وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله.
والثاني: عدم اعتقاده إرادةَ تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكمَ منسوخ، وهذه الأسباب الثلاثة تتفرَّع إلى أسباب متعددة[11].
7- لا يجب على أحد من المسلمين تقليدُ عالم بعينه؛ (راجع درجات الخلاف).
ولا يجب على أحد من المسلمين تقليدُ أحد بعينه من العلماء - الأئمة الأربعة أو غيرهم - في كلِّ ما يقول، وعلى المسلم إذا نزلَت به نازلةٌ أن يستفتي من يعتقد أنه يُفتيه بشرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ امتثالاً لقوله تعالى: ï´؟ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ï´¾ [النحل: 43].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وإذا نزلَت بالمسلم نازلةٌ فإنه يَستفتي مَن اعتقد أنه يفتيه بشرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من أيِّ مذهبٍ كان، ولا يجب على أحدٍ من المسلمين تقليدُ شخص معيَّن من العلماء في كل ما يقول، ولا يجب على أحد من المسلمين التزامُ مذهب شخص معيَّن من العلماء في كل ما يوجبه ويخبر به، بل كلُّ أحد من الناس يُؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله، واتِّباع شخص لمذهب بعينه لعَجزه عن معرفة الشرع من غير جهته إنما هو مما يَسوغ له، ليس هو مما يجب على كل أحد إذا أمكَنه معرفةُ الشرع بغير ذلك الطريق، بل كل أحد عليه أن يتَّقيَ اللهَ ما استطاع، ويطلُبَ علم ما أمَر الله به ورسوله، فيَفعل المأمورَ ويترك المحظور[12].
الشروط التي تجب على المسلم عند اتِّباع مذهب معين:
وإنما يسوغ للمرء اتباعُ مذهب أحد الأئمة بثلاثة شروط:
الأول: أن يعتقدَ أن لا عصمة لأحد من الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الإمام أحمد يقول: "لا تقلِّدوني ولا تقلدوا مالكًا ولا الشافعيَّ ولا الثوري، وتعلَّموا كما تعلَّمنا".
الثاني: أن يجعل الحقَّ طلِبتَه، فمتى استبان له أن القولَ الراجح بالأدلة في مسألةٍ ما خلافُ ما عليه مذهبه أخذ بالراجح دون تردُّد، قال الإمام الشافعي: "أجمع الناسُ على أن مَن استبانت له سنةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعَها لقولِ أحدٍ من الناس"[13].
الثالث: أن لا يعقد عليه ولاءً ولا بَراء فلا يخص بالموالاة أتباعَ مذهبه، ولا يُعادي أحدًا لأجل أن يلتزم المذهب الذي يتبعه، ويقول الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى: "ولا يجوز التفرُّق والاختلاف، ولا الدعوة إلى حزبِ فلان، ورأي فلان، وقول علاَّن، وإنما الواجب أن تكون الدعوة واحدةً إلى الله ورسوله؛ إلى كتابِ الله وسنَّة رسوله عليه الصلاة والسلام، لا إلى مذهبِ فلان أو دعوة علان، يجب على المسلمين أن تكون طريقتُهم واحدة، وهدفهم واحدًا، وهو اتباع كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.
8- ليس الاجتهاد واجبًا على كلِّ أحد في الأمَّة:
ولا يجب الاجتهاد على كل أحد، قال الخطيب البغدادي: "وأما من يسوغ له التقليد فهو العامِّي الذي لا يعرف طرقَ الأحكام الشرعية، فيجوز له أن يقلِّد عالِمًا ويعملَ بقوله..."، إلى أن قال: "وحُكي عن بعض المعتزلة أنه قال: لا يجوز للعامي العملُ بقول العالم حتى يعرف عِلَّة الحكم، وإذا سأل العالم فإنما يسأله أن يُعرِّفه طريق الحكم، فإذا عرفه وقف عليه وعمل به، وهذا غلطٌ؛ لأنه لا سبيل للعامِّي إلى الوقوف على ذلك إلا بَعد أن يتفقَّه سنينَ كثيرةً ويُخالطَ الفقهاء المدةَ الطويلة، ويتحقق طرقَ القياس، ويعلم ما يصحِّحه وما يفسده، وما يجب تقديمُه على غيره مِن الأدلَّة، وفي تكليف العامَّة بذلك تكليفُ ما لا يطيقونه، ولا سبيل لهم إليه"[14].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
والذي عليه جماهيرُ الأمَّة أن الاجتهاد جائزٌ في الجملة، والتقليدَ جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كلِّ أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائزٌ للقادر على الاجتهاد، والتقليدَ جائز للعاجز عن الاجتهاد، فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز؛ بحيث لو عَجز عن الاجتهاد؛ إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليل له - فإنه حيث عجز سقط عنه وجوبُ ما عجز عنه وانتقل إلى بدله؛ وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء[15].
9- يجب اجتناب زلَّة العالم:
قال عمر بن الخطاب: "ثلاثة يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق، وأئمة مضلون"[16].
10- لو أخذتَ برخصة كلِّ عالم اجتمع فيك الشرُّ كله:
وقد أجمع أهلُ العلم على تحريم تلقُّط الرخَص المترتبة على زلاَّت العلماء، وقال الأوزاعي: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام"[17].
11- لا يجوز التشنيع على العلماء بزلاَّتهم:
ولا يشنع على العلماء بزلاتهم، بل هم مأجورون على اجتهادهم، وإن لم يُصِب العالمُ الحقَّ؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حكم الحاكمُ فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد))[18].
والخبر المنقول عن العالِم يجب التأكُّد أولاً من صحَّة النقل، وثانيًا من صحة فَهم الدلالة، وينبغي أن يُعرض ذلك الخبر على أقواله وأفعاله السابقة واللاحقة، فإن خالف ذلك الخبر المعروف من سيرته وقوله، كانت هذه قرينة مهمة في ردِّ الخبر أو حملِه على المعروف من حاله، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "والكلمة الواحدة يقولها اثنان يريد بها أحدُهما أعظمَ الباطل، ويريد بها الآخر محض الحقِّ، والاعتبار بطريقة القائل وسيرته ومذهبه، وما يدعو إليه ويناظر عنه"[19].
12- الموقف من العالِم العامل إذا تلبَّس ببدعة:
وتلبس العالم ببدعةٍ - لا تبلغ به الكُفر المخرج من الملة - غيرُ مانع من الانتفاع بعلمه الموافقِ للسنة، ويحذَّر من بدعته، ولا تُهدر حسناته لأجلها؛ فإن العدل والإنصاف يقتضيان ذلك، قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ï´¾ [المائدة: 8]، وقال: ï´؟ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ï´¾ [الأعراف: 85].
وقد يجتمع في الرجل الواحد خيرٌ وشرٌّ، وطاعة وفُجور، وسنة وبدعة، فيستحق من الثواب والموالاة بقدر ما فيه من الخير، ومن العقاب والمعاداة بقدر ما فيه من الشرِّ.
قال الإمام الذهبي: "ثم إن الكبير من العلماء إذا كثر صوابُه وعُلم تحرِّيه للحق واتسع علمُه وظهر ذكاؤه وعُرف صلاحُه وورعه واتباعه - يُغفر له زَللُه، ولا نضلِّله ولا نطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك"[20].
13- الموقف من مصنَّفات العلماء الذين جمعوا بين حقٍّ وباطل وسنة وبدعة:
ويعتبر هذا المعيار في الحكم على تصانيف أولئك العلماء، فيشار إلى ما فيها من الفوائد العلميَّة النافعة، وينبَّه على ما فيها من الاعتقادات البدعية، وهكذا صنع شيخ الإسلام في حكمه على مصنفات أبي عبدالرحمن السلمي شيخ الصوفية ومؤرخهم المتوفى سنة 412 هـ، فقال: "وهو في نفسه رجلٌ من أهل الخير والدين والصلاح والفضل، وما يرويه من الآثار فيه من الصحيح شيءٌ كثير، ويروي أحيانًا أخبارًا ضعيفة بل موضوعة، يعلم العلماء أنها كذب..."، إلى أن قال: "فالذي جمعه الشيخ أبو عبدالرحمن ونحوه في تاريخ (أهل الصفة) وأخبار زهاد السلف وطبقات الصوفية - يُستفاد منه فوائد جليلة، ويُجتنب منه ما فيه من الروايات الباطلة، ويتوقف فيما فيه من الروايات الضعيفة، وهكذا كثيرٌ من أهل الروايات ومن أهل الآراء والأذواق من الفقهاء والزهاد والمتكلمين وغيرهم"[21].
14- وجوب تحذير العامَّة وطالب العلم المبتدئ من الكتب التي احتوَت على بعض البدع:
ويلزم التنبيه على ضرورة أن يحرص الخطاب الدعويُّ الموجَّه إلى العامة على توجيههم نحو كتبِ علماء أهل السنة والجماعة المصفَّاة من البدع والاعتقادات الزائغة، فلا ينصحون مثلاً بقراءة كتاب: "إحياء علوم الدين" للغزالي؛ لما فيه من بيان حسَنٍ لأعمال القلوب، ولا كتاب: "الكشَّاف" للزمخشري؛ لاحتوائه على جمل عجيبة من أسرارِ الإعجاز البياني للقرآن الكريم؛ وذلك أن العامَّة تقصر فهومهم عن التمييز بين الحق والباطل والغثِّ والسمين في هذين الكتابين وأحزابهما، فالمفاسد المترتبة على قراءة العامة لهذه الكتب أعظمُ من المصالح المتحصلة من وراء ذلك، وقد تقرَّر أن درءَ المفاسد مقدَّم على جلب المصالح.
15- واجب العلماء نحو أمَّتهم:
ونظرًا لأمانة العلم التي حملها العلماءُ فإن الواجب عليهم أن يقوموا بمهمتهم في قيادة الأمة من خلال تبليغ العلم الذي ائتمنهم اللهُ على نشره، وأخَذ عليهم ألا يكتموه، لا سيما في الفترة التي تموجُ فيها فتنُ الشبهات والشهوات، تواجه فيها الأمة حربًا ضروسًا يشنها عليها خصومُ الإسلام من الخارج والداخل، وإنَّ تنحي العلماء عن تولِّي هذه المهمة القيادية يُفسح المجالَ للأدعياء ليتصدوا لأمور لا قِبَل لهم بها فيضلون ويضلون.
قال الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله تعالى:
"فأهل العلم رعاة وهداة، فعليهم أن يُعنَوا برعيَّتهم، والشعوب رعيَّة لهم، فعليهم أن يُعنوا بهذه الرعية وأن يخافوا اللهَ فيهم، وأن يرشدوها إلى أسباب النجاة، ويحذروها من أسباب الهلاك وأن يغرسوا فيما بينهم حبَّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والاستقامة على دين الله والشَّوق إلى الله وإلى جنته وكرامته، والحذر من النار؛ فالنار بئس المصير، يجب الحذر منها والتحذير منها، وأولى الناس بهذا الأمر هم العلماء، وطلاب العلم.
هكذا يكون حالُهم أبدًا، وهكذا تكون أخلاقهم أبدًا؛ مسارعةً إلى مرضاة الله، وابتعادًا عن معاصي الله، ودعوةً إلى الله، وإرشادًا إليه، ووقوفًا عند حدوده، وأخذًا بالأحوط دائمًا، وبعدًا عما حرم الله وعما كرهه الله؛ حتى يتأسى بهم إخوانُهم من المؤمنين، وحتى يتأثر بهم المسلمون أينما كانوا[22].
[1] قرأ يعقوب: (لَا تَقَدَّمُوا) بفتح التاء والدال؛ من التقدم؛ أي: لا تتقدموا، وقرأ الآخرون بضم التاء وكسر الدال من التقديم.
[2] ذكر البغوي في تفسيره عن قتادة في سبب نزول الآية، قال قتادة: نزلت الآية في ناس كانوا يقولون: لو أنزل في كذا وصنع في كذا وكذا، فكَرِه الله ذلك، وقال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يَقضيه الله على لسانه، وقال الضحَّاك: يعني في القتال وشرائع الدين: لا تقضوا أمرًا دون الله ورسوله.
[3] أيسر التفاسير - الجزائري ج 2 ص 1500.
[4] شاهِده حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ حيث قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: ((بم تَحكم؟)) قال: بكتاب الله تعالى، قال رسول الله: ((فإن لم تجد؟))، قال: بسنة رسول الله، قال رسول الله: ((فإن لم تجد؟)) قال رضي الله عنه: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرَب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في صدره، وقال: ((الحمد الله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لما يُرضي رسولَ الله))، وقد قال بعض أهل العلم: إن هذا الحديث فيه مقال.
[5] أيسر التفاسير - الجزائري ج 2 ص 1501.
[6] مختصر معارج القبول - هشام عقدة ص 443.
[7] شركة الأبدان؛ هي: أن يشترك اثنان فأكثر فيما يكتسبان بأبدانهما، سمِّيت بذلك؛ لأن الشركاء بذلوا أبدانَهم في الأعمال لتحصيل المكاسب، واشتركوا فيما يحصلون عليه من كسب، ودليلُ جواز هذا النوع من الشركة ما رواه أبو داودَ والنسائي وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "اشتركتُ أنا وعمارٌ وسعد فيما نُصيب يومَ بدر، فجاء سعد بأسيرين، ولم أجِئْ أنا وعمارٌ بشيء"، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "أشركَ بينهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فدلَّ هذا الحديث على صحة الشركة في مكاسب الأبدان"؛ اهـ.
[8] الفتاوى - ابن تيمية رحمه الله تعالى ج 19 ص 122.
[9] الملخص الفقهي - للشيخ د/ صالح الفوزان ج 2 ص 133.
[10] الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رحمهم الله جميعًا، وقد أفردنا لهم ترجمة في هذا الكتاب "النداءات الإلهية".
[11] رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص 10، 11.
[12] مجموع الفتاوى ج 2 ص 208، 209.
[13] إعلام الموقعين - ابن القيم رحمه الله تعالى ج 2 ص 263.
[14] الفقيه والمتفقه ص 68، 69.
[15] مجموع الفتاوى - شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ج2 ص 203، 204.
[16] أخرجه الدارمي رحمه الله تعالى بسند صحيح 1/ 71.
[17] سير أعلام النبلاء - للذهبي رحمه الله تعالى 7/ 125.
[18] رواه البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى.
[19] مدارج السالكين - ابن القيم رحمه الله تعالى 3/ 521.
[20] سير أعلام النبلاء - الذهبي رحمه الله تعالى 5 / 27.
[21] مجموع الفتاوى - ابن تيمية رحمه الله تعالى 11/ 42 - 43.
[22] الصراط - عبدالرحمن عبدالخالق اليوسف حفظه الله تعالى.