إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له
ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ، وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله ..
اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً
.. أمْا بَعد ...
حياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام ، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة


عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان
(31)
خاتمة
وفي ختامِ هذه الوسائل الطيبة - التي ذكرتها، وغيرها الكثير مما لم أذكره - أذكر - إن شاءَ الله - خاتمة جليلة تتعلَّقُ بذكرِ هذه الوسائل، وأبدأ هذه الخاتمةَ بسؤالٍ مهم جدًّا، ألا وهو: هل هذه الوسائل تكفِّر الكبائرَ والصغائر، أم لا تكفرُ سوى الصغائر فقط؟
فأقول: هذه الأعمالُ لا تكفِّر الكبائر؛ قال ابنُ رجب الحنبلي: "وقد اختلف النَّاسُ في مسألتين؛ إحداهما: هل تكفر الأعمالُ الصالحة الكبائرَ والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تكفر سوى الصغائر؛ وقد رُوي هذا عن عطاءٍ وغيره من السَّلفِ في الوضوء أنه يكفِّرُ الصغائرَ، وقال سلمان الفارسي في الوضوء: "إنه يكفرُ الجراحاتِ الصِّغار، والمشي إلى المسجدِ يكفر أكبرَ من ذلك"؛ خرَّجه محمد بن نصر المروزي.
وأمَّا الكبائرُ، فلا بدَّ لها من التوبةِ؛ لأنَّ الله أمرَ العبادَ بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالمًا، واتفقت الأمَّةُ على أنَّ التوبةَ فرض، والفرائضَ لا تؤدَّى إلا بنيةٍ وقصد، ولو كانت الكبائرُ تقع مكفرة بالوضوء والصلاة وأداء بقية أركانِ الإسلام، لم يُحتج إلى التوبة، وهذا باطلٌ بالإجماع، وأيضًا فلو كُفِّرت الكبائرُ بفعلِ الفرائض لم يبق لأحدٍ ذنبٌ يدخل به النَّار إذا أتى بالفرائض، وهذا يشبه قولَ المرجئة، وهو باطل، هذا ما ذكره ابنُ عبدالبر في كتابه "التمهيد"، وحكى إجماعَ المسلمين على ذلك، واستدلَّ عليه بأحاديث، منها:
• قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه مسلمٌ والترمذي وأحمد: ((الصلواتُ الخمس، والجمعة إلى الجمعة، كفارة لما بينهنَّ، ما لم تُغش الكبائر))؛ وهو مخرَّج في مسلمٍ من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وهذا يدلُّ على أنَّ الكبائرَ لا تكفرها هذه الفرائض.
وقد حكى ابنُ عطيةَ في تفسيرِه في معنى هذا الحديثِ قولين:
أحدهما عن جمهورِ أهل السنة: أنَّ اجتناب الكبائرِ شرطٌ لتكفيرِ هذه الفرائض للصَّغائر، فإنْ لم تجتنب، لم تكفر هذه الفرائضُ شيئًا بالكلية.
والثاني: أنها تكفِّرُ الصغائرَ مطلقًا، ولا تكفر الكبائرَ إن وجدت، لكن يشترطُ التوبةُ من الصغائرِ، وعدم الإصرار عليها.
ورجَّح هذا القولَ وحكاه عن الحذاق، وقوله: "بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرارِ عليها"؛ مرادُه: أنه إذا أصرَّ عليها، صارت كبيرةً؛ فلم تكفرها الأعمال".
وقال ابنُ رجب في موضعٍ آخر: "فهذه الأعمال - الصالحة - مقتضية لدخولِ الجنَّة، وقد يكون ارتكابُ المحرماتِ موانع".
وقد وردت أحاديث في كبائرِ الذنوب أنها مانعة لمرتكبها من دخول الجنَّة، فمن ذلك:
• حديث حذيفة - رضي الله عنه - عند مسلم قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يدخل الجنَّة نَمَّام))؛ ورواه البخاري بلفظ: ((لا يدخلُ الجنَّة قتَّات))؛ أي: نمام، وكذا أبو داود وكذا الترمذي وأحمد.
• وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند مسلم وأحمد؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((صنفان من أهلِ النَّار لم أرَهما: قومٌ معهم سياطٌ كأذنابِ البقرِ يضربون بها النَّاس، ونساءٌ كاسيات عاريات، مُميلات مائلات، رؤوسهنَّ كأسنمةِ البُختِ المائلة، لا يدخلنَ الجنَّة ولا يجدنَ ريحَها، وإنَّ ريحها ليوجَدُ من مسيرةِ كذا وكذا)).
وعن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - عند البخاري ومسلم وأحمد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يدخلُ الجنَّة قاطع))؛ أي: قاطع رحمه لا يصلها.
وعن أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - عند مسلم وابن ماجه وأحمد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((النَّائحةُ إذا لم تتبْ قبل موتِها، تُقام يومَ القيامة وعليها سربالٌ من قطِران، ودرعٌ من جَرَب)).
وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي - رضي الله عنه - عند مسلم والنسائي وابن ماجه وأحمد ومالك والدارمي قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - : ((من اقتطعَ حقَّ امرئٍ مسلم بيمينِه، فقد أوجبَ الله له النَّار، وحرم عليه الجنَّة))، فقال له رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يا رسول الله؟ قال: ((وإن كان قضيبًا من أراك)).
• كما وردت أحاديث أخرى في أنَّ النُّطقَ بالشهادتين يدخل الجنَّة، ففي الصحيحين عن عتبان بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((... فإنَّ الله حرَّم على النَّار من قال: لا إله إلا الله؛ يبتغي بذلك وجهَ الله)).
• وفي الصحيحين عن معاذ عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما مِن أحدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله صدقًا من قلبِه، إلاَّ حرَّمه الله على النَّار)).
قال صاحب "معارج القبول" - رحمه الله -: "اعلم أنَّ الأحاديث الدالة على أنَّ الشهادتين سببٌ لدخولِ الجنَّة والنجاة من النَّار - لا تناقُضَ بينها وبين أحاديث الوعيدِ التي فيها: من فعل ذنب كذا، فالجنَّة عليه حرام، أو لا يدخل الجنَّة من فعل كذا؛ لإمكاِن الجمعِ بين النصوص بأنَّها جنانٌ كثيرة كما أخبر النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وبأنَّ أهلَ الجنَّة أيضًا متفاوتون في دخولِ الجنَّة في السبق، وارتفاع المنازل، فيكون فاعل هذا الذنبِ لا يدخل الجنَّة التي أُعدت لمن لم يرتكبه، أو لا يدخلها في الوقتِ الذي يدخلُ فيه من لم يرتكب ذلك الذنب، وهذا واضحٌ مفهومٌ للعارفِ بلغة العرب".
قلت: وفي جامع الترمذي - وحسنه الألباني - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ما قال عبدٌ: لا إله إلا الله قط مخلصًا، إلا فُتحت له أبوابُ السماءِ، حتى تُفضي إلى العرش؛ ما اجتنب الكبائر)).
قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي في "معارج القبول":
"وكذلك لا تناقضَ بين الأحاديثِ التي فيها تحريمُ أهل هاتين الشهادتين على النَّار، وبين الأحاديث التي فيها إخراجُهم منها بعد أن صاروا حممًا - كما في أحاديث الشَّفاعةِ المتواترة - لإمكانِ الجمعِ بأنَّ تحريم من يدخلُها بذنبِه من أهلِ التوحيد: بأنَّ تحريمه عليها يكونُ بعد خروجِه منها برحمةِ الله، ثم بشفاعة الشافعين، ثم يغتسلون في نهرِ الحياة، ويدخلون الجنَّة، فحينئذٍ قد حرموا عليها، فلا تمسهم بعد ذلك، أو يكون المرادُ أنهم يحرمون مطلقًا على النَّار التي أُعدت للكافرين، التي لا يخرجُ منها مَن دخلها، وهي ما عدا الطبقة العليا من النَّار التي يدخلها عصاة أهل التوحيد ممن شاء الله - تعالى - عقابَه وتطهيره بها على قدرِ ذنبه، ثم يخرجون فلا يبقى فيها أحد".
قلت: ويمكن أن يُقال أيضًا للجمعِ بينهما: إنَّ أحاديث الشهادتين مطلقة قُيدت في نصوصٍ أخرى بالإخلاصِ والصدق، وجاء في أحاديث أخرى ذكر شروط أخرى معها؛ كالصلاةِ والصيام، أو يُقال: إنَّ الشهادتين سببٌ لدخولِ الجنَّة، ومقتضى لذلك، ولكنَّ هذا المقتضى لا يعمل عملَه إلا باستجماعِ شروطِه وانتفاء موانعه، فإنْ فُقد شرطٌ أو وُجد مانع، انتفى العملُ؛ وعلى ذلك:
فمن جاء بأحدِ هذه الوسائل - أو غيرها مما هو على شاكلتها - الموجِبة للجنة، فهناك وعد من الله - تعالى - له بدخولِ الجنَّة، فإن كان مرتكبًا لأحدِ كبائر الذنوب التي ورد الوعيدُ عليها بحرمان مرتكبها من دخول الجنَّة، فهو بين أمرين:
• إمَّا أن يتوبَ من هذه الكبيرة - أو الكبائر - توبةً صادقة بشروطها، فيغفر اللهُ - تعالى - بهذه التوبةِ هذه الكبيرة، ويزول الوعيدُ بدخولِ النَّار بسببها، فيبقى الوعدُ بدخول الجنَّة بفعلِ الأعمال الموجِبة للجنة كما هو، فيدخل فاعلها الجنَّة برحمة الله - تعالى - وفضله.
• وإمَّا أنَّه لا يتوب من هذه الكبيرة، ويموتُ وهو مصرٌّ عليها، فيكون مستحقًّا لدخول النَّار بذلك، فيجتمع في حقِّه وعد بدخولِ الجنَّة للإتيان بعملٍ صالح، ووعيد بالحرمانِ منها بارتكاب كبيرة من الكبائر، فيكون بذلك من أصحابِ الكبائر، وأصحاب الكبائر يوم القيامةِ في مشيئة الله - تعالى - إن شاء يؤاخذهم على الإصرارِ على ارتكاب الكبائر ويتحقق فيهم وعيدُه، فيدخلون النَّار - والعياذ بالله - على قدرِ كبائرهم التي ماتوا مصرِّين عليها، وإن شاء - تعالى - عفا عنهم ولم يؤاخذهم على كبائرِهم التي لم يتوبوا منها، ويدخلهم الجنَّة بأعمالهم الصَّالحة الموجِبة لدخول الجنَّة، برحمة الله وفضلِه عليهم.
شروط الانتفاع بهذه الوسائل - وغيرها مما هو على شاكلتِها - ودخول الجنَّة بها:
اعلم يا بن الإسلام - حفظك الله - أن الانتفاعَ بهذه الوسائل ودخول الجنَّة بأدائها - يستلزمُ أمورًا يشترط تحققها، وهي:
1- الإيمان: إذ إنَّ الكفر - والعياذ بالله منه - محبطٌ للعمل أيًّا كان.
2- الإخلاص في العمل لله - تعالى - وترك الرياء: فيبتغي العبد بعملِه وجه الله - تعالى - وحده ورضوانه، فلا يرائي، ولا يطلبُ بعمله المدحَ أو الثناء، ولا ينتظر من ورائه أيَّ منفعة أو مكافأة دنيوية.
3- موافقة الشرع: فيكون أداء العمل على كيفيةٍ خالية من المخالفات الشرعية؛ موافقة لهدي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وسنته؛ إذ إنَّ أداء الكثير من الأعمالِ على اختلافها لا يخلو - لشدة جهل فاعليها بالشَّرع - من المخالفاتِ الشرعية، وأصحابها يعتبرونها في ميزانِ حسناتهم، وأنَّهم بها على خير وصلاح؛ فمن متصدقٍ بأموال اكتسبها بمخالفة الشرع، ومن مساعدٍ لظلمة على ظلمهم، ومن معاون للعصاة على معصيتهم، ومن متستر على من لا يستحقُّ السترَ، ومن ساكتٍ على منكرات، أو داعٍ إلى بدع يظنُّها لجهلِه سننًا، إلى آخر ذلك، وأنَّى لهؤلاء - وإن فرضنا حسنَ نيتهم - أن يُثابوا وأعمالُهم معاصٍ وبدع ومنكرات، وإنَّا لله وإنا إليه راجعون؟!
4- التصديق بالوعدِ المترتب عليها: كما جاء في الحديثِ الذي رواه البخاري وأبو داود وأحمد: ((أربعون خَصلة، أعلاهنَّ مَنِيحة العَنْز، ما من عاملٍ يعمل بخصلةٍ منها؛ رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها الجنَّة)).
فيعلم العبدُ أنَّ هذه الأعمال تدخل الجنَّة؛ لثبوتِ ذلك عنده بأحاديث معتبرة، ويصدِّق ذلك؛ إيمانًا بسَعة رحمة الله - تعالى - وفضله ومغفرته، ويفعلها رجاءَ ثوابها، واحتسابًا لأجرها عند الله - تعالى - ولهذا أوردت هذه الخصال مفصلة بأدلتِها الصحيحة لكل خصلة منها، بما يفيدُ كونها موجِبةً للجنة، أو غافرةً للذنوبِ كلها، أو منجيةً من عذاب النَّار، أو موجبةً لمحبةِ الله - تعالى - للعبد، أو دافعةً لأهوال يوم القيامة وكرباته، ونحو ذلك من الأجرِ والثواب.
5- ألا يرتكب المؤدي لها كبيرةً من الكبائر الموجبة لدخول النَّار، ويصر عليها ولا يتوب منها؛ إذ إنَّ ارتكاب الكبائر الموجبة لدخولِ النَّار، وعدم التوبة منها - يمنعُ تحققَ الوعد المترتب على فعلِ هذه الخصال الموجبة للجنة؛ إذ تعارض عند ذلك وعدٌ بدخول الجنَّة مع وعيدٍ بدخول النَّار، ومرتكب الكبيرة المصر عليها ومات على ذلك - في مشيئةِ الله تعالى: إن شاء - تعالى - حاسبه على كبيرتِه التي لم يتب منها فيدخله النَّار، وإن شاء غفر له تلك الكبيرةَ وتجاوز له عنها، فيدخل بذلك الجنَّة، وقد مر بيان ذلك.
تنبيه: لا يُنتفع بثوابِ هذه الوسائل إذا تُركت الواجباتُ والفرائض:
اعلم - أخي يا بن الإسلام - أنَّ تركَ الفرائض التي افترضها الله - تعالى - على عباده لا ينفعُ معه الإتيان بهذه الخصالِ، التي هي من المندوباتِ والمستحبات؛ فإنَّ هذه الخصال مع محبةِ الله - تعالى - لها، فإنَّ أداءَ الفرائض التي افترضها الله - تعالى - أحب إليه منها؛ لذا لا ينتفع العبدُ من أداءِ هذه المندوبات مع ترك الواجبات، فشرطُ الانتفاعِ بثواب هذه المندوبات أداءُ الواجبات والفرائض، فلا ينتفعُ الإنسانُ بثوابِ قيام الليل مثلاً وهو مفرِّطٌ في أداءِ الصلوات الخمس المفروضة في اليوم والليلة، ولا ينتفعُ الإنسان بثوابِ صيام التطوع وهو مفرِّطٌ في أداء صيام شهر رمضان، وهكذا.
وفي الحديث القدسي المرفوع الذي رواه البخاري أنَّ الله - تعالى - قال: ((وما تقرَّب إلىَّ عبدي بشيءٍ أحب إلىَّ مما افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافلِ حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإنْ سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه)).
وهذا ينطبقُ بصورة واضحة على الواجباتِ التي تركها من كبائر الذنوب، وعلى المنهيات التي اقترفها من كبائرِ الذنوب؛ إذ صاحبها من أصحابِ الكبائر، وهو في مشيئةِ الله - تعالى - إن شاء حاسبَه عليها وعاقبه بها، وإن شاء عفا عنه ما دام صاحبها على التوحيد: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [النساء : 48]، كما مرَّ سابقًا.
وتتضحُ أهميةُ المحافظة على أداء الواجبات وترك المحرمات: أنَّها مع تركِ الكبائرِ أسبابٌ لنيلِ مغفرة الله - تعالى - وعفوه؛ قال - تعالى - : ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء : 31]، بل ورد في الحديثِ ما يفيدُ أنَّ الاكتفاء بأداء الأركان والواجبات المفروضة، مع اجتنابِ المحرمات المنهي عنها - يُرجى لصاحبها دخول الجنَّة؛ فلقد روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ أعرابيًّا أتى النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: دلني على عملٍ إذا عملتُه دخلتُ الجنَّة، قال: ((تعبدُ الله لا تشرك به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاةَ المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان))، قال: والذي نفسي بيدِه، لا أزيد على هذا، فلمَّا ولَّى قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من سرَّه أن ينظرَ إلى رجلٍ من أهل الجنَّة، فلينظرْ إلى هذا)).
وعند مسلم عن أبي عبدالله جابر بن عبدالله الأنصاري - رضي الله عنهما - أنَّ رجلاً سأل رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: أرأيتَ إذا صليتُ الصلوات المكتوبات، وصمتُ رمضان، وأحللتُ الحلالَ، وحرَّمتُ الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًَا، أأدخل الجنَّة؟ قال: ((نعم)).
وهذا مفهومٌ أيضًا من قولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم - عند البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وابن ماجه وأحمد: ((دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلَكم بسؤالِهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتُكم بشيء فأْتوا منه ما استطعتم)).
وأخيرًا؛ أتناول مسألةَ اختلافِ الثواب المترتب على العملِ الواحد؛ فقد ورد في بعضِ الأعمال أحاديث تبيِّنُ تعددَ الثواب المترتب عليها، فكيف يمكن الجمعُ بين تلك الأحاديث التي تفيد اختلافَ الثوابِ في كلٍّ منها عن الآخر للعمل الواحد، فيكون في أحدِ الأحاديث أنَّ ثوابَ أداء هذا العمل الجنَّة، وفي أخرى أنواع من الثواب دون ذلك؟ والجمع يمكن من وجوه:
1- الاختلاف في أداء العمل: فإنْ أدَّاه كاملاً على وجهه التام، نال أعلى ثواب مذكور في تلك الأحاديث، فإن نقص من كماله شيء، نقصَ ثوابُه إلى ما هو أدنى، حتى إذا بلغ نقص العمل إلى أقل درجة للقبول، نال عليه أقلَّ ثوابٍ مذكور في تلك الأحاديث - والله أعلم.
2- اختلاف حال المؤدي للعملِ: فإن أدَّاه بإخلاصٍ كامل وتجرد تام، مع خشوعٍ وخشية وشدة رجاء ومحبة، زاد أجره إلى أعلى ثواب مذكور، وإنْ قلَّ، قلَّ أجرُه إلى أن يصلَ إلى أدنى ثواب مذكور.
3- اختلاف الزمان والمكان: فإذا وافق أداءَ العبادة على وجهها زمانٌ فاضل أو مكان يُضاعف فيه الثواب، نال منه أعلاه؛ كالدُّعاء في السَّحَر، وساعة الإجابة، والصلاة في جوف الليل، وقيام الليل في ليلة القدر، والصلاة في الحرم، إلى آخر ذلك، وإن لم يُوافق ذلك، نال الأجرَ والثواب الأقل.
4- أن الأحاديث التي بها الثواب الأقل هي التي وردت أولاً، ثم تفضَّل الله - تعالى - على عبدِه بمزيدِ فضل، فضاعف من ثوابه، أو زاد تكرمًا منه ومنة.
5- أن للعمل أكثر من ثواب واحد، فينال العبدُ كلَّ هذه الأجور إذا كانت لا منافاة وتعارض بينها؛ كالصائمِ يدخل الجنَّة من باب الريان، ويُباعَد بينه وبين النَّار عن كل يوم صامه سبعين خريفًا، وتُغفر له كل ذنوبه بصيامه رمضان وقيامه، إلى آخر ذلك، والله أعلى وأعلم.
المسألة الثانية: ماذا بعد رمضان؟
أخي يا بن الإسلام، جاء رمضان، ومضى رمضان، سوق قام ثم انفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيه من خسر، ويتوجَّعُ المسلم لفراقِ رمضان، ويظل يتذكَّرُ أيامَه ولياليَه؛ كيف كانت عامرة بالخيرات، ممتلئة بالعبادات، منيرة بالطاعات.
ينتهي رمضان وإذا بالمساجدِ تعودُ مرة أخرى خاوية على عروشِها إلا من أهلِها الذين هم أهلها، ويتباكى الدعاة إلى الله على جهدٍ على مدار الشهر بذلوه، وإذا بهم في نهايةِ الأمر لم يجدوا له الأثرَ الذي ظنوه وانتظروه! لماذا ينتكسُ النَّاسُ بعد رمضان، وينشغلون مرةً أخرى بدنياهم، بعد أن ذاقوا حلاوةَ القرب من مولاهم؟! لمَّا مات رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقف أبو بكر - رضي الله عنه - يقول: "مَن كان يعبد محمدًا، فإنَّ محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنَّ الله حي لا يموت".
وهأنذا أقول: من كان يعبد رمضانَ، فإنَّ رمضان قد انقضى، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت؛ قال - تعالى -: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ﴾ [النحل : 92]، هل رأيت امرأةً تغزل ثوبًا، وتغزل ثم تغزل، وبعد أن تم لها ذلك قامت فنقضتْ غزلَها؛ أعادت الثوب خيطًا كما كان؟! فهل هذا فِعْلُ إنسان عاقل؟!
إن هذا حالك؛ فبعد أنْ كنتَ تقومُ الليل إحدى عشرة ركعة يوميًّا في رمضان، تريدُ أن تتركَ هذا كلَّه، فلا تقوم الليل ولو بأربع ركعات، فأين أثرُ قيام الليل فيك؟! ألستَ قد وجدت لذةً في قيامِ رمضان؟! فلماذا تحرمُ نفسَك من هذه اللذة؟ لماذا تحرم نفسك من الأجر؟ لماذا تترك سوسةَ الكسلِ تنخرُ في إيمانك؟!
أخي يا بن الإسلام، إنَّ دينَنا هو دينُ الاستقامة، لا يصلح فيه التلون والتفلُّت والزوغان؛ قال - تعالى -: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾ [هود : 112]، فاستقم على أمرِ الله، استقم على طاعةِ الله حتى تلقاه، فيكون ذلك يوم عيدك الحقيقي؛ قال ربنا - جلَّ جلاله -: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾ [الحجر : 99]؛ واليقين: الموت، فكن ربانيًّا، ولا تكن رمضانيًّا.
استقم على طاعةِ الله ولا تتلوَّن، لما جاء حذيفةَ بن اليمان الموتُ جلس ابنُ مسعود عند رأسِه فقال: "أوصني، فقال له: ألم يأتك اليقين؟ قال ابن مسعود: بلى وعزة ربي، فقال له حذيفة: فإياك والتلون؛ فإنَّ دينَ الله واحد".
نعم، إنك لا بدَّ أن تخرجَ من رمضان بقلب قد أَلِف الطاعةَ، وأحبها واعتادها، حتى صارت له كالهواءِ والماء للإنسان، فإياك أن تقتلَ إيمانَك بالتثاقل إلى الأرض، والإخلاد إلى الكسل، والرِّضا بالقعود والنكوص، إنني أريدُك أن تكون شخصيةً ربانية على مدى حياتك، لا على فتراتٍ متقطعة فيها، فتكون رجلَ المناسبات.
إياك أن تهجرَ الطاعة، لا تهجر حفظَ القرآن وتلاوته؛ فالأعمال لم تنقطعْ بعد رمضان، والقلم لم يُرفع عنك بعد رمضان، واعلم أنَّ أول طريقِ الفشل والضياع أن تتحكمَ فيك نفسُك وتسيرك كيف شاءت؛ قم: تقوم، اخرج: تخرج، نم: تنام، كل: تأكل، لا بد أن تمتلكَ أنت زمامَ المبادرة، لا بد أن تتحكمَ أنت في نفسِك، وتذللها لطاعة الملك - جل جلاله.
أخي يا بن الإسلام، ما زالت الأعمالُ بعد رمضان لم تنقطع؛ فالقرآن لا يُهجر بمجردِ انتهاء رمضان، بل حافظْ على وردك الثابت فيه، دم على ذلك؛ فالقرآن هو الذي يزكي نفسك، ويصلح قلبَك، ويثبتك على طريقِ الحقِّ، فلتستمر في قراءةِ القرآنِ، جزأين في اليومِ على الأقل، ثم زد إلى ثلاثة، ثم إلى خمسة؛ لتختمَ كلَّ أسبوع كما كان يفعلُ الصحابةُ.
كذلك القيامُ لم ينقطع؛ قم كلَّ ليلة بإحدى عشرة ركعة؛ فالنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يكن يترك قيامَ الليل، حتى لو فاته يومًا من وجعٍ أو غيره، صلَّى من النهارِ اثنتي عشرة ركعة.
والصيام لم ينقطع؛ فعليك أن تبادرَ بصيامِ ستة من شوال حتى تكون كأنك صمتَ السنة كلها، رمضان ثلاثون يومًا، والحسنة بعشرة أمثالها، فيكون ثلاثمائة، وستة أيام بعشرة أمثالها؛ إذًا ستون يومًا، فتكمل السنة، كأنك صمتَ سنةً كاملة، وهناك الكثيرُ من الصومِ المندوب راجعه في الوسائل، واسأل الله أن يسهلَه لك؛ فالصيامُ مدرسةٌ لتزكيةِ النَّفس، وهو الوصية الخاصة للشباب، وخصوصًا في هذه الأيامِ التي امتلأت بالفتنِ، أسأل الله أن ينجيني وإياكم منها.
والأعمالُ الصالحة كلها لم تنقطع؛ فبادرْ بالأعمالِ الصالحة، فطوبى لمن بادر عمره القصير، فعمَّر به وبادر المصير، وتهيأ لحسابِ الناقد البصير، قبل فواتِ القدرة وإعراض النصير.
أخي يا بن الإسلام، كان الإمامُ علي يقول في آخر ليلةٍ من رمضان: "ليت شعري من هذا المقبول منَّا فنهنيه؟ ومن هذا المحروم منا فنعزيه؟"، وكذلك كان يقولُ ابنُ مسعود: "من هذا المقبول منا فنهنيه؟ ومن هذا المحروم منا فنعزيه؟".
وكأن المستفاد من ذلك:
• أنَّ قبولَ الأعمال غيب، وأنَّ غايةَ سعي المكلفين إنما هو في تحصيلِ صور الأعمال ومظاهرها، وأما المعول والذي عليه المدار في القبول؛ إنما هو حقائق الأعمالِ ومقاصدها، فليت شعري من هذا المقبول فنهنيه؟ ومن هذا المحروم فنعزيه؟ إن ذلك غيب لا يدري به أحد.
• واستفدنا كذلك أنه لا بد بعد انقضاءِ العمل من وقفةِ المحاسبة للنفس، والنظر فيما كان فيه هذا العمل، وهل وقع من الله موقعَ القبول، أو كان هذا العملُ في محلِّ الرد والحرمان؟ فاكتسبت النفسُ لذلك وَجَلاً، بعدما ظنت انقضاءَ زمان السعي والمجاهدة، جاءها زمانٌ آخر؛ زمان المحاسبة والمعاقبة على التقصير، والمجاهدة لشكرِ نعم الله عليها.
• واستفدنا كذلك من قولِ الصحابيَّيْن الجليلين أنْ لا يزال العبد واقفًا بباب الله، فهذا المقبول لا ينقضي بعملِه المقبول سعيُه، بل يقتضي هذا العمل المقبول سعيًا موصولاً في شكر نعمةِ الله التي آتاه، وفي القيامِ بحقِّ الله في التوفيق للعمل الصالح، وفي مزيد التنعم بما أذاقه الله - تعالى - من حلاوةِ الطاعة، وكذلك المحروم؛ لا ينقطع به الرجاءُ من ربِّه الكريم، بل إن حرمانه ذلك يعني ذهاب جولة من جولات السعي؛ بسبب سوء فعلِه، ومرذول قصدِه، فإذا حصل له التنبهُ لذلك، فلا بد أن تكونَ جولةُ سعيه الأخرى أحظى بالقبولِ، وأرجى لاستحقاقِ رحمة أرحم الراحمين.
مَن هذا المقبول الذي أُعين على الصيامِ والقيام، وعلى إصلاحِ وظائف الأعمال من الصلواتِ المكتوبات والجماعات؟ من هذا المقبول الذي أُعين على وظيفةِ الصدقة ووظيفة تلاوة القرآن، وختم له رمضان بالسَّدادِ في الأعمال الصالحات؟ من هذا المقبول فنهنيه؟!
يتبع