ أنَّكَ تُجيعهُ وتُدئبُه".
جزءٌ من حديثٍ في مسندِ أحمد (1754) وصحح الشيخ شعيب إسناده على شرط مسلم، المستدرك على الصحيحين (2485) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، سنن أبي داود (2549) وصححه في صحيح سننه، وفيه: فتى من الأنصار. ولفظُ الحديثِ من المسند.
الحائط: البستان.
الناضح: البعيرُ يُستقَى عليه.
الذفران: ما وراءَ الأذنين عن يمين النقرة.
تُدئبه: تُتعبه.
(26)
الكِبْر والعُجب
عن أبي هريرة، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلَّمَ قال:
"بينما رجلٌ يتَبخترُ، يمشي في بُرْدَيهِ، قد أعجَبتْهُ نفسُهُ، فخسفَ اللهُ بهِ الأرضَ، فهو يتَجلجلُ فيها إلى يومِ القيامة".
صحيح البخاري (5789)، صحيح مسلم (2088)، واللفظ له، مسند أحمد (10388) وأوله فيه: "بينما رجلٌ شابٌّ يمشي...". وذكر الشيخ شعيب أن الحديث صحيح ولكن الإسنادَ هنا منقطع.
البُرد: كساءٌ مخطَّطٌ يُلتحَفُ به.
خسفَ الله به الأرض: غيَّبَهُ فيها.
يتجلجل: يتحرَّكُ وينزلُ مضطربًا.
(27)
تعليم الدين
عن مالك بن الحويرثِ قال:
أتينا إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ونحن شبَبةٌ متقاربون، فأقمنا عندَهُ عشرين يومًا وليلة، وكان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رحيمًا رفيقًا، فلمّا ظنَّ أنّا قد اشتهينا أهلَنا، أو قد اشتَقنا، سألَنا عمَّن تركنا بعدنا، فأخبرناه، قال:
"ارجِعوا إلى أهلِيكم، فأقيموا فيهم وعلِّموهم ومروهم - وذكر أشياءَ أحفظُها، أو لا أحفظُها - وصلُّوا كما رأيتموني أصلِّي، فإذا حضرتِ الصلاةُ فلْيؤذِّنْ لكم أحدُكم، وليؤمَّكم أكبرُ كم".
صحيح البخاري (605)، صحيح مسلم (674)، واللفظُ للأول.
(28)
الطاعة في المعروف
عن عليٍّ رضيَ الله عنه قال:
بعثَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ سَريَّةً، واستعملَ عليهم رجلًا من الأنصار، قال: فلمَّا خرجوا، قال: وجدَ عليهم في شيء، فقال: قالَ لهم: أليسَ قد أمرَكُم رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أن تُطيعوني؟
قال: قالوا: بلَى.
قال: فقال: اجمَعوا حطبًا.
ثمَّ دعا بنارٍ فأضرمَها فيه، ثمَّ قال: عزمتُ عليكم لتدخلنَّها.
قال: فهَمَّ القومُ أن يدخلوها، قال: فقالَ لهم شابٌّ منهم: إنَّما فرَرتُم إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ من النَّار، فلا تعجَلوا حتَّى تلقَوا النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم، فإن أمرَكُم أن تدخُلوها فادخُلوا.
قال: فرجَعوا إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم، فأخبروه، فقالَ لهم: "لو دخلتُموها ما خرجتُم منها أبدًا، إنَّما الطَّاعةُ في المعروف".
صحيح البخاري (4085)، صحيح مسلم (1840)، مسند أحمد (622) وصحح الشيخ شعيب إسناده على شرطِ الشيخين. وفي هذا الأخير لفظ "شاب"، أما في الصحيحين فوردَ "بعضهم".
وجدَ عليهم: غضب.
(29)
المرور بين يدي المصلي
عن أبي صالحٍ السمّان قال:
رأيتُ أبا سعيدٍ الخُدْريَّ في يومِ جُمُعَةٍ يُصلِّي إلى شيءٍ يَستُرهُ من الناس، فأراد شابٌّ من بني أبي مُعَيطٍ أنْ يَجتازَ بين يديه، فدفعَ أبو سعيدٍ في صدره، فنظرَ الشَّابُّ فلم يجِدْ مَساغًا إلا بين يديه، فعادَ ليَجتاز، فدفعَهُ أبو سعيدٍ أشدَّ من الأُولَى، فنالَ من أبي سعيد، ثم دخلَ على مروان، فشكا إليه ما لقيَ من أبي سعيد، ودخل أبو سعيدٍ خلفَهُ على مروان، فقال:
ما لكَ ولابنِ أخيكَ يا أبا سعيد؟
قال: سمعتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول:
"إذا صلَّى أحدُكُم إلى شيءٍ يستُرهُ من الناس، فأرادَ أحدٌ أنْ يَجتازَ بين يديه، فليدفَعْه، فإنْ أبَى فليُقاتِلْهُ، فإنما هو شيطان".
رواه البخاريُّ في صحيحه (487)، ومسلم (505)، واللفظ للأول.
نقلَ البيهقيُّ عن الشافعيِّ أن المرادَ بالمقاتلةِ دفعٌ أشدُّ من الدفعِ الأول[3].
(30)
بين الخوف والرجاء
عن أنس:
أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ دخلَ على شابٍّ وهو في الموت، فقال: "كيف تجدُك؟".
قال: واللهِ يا رسولَ الله، إني أرجو اللهَ، وإني أخافُ ذنوبي.
فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: "لا يجتمعانِ في قلبِ عبدٍ في مثلِ هذا الموطنِ إلا أعطاهُ الله ُما يرجو، وآمنَهُ ممّا يخاف".
سنن الترمذي (983) وقال: حديث حسن غريب، وحسَّنهُ له في صحيحه، سنن ابن ماجه (4261).
[1] صحيح ابن حبان (1279). وكذا هو في التمهيد لابن عبدالبر 4/ 165.والحديث رواه الترمذي (1728) وقال: حديث حسن صحيح. ورواه ابن حبان نفسه (1287) وصحح الشيخ شعيب إسناده على شرطهما.
[2] شرح النووي على صحيح مسلم 17/ 154.
[3] ينظر اختلافه والتوسع فيه: فتح الباري 1/ 583.