
23-05-2020, 03:29 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,761
الدولة :
|
|
رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان
ومن الأدب في الطريق:
1- ألاَّ تخرج إلى الطريق إلاَّ لحاجة؛ قال - صلى الله عليه وسلم - لِمَن سأله عن النجاة: ((أمْسِك عليك لسانك، وليَسَعْك بيتك، وابْكِ على خطيئتك))، والحديث في صحيح سُنن الترمذي.
2- إذا اضطُرِرتَ إلى الخروج من بيتك، فعليك بغَضِّ البصر وكَفِّ الأذى، ورَدِّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما في حديث "حق الطريق" الذي رواه البخاري، وهذه الآداب الأربعة أصول الدين الحنيف، وهي مُناسبة لذَوي الفِطَر السليمة والمناهج القويمة، ولعلَّ معظم مآسي الذنوب والمعاصي تقع نتيجة مُخالفة هذه الأوامر، ولو الْتَزَم الناس تلك الآداب الأربعة على الأقل، لبَقِيَت شوارعنا على أصل الطهارة.
3- مساعدة المحتاجين، وإرشاد الضالين.
4- عدم شَغْل الطريق، أو إيذاء الناس وتعطيل مصالحهم.
5- المحافظة على نظافة الطريق بعدم إلقاء النفايات والأوساخ والنجاسات في ممرَّات الناس ومَجالسهم، وتجنُّب إلقاء الفضلات أو القاذورات أو غيرها، فلا تَبصق في الأرض، ولا تُلْقِ بالمناديل المستعملة أو بقايا الطعام في الطرقات والأماكن العامَّة.
6- تجنُّب الطرق المزدحمة - مثل: الأسواق وغيرها - بقدْر الإمكان، والإسراع في اجتيازها عند الضرورة، والحِرص على الْتِزام ذِكْر الله تعالى أثناء ذلك؛ لأنَّ ذِكْر الله في أماكن الغفلة له فضيلة عظيمة.
7- أن يَمشي متواضعًا.
8- الالتزام بأدب المشي، مثل: عدم الالتفات الكثير، وأن يُسَلِّم على القاعد إذا مرَّ به، وتجنُّب المِشْيات المذمومة، وينبغي أن تَمشي المرأة إلى جانب الطريق، ولا تَضرب المرأة برِجلها، ولا تخرج عمومًا مُتزيِّنة أو متعطِّرة.
9- أن تَحلُم على الناس، ولا تَجهل عليهم وإن جَهِلوا عليك، وتَصبر على أذاهم.
10- تجنُّب رفْع الصوت؛ سواء كان ذلك في البيع والشراء، أو مرورًا بالسيارات، أو تشغيل مُكَبِّرات الصوت في الأفراح، وغير ذلك مما يؤذي المسلمين.
11- تجنُّب الأكل في الطُّرقات؛ لأنه مُخِلٌّ بالمُروءة، والمروءة: اجتناب الرجل ما يَشينه، واجتناؤه ما يَزينه، ولا مُروءة لِمَن لا أدبَ له، ولا أدبَ لِمَن لا عقْلَ له، ولا عقْلَ لِمَن ظنَّ أن في عقْله ما يُغنيه ويَكفيه عن غيره.
12- رفْع الأطعمة وفُتات الخُبز عن قارعة الطريق، وإبعاد الأوراق التي فيها أسماء كريمة أو كلمات قرآنية عن ممرَّات الناس، ولا مانعَ من حَرْقها؛ لصونها من العَبَث، وتعظيمًا لاسم الله تعالى وكلامه.
وعموم الأدب أنَّ المسلم لا يوجد خارج بيته قدْر ما أمكن؛ ليتفرَّغ لعبادة الله تعالى، وإنْ خرَج، كان مشغولاً بذِكر الله تعالى، حريصًا على طاعته - عزَّ وجلَّ - فالْزَم الأدبَ.
الوسيلة السابعة والخمسون: تربية البنات وإعالتهن:
أبشر يا من رُزِقت بالبنات، ورَضِيت برِزق الله لك، وحَمدته وشكَرته، وقُمت بما أوْجبه عليك من حُسن التربية لهنَّ، وإعدادهنَّ إعدادًا جيدًا؛ ليكونوا أُمَّهات المستقبل في بيوت الإيمان.
أبْشِر يا هذا بقول حبيبك - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الإمام أحمد بسند جيِّد: ((مَن كُنَّ له ثلاث بنات يؤويهنَّ ويرحمهنَّ ويَكفلهنَّ، وَجَبت له الجنة)).
الوسيلة الثامنة والخمسون: الإحسان إلى الحيوان:
إن دين الإسلام يمتاز باهتمامه بالأخلاق الحسنة؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما بُعْثِت لأُتَمِّم مكارم الأخلاق))، وقد كَتب الله الإحسان على كلِّ شيء، فأحْسِن يُحْسِنِ الله إليك.أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُمُ 
فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الإِنْسَانَ إِحْسَانُ 
ولا يَقتصر الإحسان على ذلك، بل يمتدُّ إلى كلِّ ما حوْلك، حتى الحيوان؛ فقد ذكَر - صلى الله عليه وسلم -: "أنَّ رجلاً رأى كلبًا يأكل الثَّرى من العطش، فأخَذ الرجل خُفَّه، فجعَل يَغرِف له به، حتى أرْواه، فشكَر الله له فأدْخَله الجنة"؛ كما في البخاري، قالوا: يا رسول الله، وإنَّ لنا في البهائم أجرًا؟ قال: ((في كل كبدٍ رَطْبة أجر)).
وفي الصحيحين: ((بينما كلْب يُطيف بِرَكِيَّةٍ كاد يَقتله العطش، إذ رأتْه بَغِيٌّ من بَغايا بني إسرائيل، فنَزَعت مُوقَها فسقَتْه، فغُفِر لها به))، وفي المقابل: ((دخَلت امرأة النار في هِرَّة حبستْها، فلا هي أطعمتْها، ولا هي ترَكتْها تأكل من خَشاش الأرض))؛ كما في الصحيحين.
الحيوانات خَلْق من خَلْقِ الله تعالى، سخَّرها لخدمة الإنسان ولإعانته على طاعة الله تعالى، وأيضًا من عِلَّة تسخيرها له إعانته على عمارة الأرض، وتيسير قضاء الحوائج.
ومن الأدب في التعامل مع الحيوان:
1- إطعامها وسقيها إذا جاعَت وعَطِشت.
2- رحمتها والإشفاق عليها، وعدم إيذائها، فإن كان لكَ شوقٌ إلى الرحمة من الله تعالى، فكنْ رحيمًا لنفسك ولغيرك، ولا تستبدَّ بخيرك؛ فارْحَم الجاهل بعِلْمك، والذليل بجَاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشَفَقتك ورأْفتك، والعُصاة بدعوتك، والبَهائم بعَطفك ورفْع غضبك؛ فأقربُ الناس من رحمة الله تعالى أرحمُهم لخَلْقه.
3- ألاَّ يَحول بين الحيوان وبين ولَده إلاَّ لضرورة؛ فـ((مَن فرَّق بين والدة وولدها، فرَّق الله بينه وبين أحبَّته يوم القيامة))؛ كما في صحيح سُنن الترمذي.
4- إراحتها عند ذَبْحها أو قتْلها؛ كما في صحيح مسلم.
5- عدم إيذائها أو تعذيبها بأيِّ نوعٍ من أنواع العذاب.
6- عدم لَعْن الدواب.
7- عدم وَسْم الحيوان في وجْهه، أو ضَرْبه عليه؛ فالضرب على الوجْه مَنهيٌّ عنه في كلٍّ أحد - الإنسان والحيوان - لكنَّه في الآدمي أشدُّ؛ لأن الوجْه مَجمع المحاسن، ولأنه يَظهر فيه أثر الضَّرْب، ورُبما شَانَه، ورُبَّما آذى بعضَ الحواس.
8- عدم تعليق الأجراس في رقبتها؛ فـ((لا تَصْحب الملائكة رُفْقةً فيها كلْبٌ ولا جَرَس))؛ كما روى مسلم.
9- عدم الوقوف على الدابة؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك في الحديث الصحيح في المسند.
10- يجوز ركوب أكثر من واحدٍ على الدابة، إن عُلِم قوة تحمُّلها لذلك؛ فقد رَكِب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأرْدَف خلفه ابن عباس - رضي الله عنه.
11- جواز قتل المؤذي منها؛ مثل: الكلب العقور، والذئب، والحيَّة، والفأر، وغير ذلك.
12- معرفة حق الله تعالى فيها؛ بأداء زكاتها مما يُزكَّى.
13- عدم التشاغل بها عن طاعة الله تعالى، أو اللهو بها عن ذِكره - عزَّ وجلَّ.
14- ألاَّ يُحمِّل الدوابَّ فوق طاقتها.
فاجتهد أخي الحبيب - يا بن الإسلام - في تحرِّي الإحسان في معاملاتك كلِّها، وضْع نُصْب عينيك قولَ الله: ï´؟ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ï´¾ [البقرة: 195].
الوسيلة التاسعة والخمسون:طاعة المرأة لزوجها وتواضعها له:
إذا كانت المرأة تُشارك الرجل في كلِّ الأحكام التي لَم يَرِد فيها نصٌّ بالتخصيص، فإنه قد جاءَت أحاديث تروي لها كثيرًا من الفضائل، ومن أجمل هذه الأحاديث قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح الذي رواه ابن حِبَّان، وابن ماجه، وصحَّحه الألباني: ((إذا صلَّت المرأة خَمْسها، وصامَت شهرها، وحصَّنت فرْجَها، وأطاعَت بَعْلها، دخَلَت من أي أبواب الجنة شاءَت)).
ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - : ((ألا أُخبركم برجالكم من أهل الجنة: النبي في الجنة، والصدِّيق في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة، والرجل يزور أخاه من ناحية المصر لا يزوره إلاَّ لله، ونساؤكم من أهل الجنة: الودود، الولود، العؤود على زوجها، التي إذا غَضِبت جاءَت حتى تضع يدَها في يد زوجها، وتقول: لا أذوق غمضًا حتى ترْضَى))؛ رواه الطبراني، وصحَّحه الألباني.
فهيَّا يا نساء المسلمين، هَلْمُمْنَ إلى جنة عَرْضها السموات والأرض، حتى ولو أغضَبكن أزواجكن، فلله ثم للجنة أَرْضِينهم، واحْذرن من إغضابهم؛ فأيُّما امرأة باتَت وزوجها غضبان عليها، باتَت تَلعنها الملائكة، وفي المقابل: ((أيُّما امرأة باتَت وزوجها عنها راضٍ، دخَلَت الجنة))؛ رواه الترمذي، وقال: حسنٌ.
فاجْتَهِدْنَ يا نساء الإسلام في إرضاء الأزواج؛ فإنَّ حقَّهم عليكنَّ كبيرٌ؛ قال - صلى الله عليه وسلم -: ((لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ، لأمرْتُ المرأة أن تسجدَ لزوجها))؛ رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
ولكن لا يكون ذلك على حساب دينك أُخيَّتي، وإلاَّ فمَن أرضى الناس بسَخَطِ الله، سَخِط الله عليه، وأسْخَط عليه الناس، فاسترضِ زوجَكِ كلَّ ليلة، فلعلَّها تكون آخرَ ليلة لكِ في الدنيا، فيَبيت راضيًا عنكِ، فتَدخُلين الجنة - إن شاء الله تعالى.
الوسيلة الستون: زيارة الإخوان في الله:
فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا أُخبركم برجالكم من أهل الجنة، والرجل يزور أخاه في ناحية المصر لا يَزوره إلاَّ لله، في الجنة))؛ رواه الطبراني، وصحَّحه الألباني.
وذكَر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّ رجلاً زار أخًا له في قرية أخرى، فأرْصَد الله على مدرجته - طريقه - مَلَكًا، فلمَّا أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تَرُبُّها - تقوم بها وتسعى في صلاحها -؟ قال: لا، غير أني أحببْتُه في الله، قال: فإني رسول الله إليكَ، بأنَّ الله قد أحبَّك لِمَا أحببْتَه فيه؛ والحديث رواه مسلم.
• معنى الزيارة في الله: أن تكون في طاعته - سبحانه - فيجعل برنامجًا للزيارة في مَرضاة الله تعالى من قراءة قرآن، ودراسة علْمٍ، وتناصُح، ونحو ذلك من طاعة الله - عزَّ وجلَّ.
الوسيلة الحادية والستون: النظر في خَلْق السموات والأرض:
مع التفكُّر والاهتمام بالعبادات القلبيَّة، كحب الله، أو الخوف منه، ورجاء رحمته، والشوق إليه، والتفكُّر في آثار أسمائه وصفاته، وحُسن التوكُّل عليه، والتضرُّع والتذلُّل والانكسار بين يديه؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ï´¾ [آل عمران: 190 - 191]، وقال - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآيات: ((ويلٌ لِمَن قرَأها ولَم يتفكَّر فيها))؛ كما في صحيح ابن حِبَّان عن عائشة، وصحَّحه الألباني.
الوسيلة الثانية والستون:عليك بمصاحبة الصالحين وأهل الخير، وإيَّاك وصُحْبة الفُجَّار وأهل السوء:
قال تعالى: ï´؟ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ï´¾ [الكهف: 28]، وقال - صلى الله عليه وسلم - في المُتفق عليه: ((إنَّ مَثَلَ الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المِسْك ونافخ الكِير؛ فحامل المسك؛ إمَّا أن يُحْذِيَكَ، وإمَّا أن تَبتاع منه، وإمَّا أن تجدَ منه ريحًا طيبة، ونافخ الكِير؛ إمَّا أن يَحرِقَ ثيابك، وإمَّا أن تجد منه ريحًا مُنتنة))، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((المَرء على دين خليله، فلينظر أحدُكم مَن يُخَالِل))، وقال: ((يُحْشر المرءُ مع مَن أحَبَّ))؛ فابْحث عن العلماء والصالحين والدُّعاة المؤمنين، والْتَفَّ حولهم؛ فإنَّ ذلك يُعينك ويُثبِّتك، فهم كما قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن ماجه، وابن أبي عاصم، وحسَّنه الألباني: ((إنَّ من الناس ناسًا مفاتيحَ للخير، مَغاليقَ للشرِّ))، فالْزَمْهم، وعِشْ في أكنافهم، وإيَّاك والوَحْدة، فتَتَخَطَّفك الشياطين؛ فـ: ((إنَّما يأكل الذئبُ من الغنم القاصيةَ)).
• الاعتزال عن الشر وقُرناء السوء، والخَلوة مع النفس بين حين وآخر؛ للتفكُّر فيما أنت مُقبل عليه؛ قال تعالى عن إبراهيم - عليه السلام -: ï´؟ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ï´¾ [مريم: 48].
الوسيلة الثالثة والستون:أكْثِر من الدعاء لنفسك ولإخوانك بخيرَي الدنيا والآخرة:
الدعاء سلاح المؤمن، وهو من أقوى الأسباب في دفْع المكروه وحصول المطلوب، والدعاء هو العبادة، والعبادة هي التذلُّل والخضوع.
الدعاء إظهار افتقار وحاجة، وتذلُّل من العبد الفقير الضعيف الذي لا يَملِك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا إلى الله تعالى القادر على جَلْب جميع المنافع، ودَفْع جميع المضارِّ، والذي إذا أعطى الأوَّلين والآخرين جميعَ مطالبهم، وحقَّق لهم جميع مآرِبهم، لا ينقص ما عنده، بل إنه - سبحانه -يَغضب من عبده إذا لَم يسأَلْه حاجته؛ فقد قال - صلى الله عليه وسلم - في صحيح سُنن الترمذي: ((مَن لَم يسألِ الله، يَغْضَبْ عليه)).
فليس للعبد مُعين على مصالح دينه ودنياه إلاَّ الله تعالى، فمَن أعانه فهو المُعان، ومَن خذَله فهو المخذول، واعْلَم - يا بن الإسلام - أنه لا واسطة بينك وبين مولاك؛ فإذا أردتَ أن تدعوه، فبابه مفتوح: يُجيب السائلين، ويُعطي المحرومين: ï´؟ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ï´¾ [البقرة: 186].
يا بن الإسلام، يقول الله تعالى: ï´؟ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ï´¾ [محمد: 19]، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ((ما من عبدٍ مسلم يدعو لأخيه بظَهْر الغيب، إلاَّ قال الملك: ولك بمثله)).
يا ألله، ما أعظم هذا الحديث! الملك يدعو لك، فإذا ما أردتَ أخي يا بن الإسلام شيئًا، فادْعُ به لأخيك الذي أحببتَه في ربِّك، وصارَت شريعة الله هي حَبْلَ الوصال الأوَّل بينكما، ادْعُ له بالذي تريده؛ لتحصِّل دعاء الملك لك، فاللهم لك الحمد على هذه النعمة، وعلى كلِّ النِّعم.
سبحان الله، أين القلوب التي اجتمَعت على الحب في الله؟! أين الأُخوَّة الصادقة؟! أين المحبَّة التي لا يَشوبها شيء من المصالح والمنافع الدنيويَّة؟!
أين أصحاب القلوب التقيَّة النقيَّة، الذين يحبون إخوانهم لله، ويُحبون لهم الخير كما يحبونه لأنفسهم، فيدعون لهم بظَهْر الغيب، فيُسخِّر الله لهم ملكًا كريمًا ليدعو لهم؛ ففي صحيح مسلم قال - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن دعا لأخيه بظهْر الغيب، قال الملك الموكَّل به: آمين، ولك بمثله)).
ومن آداب الدعاء:
1- الإخلاص لله تعالى.
2- حضور القلب في الدعاء واليقين في الإجابة.
3- الدعاء في الرَّخاء والشِّدة؛ فـ: ((مَن سرَّه أن يَستجيبَ الله له عند الشدائد والكُرَب، فليُكثر الدعاء في الرَّخاء))؛ كما في صحيح سُنن الترمذي.
4- لا يسأل إلاَّ الله تعالى وَحْده.
5- عدم الدعاء على الأهل والمال والولد.
6- الاعتراف بالذنب والاستغفار منه، والاعتراف بالنعمة وشُكْر الله عليها، والثناء بها قبل الدعاء.
7- الوضوء قبل الدعاء إن تيسَّر.
8- الحَذَر من الاعتداء في الدعاء.
9- أن يتوسَّل إلى الله تعالى بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلى، أو بعمَلٍ صالحٍ قام به الداعي نفسه، أو بدعاء رجل صالح حيٍّ حاضرٍ له.
10- أن يكون المطعم والمشرب والملبس من حلال؛ لأن أكْل الحرام من موانع الإجابة ولو تحرَّى الداعي الأسباب الأخرى؛ كما في حديث "الأشعث الأغبر" في صحيح مسلم.
11- لا يدعو بإثم ولا قطيعة رحمٍ.
12- أن يجعل الداعي كفَّ يده لأعلى.
13-أن يقدِّم الداعي عملاً صالحًا؛ ليكون ذلك وسيلة إلى الإجابة.
وسائل تحصيل ثمرة الدعاء:
الأول: أن يترصَّد لدعائه الأوقات الشريفة، كيوم عرَفة من السنة، ورمضان من الأشهر، والجمعة من أيام الأسبوع، ووقت السَّحر من ساعات الليل؛ قال تعالى: ï´؟ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ï´¾ [الذاريات: 18]، وقال - صلى الله عليه وسلم - : ((ينزل الله تعالى كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا، حين يبقى ثُلُث الليل الأخير، فيقول - عزَّ وجلَّ -: مَن يدعوني فأستجيب له، مَن يسألني فأُعْطيه، من يستغفرني فأغْفِر له))؛ والحديث مُتفق عليه.
وقيل: إن يعقوب - صلى الله عليه وسلم - إنما قال: ï´؟ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ï´¾ [يوسف: 98]؛ ليدعو في وقت السَّحر، فقيل: إنه قام في وقت السحر يدعو وأولاده يؤَمِّنون خلفه، فأوْحى الله - عزَّ وجلَّ - إني قد غَفَرت لهم، وجعلتُهم أنبياءَ.
الثاني: أن يَغتنم الأحوال الشريفة؛ قال أبو هريرة: "إنَّ أبواب السماء تُفتح عند زحْف الصفوف في سبيل الله، وعند نزول الغيْث، وعند إقامة الصلوات المكتوبة، فاغتنموا الدعاء فيها"، وقال مُجاهد: "إنَّ الصلاة جُعِلت في خير الساعات؛ فعليكم بالدعاء خلف الصفوف"، وروى أبو داود، والنسائي، والترمذي وحسَّنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرَدُّ))، وروى الترمذي وحسَّنه: ((الصائم لا تُرَدُّ دعوته))، وفي الحقيقة يرجع شرف الأوقات إلى شرف الحالات أيضًا؛ إذ وقت السَّحر وقتُ صفاء القلب وإخلاصه، وفراغه من المهوِّشات، ويوم عرفة ويوم الجمعة وقتُ اجتماع الهم، وتعاون القلوب على استدرار رحمة الله تعالى، فهذا أحد أسباب شرف الأوقات سوى ما فيها من أسرار لا يُطَّلع فيها، وحالة السجود أيضًا أجدر بالإجابة؛ كما في صحيح مسلم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أقرب ما يكون العبد من ربِّه - عزَّ وجلَّ - وهو ساجد، فأكْثِروا فيه من الدعاء))، وفيه أيضًا: ((إني نُهِيت أنْ أقرأَ القرآن راكعًا أو ساجدًا؛ فأمَّا الركوع، فعَظِّموا فيه الربَّ تعالى، وأمَّا السجود، فاجْتهدوا فيه بالدعاء؛ فإنه قَمِنٌ - جدير - أن يُستجاب لكم)).
ومن الأحوال الشريفة : وقت التنزُّل الإلهي، وأن يَبيت فيتعارَّ من الليل فيدعو، وآخر ساعة من نهار الجمعة، وأن يدعوَ الأخ لأخيه بظَهْر الغيب، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد لولده، ودعاء رمضان.
الثالث: أن يدعو مستقبِل القِبلة، ويرفع يديه بحيث يُرى بياضُ إبطيه، أو يرفع يديه قُبالة وجهه، أو نحو ذلك، أو يرفع إصبعه السبَّابة؛ عن جابر بن عبدالله أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "أتى الموقف بعَرَفة، واستقَبَل القِبلة، ولَم يَزَل يدعو حتى غرَبت الشمس"، والحديث رواه مسلم، وقال سلمان: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ ربَّكم حَيِيٌّ كريم، يستحيي من عبيده إذا رفعوا أيديهم إليه أن يردَّها صفرًا))؛ رواه أبو داود، والترمذي وحسَّنه، وعن أنس أنه - صلى الله عليه وسلم -: "كان يرفع يديه حتى بياض إبطيه في الدعاء"؛ رواه مسلم، وعن أبي هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - مرَّ على إنسان يدعو ويُشير بإصبعيه السبَّابتين، فقال: ((أحِّدْ، أحِّدْ))؛ رواه النسائي، وابن ماجه؛ أي: اقتصِرْ على الواحدة، وقال أبو الدَّرداء: "ارفعوا هذه الأيدي قبل أن تُغَلَّ بالأغلال"، وقال ابن عباس: "كان - صلى الله عليه وسلم -: إذا دعا ضَمَّ وجعَل بطونهما مما يلي وجْهه"؛ أخرجه الطبراني بإسناد فيه ضَعْف.
فهذه هيْئَات اليد، ولا يرفع بصره إلى السماء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - عند مسلم: ((لينتهيَنَّ أقوامٌ عن رفْع أبصارهم إلى السماء عند الدعاء، أو لتُخْطفَنَّ أبصارُهم)).
الرابع: خَفْض الصوت بين المخافتة والجَهر؛ لِمَا ورَد في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري، قال: قَدِمنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلَمَّا دَنونا من المدينة، كَبَّر وكبَّر الناس ورفعوا أصواتهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((يا أيها الناس، إنَّ الذي تدعون ليس بأصمَّ ولا غائب))، وقالت عائشة - رضي الله عنها - في قوله - عزَّ وجلَّ -: ï´؟ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ï´¾ [الإسراء: 110]؛ أي: بدعائك، وقد أثْنَى الله تعالى على نبيِّه زكريا - عليه السلام - فقال: ï´؟ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ï´¾ [مريم: 3]، وقال تعالى: ï´؟ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ï´¾ [الأعراف: 55].
الخامس: ألاَّ يتكلَّف السجع في الدعاء؛ فإنَّ حال الداعي ينبغي أن يكون حالَ متضرِّعٍ، والتكلُّف لا يُناسبه، وقد يَصِل ذلك السجع إلى الاعتداء في الدعاء؛ قال - صلى الله عليه وسلم - : ((سيكون قوم يَعْتَدون في الدعاء))؛ رواه أبو داود، وابن ماجه، وقد قال - عزَّ وجلَّ -: ï´؟ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ï´¾ [الأعراف: 55].
قيل: معناه التكلُّف للأسجاع، والأَوْلَى ألاَّ يتجاوز الدعوات المأثورة، فإنه قد يتعدَّى في دعائه فيسأل ما لا تَقتضيه مصلحته، فما كلُّ أحدٍ يُحسن الدعاء؛ ولذلك رُوِي عن معاذ - رضي الله عنه -: "إنَّ العلماء يُحتاج إليهم في الجنة؛ إذ يقال لأهل الجنة: تمنَّوا، فلا يَدرون كيف يتمنَّون؛ حتى يتعلَّموا من العلماء"، وفي الخبر: سيأتي قوم يعتدون في الدعاء والطُّهور، ومَرَّ بعض السلف بقاصٍّ يدعو بسجعٍ، فقال له: أعَلَى الله تُبالغ؟ أَشْهَد، لقد رأيت حبيبًا العجمي يدعو وما يزيد على قوله: اللهم اجعلنا جيِّدين، اللهم لا تَفضَحنا يوم القيامة، اللهم وفِّقنا للخير، والناس يدعون من كلِّ ناحية وراءَه، وكلٌّ يعرف بركة دُعائه، وقال بعضهم: ادعُ بلسان الذِّلة والافتقار، لا بلسان الفصاحة والانطلاق.
ويُقال: إنَّ العلماء لا يزيدون في الدعاء على سبع كلمات فما دونها، ويَشهد له آخر سورة البقرة، فإنَّ الله تعالى لَم يُخبر في موضع من أدْعية عباده أكثر من ذلك.
وانتبه - أخي يا بن الإسلام - إلى أنَّ السجع المذموم هنا هو المتكلف؛ فإنه لا يلائم الضَّراعة والذِّلة، وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازنة، لكنَّها غير متكلفة؛ كما روى الترمذي وقال: غريب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أسألك الأمنَ يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود مع المقرَّبين الشهود، والرُّكع السجود، الموفين بالعهود، إنك رحيم وَدُود، وإنَّك تفعل ما تريد))، وأمثال ذلك، فليقتصر على المأثور من الدعوات، أو ليلْتمس بلسان التضرُّع والخشوع من غير سجعٍ وتكلُّف؛ فالتضرُّع هو المحبوب عند الله.
السادس: التضرُّع والخشوع والرغبة والرهبة؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ï´¾ [الأنبياء: 90]، وقال تعالى: ï´؟ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ï´¾ [الأعراف: 55].
السابع: أن يَجزم الدعاء، ويُوقن الإجابة، ويَصدق رجاؤه فيه؛ في الصحيحين قال - صلى الله عليه وسلم - : ((إذا دعا أحدكم، فليَعزم في الدعاء، ولا يقل: اللهم إن شئتَ فأعطني؛ فإن الله لا مُستكرِه له))، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا دعا أحدكم، فليُعظم الرغبة؛ فإنَّ الله لا يتعاظمُه شيء))؛ رواه ابن حِبَّان.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعْلموا أن الله - عزَّ وجلَّ - لا يَستجيب دعاءً من قلب غافل))؛ رواه الترمذي، وقال: غريب، قال سفيان بن عُيينة: لا يَمنعنَّ أحدَكم من الدعاء ما يعلم من نفسه؛ فإن الله تعالى أجابَ دعاءَ شرِّ الخَلْق إبليس - لعَنه الله - إذ قال: ï´؟ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ï´¾[الحجر: 36 - 37].
الثامن: أن يُلِحَّ في الدعاء ويُكرِّره ثلاثًا؛ قال ابن مسعود: "كان - صلى الله عليه وسلم - إذا دعا، دعا ثلاثًا، وإذا سأل، سأل ثلاثًا"؛ رواه مسلم، ولكن ينبغي ألاَّ يَستبطئ الإجابة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين: ((يُستجاب لأحدكم ما لَم يَعْجَل، فيقول: قد دعوتُ، فلم يُستجَب لي))، فإذا دعوت، فاسأل الله كثيرًا؛ فإنك تدعو كريمًا، وقال بعضهم: إني سألت الله - عزَّ وجلَّ - منذ عشرين سنة حاجة، وما أجابني وأنا أرجو الإجابة، سألتُ الله أن يوفِّقني لترْك ما لا يَعنيني.
التاسع: أن يفتح الدعاء بذِكر الله تعالى والثناء عليه، ثم بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يبدأ بالسؤال؛ قال سَلَمة بن الأكْوَع: "ما سَمِعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَستفتح دعاءً، إلاَّ استفتَحَه بقوله: ((سبحان ربي العَلِيِّ الأعلى الوهَّاب))"؛ رواه أحمد والحاكم، وفيه ضَعْفٌ.
وأن يَختمَه كذلك؛ لحديث: ((كلُّ دعاءٍ محجوب حتى يُصَلي على النبي - صلى الله عليه وسلم))، وقد رواه البيهقي وحسَّنه الألباني، ولأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك في صحيح سُنن أبي داود، قال أبو سليمان الداراني: "مَن أراد أن يسألَ الله حاجة، فليَبْدأ بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يسأل حاجته، ثم يَختم بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يَقبل الصلاتين، وهو أكرمُ من أن يَدَعَ ما بينهما".
العاشر: وهو الأدب الباطن، وهو الأصل في الإجابة: التوبة، وترْك المعاصي، ورَدُّ المظالِم، والإقبال على الله تعالى بكُنه الهِمَّة، فذلك هو السبب القريب في الإجابة.
يُروى عن كعب الأحبار أنه قال: أصاب الناسَ قحطٌ شديد على عهد موسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرَج موسى ببني إسرائيل يستقي بهم، فلم يُسْقَوْا، حتى خرَج ثلاث مراتٍ ولَم يُسْقوا، فأوحى الله - عزَّ وجلَّ - إلى موسى - صلى الله عليه وسلم -: إني لا أستجيب لك ولِمَن معك وفيكم نَمَّام، فقال موسى: يا رب، ومَن هو حتى نُخرجه من بيننا؟ فأوْحَى الله - عزَّ وجلَّ - إليه: يا موسى، أنهاكم عن النميمة وأكون نَمَّامًا؟! فقال موسى لبني إسرائيل: توبوا إلى ربِّكم بأجمعكم عن النميمة، فتابوا فأرْسَل الله تعالى عليهم الغيْثَ.
وقال سفيان الثوري: بلغني أنَّ بني إسرائيل قُحِطوا سبع سنين؛ حتى أكلوا المَيتة من المزابل، وكانوا كذلك يخرجون إلى الجبال يَبكون ويتضرَّعون، فأوْحى الله - عزَّ وجلَّ - إلى أنبيائهم - عليهم السلام -: "لو مشيتُم بأقدامكم حتى تَحفى رُكبكُم، وتبلغ أيديكم عَنان السماء، وتكِلَّ ألسنتكم عن الدعاء، فإني لا أُجيب لكم داعيًا، ولا أرحم لكم باكيًا؛ حتى تردُّوا المظالم إلى أهلها، ففعلوا، فمُطِروا من يومهم".
وقال مالك بن دينار: "أصاب الناس في بني إسرائيل قَحطٌ، فخرَجوا مرارًا، فأوْحَى الله - عزَّ وجلَّ - إلى نبيِّهم أنْ أخْبِرهم أنكم تخرجون إليّ بأبدان نَجِسة، وترفعون إليّ أكُفًّا قد سَفَكتم بها الدماء، وملأتُم بطونكم من الحرام، الآن قد اشتدَّ غضبي عليكم، ولن تَزدادوا مني إلا بُعدًا".
وقال أبو الصديق الناجي: خرَج سليمان - عليه السلام - يستقي، فمرَّ بنملة مُلقاة على ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنَّا خَلْق من خَلْقك، ولا غِنى بنا عن رزقك، فلا تُهلكنا بذنوب غيرنا، فقال سليمان - عليه السلام -: "ارجعوا؛ فقد سُقيتم بدعوة غيركم".
وقال الأوزاعي: "خرَج الناس يستسقون، فقام فيهم بلال بن سعد، فحَمِد الله وأثْنَى عليه، ثم قال: يا معشر مَن حضَر، ألستُم مُقِرِّين بالإساءة؟ فقالوا: اللهم نعم، فقال: "اللهم إنا قد سَمِعناك تقول: ï´؟ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ ï´¾ [التوبة: 91]، وقد أقْرَرْنا بالإساءة، فهل تكون مغفرتك إلاَّ لِمثلنا؟ اللهم فاغْفِر لنا وارْحَمنا واسْقِنا، فرفَع يدَيه ورَفعوا أيديهم، فسُقوا". وقيل لمالك بن دينار: ادْعُ لنا، فقال: "إنَّكم تستبطئون المطر، وأنا أستبطِئ الحجارة".
ورُوي أن عيسى - صلوات الله عليه وسلامه - خرَج يستسقي، فلمَّا ضَجِروا، قال لهم عيسى - عليه السلام -: مَن أصاب منكم ذنبًا، فليَرجع، فرجَعوا كلُّهم، ولَم يَبق معه في المفازة إلاَّ واحد، فقال له عيسى - عليه السلام -: أمَا لك من ذنبٍ؟ فقال: والله ما عَمِلت من شيء غير أني كنتُ ذات يوم أُصلي، فمرَّت بي امرأة، فنظرْتُ إليها بعيني هذه، فلمَّا جاوزتْني، أدْخَلت إصبعي في عيني، فانتزعْتُها وتبعتُ المرأة بها، فقال له عيسى - عليه السلام -: ادْعُ الله؛ حتى أؤمِّن على دُعائك، قال: فدعا، فتجلَّلت السماء سحابًا، ثم صبَّت، فسُقوا.
وقال يحيى الغَسَّاني: أصاب الناس قحطٌ على عهد داود - صلى الله عليه وسلم - فاختاروا ثلاثة من عُلمائهم، فخرَجوا حتى يَستسقوا بهم، فقال أحدهم: اللهم إنَّك أَنْزلت في توراتك أن نعفوَ عمَّن ظَلَمنا، اللهم إنا قد ظَلَمنا أنفسنا، فاعفُ عنَّا، وقال الثاني: اللهم إنَّك أنزلتَ في توراتك أن نعْتِق أرِقَّاءَنا، اللهم إنا أرِقَّاؤك فأعْتِقنا، وقال الثالث: اللهم إنَّك أنزلت في توراتك ألاَّ نردَّ المساكين إذا وَقفوا بأبوابنا، اللهم إنا مساكينك وقَفنا ببابك، فلا تردَّ دعاءَنا، فسُقوا.
وقال عطاء السُّلَمي: "مُنِعْنا الغيثَ، فخرَجنا نستسقي، فإذا نحن برجل بين المقابر، فنظَر إليّ فقال: يا عطاء، أهذا يوم النشور، أو بُعثِر ما في القبور؟ فقلت: لا، ولكنَّا مُنِعنا الغيث، فخرَجنا نستسقي، فقال: يا عطاء، بقلوب أرضِيَّة أم بقلوب سماويَّة؟ فقلت: بل بقلوبٍ سماويَّة، فقال: هَيْهات يا عطاء، قل للمُتبهرجين لا تتبهْرَجوا؛ فإن الناقد بصير، ثم رَمَق السماء بطرفٍ وقال: إلهي وسيدي ومولاي، لا تُهلك بلادَك بذنوب عبادك، ولك بالسرِّ المكنون من أسمائك إلاَّ ما سقيتَنا ماءً غدقًا فُراتًا؛ تُحيي العباد وتروي به البلاد، يا مَن هو على كلِّ شيء قدير، قال عطاء: فما استتمَّ الكلام، حتى أرعَدَت السماء وأبْرَقت، وجادَت بمطرٍ كأفواه القِرَب".
وقال ابن المبارك: "قَدِمت المدينة في عام شديد القَحط، فخرَج الناس يستسقون، فخرَجت معهم، إذ أقبل غلام أسود، عليه قطعتا خيشٍ، قد اتَّزَر بإحداهما، وألقى الأخرى على عاتقه، فجلس إلى جنبي، فسمعتُه يقول: إلهي، أخْلَقت الوجوه عندك كثرةُ الذنوب، ومساوي الأعمال، وقد حبَست عنا غيْثَ السماء؛ لتؤدِّب عبادك بذلك، فأسألك يا حليمًا ذا أناةٍ، يا مَن لا يعرف عبادُه منه إلاَّ الجميل أنْ تَسقيَهم الساعة الساعة، فلم يَزَل يقول: الساعة الساعة، حتى اكتسَت السماء بالغمام، وأقْبَل المطر من كلِّ جانب؛ قال ابن المبارك: فجِئْت إلى الفضيل، فقال: ما لي أراك كئيبًا؟ قلتُ: أمْرٌ سبَقنا إليه غيرُنا، فتَولاه دوننا، وقصَصتُ عليه القصة، فصاح الفُضيل، وخرَّ مَغشيًّا عليه".
ويُروى أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - استَسقى بالعباس - رضي الله عنه - فلمَّا فرَغ عمر من دُعائه، قال العباس: اللهم إنه لَم ينزل بلاءٌ من السماء إلا بذنبٍ، ولَم يُكشَف إلاَّ بتوبة، وقد توجَّه بي القوم إليك؛ لمكاني من نبيِّك - صلى الله عليه وسلم - وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا بالتوبة، وأنت الراعي لا تُمهل الضالة، ولا تَدع الكبير بدار مضيعةٍ، فقد ضرَعَ الصغير، ورقَّ الكبير، وارتفَعَت الأصوات بالشكوى، وأنت تعلم السرَّ وأخْفَى، اللهم فأغْثِهم بغياثك، قبل أن يَقنطوا فيَهلِكوا؛ فإنه لا يَيْئَس من روح الله إلاَّ القوم الكافرون، قال: فما تَمَّ كلامَه، حتى ارتفَعَت السماء مثل الجبال، والله المستعان.
أخي يا بن الإسلام، الدعاء والمُناجاة والتضرُّع والافتقار بالأسحار، عبادة لها لذَّة، وفي رمضان لها طعْمٌ آخرُ، ومَذاق خاص، والسعيد السعيد مَن قام في السَّحر يناجي ربَّه ويتملَّقه؛ ليستنشقَ نَسيم الأُنس بالله، فوالله ثم تالله، لو شَمَمت نسيمَ الأسحار، لاستفاقَ منك قلبُك المخمور. 
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|