إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له
ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ، وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله ..
اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً
.. أمْا بَعد ...
حياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام ، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة


عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان
(28)
محمود العشري

الوسيلة الرابعة والعشرون: إفشاء السَّلام:
"السَّلام" هو الأمان والاطمئنان، وهو أقصى ما يتمنَّاه الإنسان، وغاية ما ترجوه البشريَّة، وقد جعله الله تحيةً لآدمَ أبي البشر؛ كما في "صحيح البخاري"، وروى الإمامُ مسلمٌ عن أبي هريرة أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا تَدْخلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتَّى تحابُّوا، أوَلا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعَلْتُموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلام بينكم)).
من آداب السَّلام:
1- الالتزام بصيغةِ السَّلام الواردة عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته)).
2- الردُّ على السَّلام: وعليكم السَّلام ورحمة الله وبركاته؛ قال - تعالى -: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ﴾ [النساء: 86].
3- ترك التَّحايا والسَّلامات غير الشرعيَّة، والالتزام بالسَّلام المشروع فقط؛ مثل قول: "مساء الخيرِ" وغيرها، مما فيه تشبه بالكفَّار.
4- لا يقول: عليكَ السَّلام؛ لأنَّها تحية الموتى؛ ففي "صحيح سنن أبي داود" عن أبى جُرَيٍّ الهُجَيْمِيِّ - رضي الله عنه - قال: أتيتُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقلتُ: عليكَ السَّلام يا رسول الله، قال: ((لا تقل: عليك السَّلام؛ فإنَّ "عليك السَّلام" تحيةُ الموتى)).
5- أن يَبدأ بالسَّلام قبل الكلام دائمًا؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من بدَأَكم بالكلامِ قبل السَّلام فلا تُجيبوه))؛ وقد رواه الطَّبراني، وحسَّنه الألباني.
6- أن يحرصَ كلُّ مسلم على أن يكون هو الذي يبدأ بالسَّلام؛ ففي "صحيح سنن أبي داود" قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ أولى النَّاس بالله مَن بدأهم بالسَّلام)).
7- أن يكرِّرَ المسلمُ السَّلام على أخيه المسلم كلَّما تكرَّرَ لقاؤه؛ ففي "صحيح سنن أبي داود" قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا لقي أحدُكم أخاه، فلْيُسلِّمْ عليه، فإن حالت بينهما شجرةٌ أو جدار أو حجر، ثم لَقِيه، فليسلِّم عليه أيضًا)).
8- أن يرفعَ صوتَه بحيث يسمع المسلّم عليه، وإذا شكَّ في أنه لم يسمعهم، فلْيَزِد في رفعِه حتى يعلم أنه أسمعهم.
9- أن يسلِّمَ على مَن في بيتِه عند الدخول، فإن لم يجد، سَلَّم على نفسِه؛ قال - تعالى -: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ [النور: 61].
10- إذا مرَّ بصبيانٍ يسلِّمُ عليهم؛ وذلك لتعويدِهم على إلقاء السَّلام ورَدِّه، ولغرسِ نوازع الرُّجولة فيهم، كما أنَّ فيه تقويةً لشخصيتِهم، واستجلابًا لمحبتهم، وكان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يفعله.
11- أن يسلِّمَ الماشي على الواقفِ والجالس، والواحدُ على الجماعة، والقليلُ على الكثير؛ لحديث البخاري.
12- إذا قَدِمَ جماعةٌ على فردٍ، أجزأَ أن يُسلِّمَ أحدُهم؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في "صحيح سنن أبي داود": ((يُجْزِئ عن الجماعةِ إذا مرُّوا أن يسلِّمَ أحدُهم، ويجزئ عن الجلوسِ أن يردَّ أحدهم)).
13- بشاشة الوجه، ولين الجانبِ مع السَّلام، فلا تسلِّم متجهِّمًا ولا منفِّرًا.
14- المصافحة مع السَّلام؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في "صحيح سنن أبي داود": ((ما من مسلمَيْن يلتقيانِ فيتصافحان، إلاَّ غُفر لهما قبل أن يفترقا))، وهذا يدخل في حُسنِ الخلق؛ كما قيل إنه: أمرٌ هين، ووجهٌ طلق، وكلامٌ لين، ولكن هذه صورة منه، جعل الله عليها هذا الثوابَ الجزيل، فينبغي على كلِّ مسلمٍ أن يحرصَ على أن يؤدِّي هذا الحقَّ من حقوقِ أخيه المسلم عليه في أكمل صورة؛ لينالَ مع أخيه المغفرة.
وروى أحمد وصحَّحه الألباني عن البَراءِ مرفوعًا: ((أيما مسلمَيْن التقَيا، فأخذ أحدُهما بيدِ صاحبه، ثم حمد الله، تفرَّقا ليس بينهما خطيئة))، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - في "صحيح الجامع": ((إنَّ من موجباتِ المغفرةِ بذلَ السَّلام، وحُسنَ الكلامِ)).
15- يكره السَّلام بالإشارةِ إلا لضرورة كبُعدٍ، لكن ينطقُ بالسَّلام مع الإشارة؛ لأنَّ فيه تشبُّهًا باليهود والنَّصارى، وقد نهى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن تسليمِهم في الحديث الحسن عند الترمذيِّ: ((ليس منَّا من تشبه بغيرِنا، لا تَشَبَّهوا باليهودِ ولا بالنَّصارى؛ فإنَّ تسليمَ اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكُفِّ)).
16- أن لا يسلِّمَ على المشتغلِ بقضاء الحاجة، أو على النائم، أو على مؤذِّن في حالِ أذانه، أو إقامة الصَّلاة، أو من كانت اللُّقمة في فمِه.
17- لا يَبدأ المسلمُ الكافرَ بالسَّلام، وإذا بدأك بالسَّلامِ تردُّ عليه بقولِك: "وعليكم".
18- استحباب السَّلامِ على المَحارم.
19- ألقِ السَّلام على مَن عرَفْتَ ومن لم تعرف؛ لما رواه البخاريُّ في "صحيحه" أنَّ رجلاً سأل النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أيُّ الإسلامِ خير؟ قال: ((تطعمُ الطَّعامَ، وتقرأ السَّلامَ على من عرفتَ ومن لم تعرف)).
20- لا تغضَبْ إنْ لم يردَّ أحدٌ عليك السَّلام؛ فإنَّ الملائكةَ تردُّ عليك؛ ففي الحديثِ الصحيح في "الأدب المفرَد": ((إنَّ السَّلام اسمٌ من أسماء الله وضعَه الله في الأرض؛ فأفشوه بينكم، إن الرَّجلَ إذا سلم على القومِ فردُّوا عليه، كانت له عليهم فضلُ درجة؛ لأنَّه ذكَّرهم بالسَّلام، وإن لم يُرَدُّ عليه، رَدَّ عليه مَن هو خيرٌ منه وأطيب))، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه الألباني: ((أفشِ السَّلام، وأطعمِ الطَّعام، وصِلِ الأرحام، وقم بالليل والنَّاس نيام، وادخل الجنَّة بسلام)).
ومن تمامِ إفشاء السَّلام: أن تسلِّمَ على من عرفتَ ومن لم تعرف كما سبق، فأين إفشاء السَّلام بين المسلمين؟! تاللهِ لقد أصبحنا نعيشُ زمانًا لا يُلقي فيه المسلمُ على أخيه المسلمِ السَّلامَ إلاَّ لمصلحةٍ دنيويَّة - إلا من رحم الله - بل نجدُ أحيانًا مسلمًا يمرُّ بجوارِ أخيه، فيسلِّم عليه، فلا يرد عليه السَّلام!
بل إنَّ بعضَهم لا يسلِّم إلا على من يعرف، وهذه - مع كونِها مخالفةً للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فهي واللهِ من أشراطِ السَّاعة الصُّغرى؛ فقد روى الإمامُ أحمد بإسنادٍ صحيح أنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ من أشراطِ الساعة أن يُسلِّمَ الرَّجلُ على الرجلِ؛ لا يسلِّمُ عليه إلا للمعرفة)).
فائدة:
يَتَّخذُ بعضُ النَّاس هذه الأحاديثَ في السَّلام بابًا لبدءِ غير المسلمين بالسَّلام، لكن ذلك مما يُستثنى من السَّلام، فلا يَبدأ المسلمُ غيرَ المسلم بالسَّلام، فإذا ابتَدؤوه، ردَّ عليهم سلامَهم بقوله: وعليكم؛ كما جاء بذلك الحديث.
فائدة أخرى:
خاصية إفشاء السَّلام هذه عامة، ومن أفرادِها: سلامُ الرَّجلِ على أهلِه إذا دخل عليهم، وقد ورد بشأنِها دليلٌ مستقلٌّ؛ وهو ما رواه أبو داود وحسَّنه الألباني عن أبي أمامة - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ثلاثة كلُّهم ضامن على الله - عزَّ وجلَّ -: رجلٌ خرج غازيًا في سبيلِ الله، فهو ضامن على الله حتَّى يتوفاه، فيُدخله الجنَّةَ، أو يردّه بما نال من أجرٍ وغنيمة، ورجلٌ راح إلى المسجدِ، فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفَّاه فيدخله الجنة، أو يَردّه بما نال من أجر وغنيمة، ورجلٌ دخل بيته بسلامٍ، فهو ضامن على الله - عزَّ وجلَّ)).
وفي الحديث الذي رواه الترمذيُّ عن أنس - رضي الله عنه - وحسنه الألباني، قال: قال لي رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا بنيَّ، إذا دخلتَ على أهلِك فسلِّم، يَكُنْ بركةً عليك وعلى أهلِ بيتك)).
الوسيلة الخامسة والعشرون: إدخال السرور على المسلم:
أخي الحبيب: يا بنَ الإسلام، هل تَذْكر يومًا أنَّ هناك شيئًا يُدخل السرورَ والبهجة والسعادة على أخيك، فجئتَ به لأخيك؛ من أجلِ أن تُدخلَ السعادةَ على قلبِه؟!
إنَّ هذا العملَ من أفضلِ الأعمال، كما أخبر بذلك النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه البيهقيُّ وحسَّنه الألباني عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أفضلُ الأعمالِ أن تُدْخِلَ على أخيك المسلمِ سُرورًا، أو تقضي عنه دَيْنًا، أو تطعمه خبزًا))، وكذلك أيضًا تبشير المسلم بما يسرُّه: كما تسابقَ الصَّحابةُ إلى تبشيرِ كعب بن مالك - رضي الله عنه - بالتوبة، وفي قصة معاذٍ وأبي هريرة - رضي الله عنهم - جميعًا.
الوسيلة السادسة والعشرون: البكاء من خشية الله:
قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((حرَّم اللهُ على عينَيْن أن تنالَها النَّارُ؛ عين بكت من خشيةِ الله، وعين باتت تحرسُ الإسلام وأهلَه من أهلِ الكفر))؛ رواه الحاكم والبيهقيُّ وحسنه الألباني.
وعند أبي يعلى وصححه الألباني: ((عينان لا تمسُّهما النَّارُ أبدًا: عينٌ بكت من خشيةِ الله، وعينٌ باتت تحرسُ في سبيلِ الله))، وعند أحمد والترمذيِّ، وصحَّحه الألباني: ((لا يلج النَّارَ رجلٌ بكى من خشيةِ الله حتَّى يعود اللَّبنُ في الضَّرع))، بل إنَّ من السبعةِ الذين يظلهم الله في ظلِّه: ((ورجل ذكرَ الله خاليًا ففاضتْ عيناه))، كما في "الصحيحين".
وقد روى أحمد عن عائشةَ - رضي الله عنها - مرفوعًا، وصحَّحه الألباني: ((ما خالط قلبَ امرئ مسلم رَهَجٌ في سبيلِ الله إلا حرَّمَ الله عليه النَّار))؛ والرَّهَجُ هو خفقانُ القلبِ من الخوف.
وقال كعبٌ - رضي الله عنه - كما عند ابن أبي شَيْبة وأبي نُعَيم: "لأَنْ أبكي من خشيةِ الله - تعالى - حتى تسيلَ دموعي على وجنتي، أحبُّ إليَّ من أن أتصدقَ بِوَزْني ذهبًا".
فأين أصحابُ القلوبِ الخاشعة؟! وأين أصحابُ العيون التي تبكي من خشية الله؟! تالله لقد قستْ قلوبُنا حتى أصبحَ أكثرُنا لا يخشع قلبُه، ولا تدمع عينه؛ قال - تعالى -: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 74]، وقال - تعالى -: ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الحشر: 21].
الوسيلة السابعة والعشرون: الرد عن عِرْض المسلم:
قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من ردَّ عن عرضِ أخيه، ردَّ الله عن وجهِه النَّارَ يوم القيامة))؛ رواه الترمذيُّ وأحمد، وصحَّحه الألباني، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن ذبَّ عن لحم أخيه بالغيبةِ، كان حقًّا على الله أن يُعتقَه من النَّار))؛ رواه أحمد وصححه الألباني بلفظ: ((من ذبَّ عن عرضِ أخيه)).
الوسيلة الثامنة والعشرون: مدُّ يد العون للمحتاجين، وعلى الأقل بالقرض الحسن:
فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من أقرض وَرِقًا مرَّتين، كان كعِدْلِ صدقة مرة))؛ رواه البيهقي وصحَّحه الألباني.
الوسيلة التاسعة والعشرون: إطعام الطعام:
قال - تعالى -: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورً ﴾ [الإنسان: 8 - 11]، وقال - صلَّى الله عليه وسلم - فيما رواه الترمذي بسند حسن: ((أيما مؤمن أطعمَ مؤمنًا على جوعٍ، أطعمَهُ الله من ثمارِ الجنة، ومن سقى مؤمنًا على ظمأ، سقاه الله من الرَّحيقِ المختوم)).
وكان كثيرٌ من السَّلفِ يحرصون على إطعامِ الطعام، ويقدمونه على كثيرٍ من العبادات؛ يسوقهم إلى ذلك خوف أنْ تصيبَهم دعوةُ نبيِّهم التي صححها الألباني في "صحيح الجامع": ((لا خير في مَن لا يضيف))، وكان كثير من السَّلفِ يؤثِرُ بفطورِه وهو صائم، منهم: عبدالله بن عُمر، وداود الطائي، ومالك بن دينار، وأحمد بن حنبل.
وكان من السَّلفِ مَن يطعم إخوانَه وهو صائم، ويَجلس يخدمُهم ويروحهم؛ منهم: الحسن، وابن المبارك، فإذا أعجبَتْك وجبةُ طعام اليوم فقدِّمْها للفقير، فإن لم تفعل فقدِّم منها للفقير، وستجد طعمَها في الجنة، لكنَّه أشهى! أمَّا ما بخلتَ به وأكلت، فمَآلُه بيت الخلاء بعد ساعة.
وعبادةُ إطعامِ الطعام تنشأ عنها عباداتٌ كثيرة؛ منها التودَّدُ والتحبُّب إلى إخوانِك الذين أطعمتَهم، فيكون ذلك سببًا في دخولِ الجنة؛ ففي صحيح مسلم قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لن تدخلوا الجنةَ حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابُّوا، أوَلا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السَّلامَ بينكم)).
كما ينشأ عن عبادةِ إطعام الطَّعامِ مجالسةُ الصَّالحين، وتوثيقُ التعارف، ورفعُ الكُلفةِ عن الإخوان، واحتسابُ الأجرِ في معونتهم على الطَّاعاتِ التي تقوَّوا عليها بطعامِك.
ولا تخش - أخي يا بنَ الإسلام - ألاَّ يكفيك الطَّعامُ لو أطعمتَ معك غيرَك من طعامِك؛ فلقد جاء عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في "الصحيحين": ((طعامُ الاثنين كافي الثلاثة، وطعامُ الثلاثة كافي الأربعة))، وفي "صحيح الجامع": ((طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية))؛ قال ابنُ الأثير: "يعني شِبَعُ الواحدِ قوتُ الاثنين، وشبع الاثنين قوت الأربعة، وشبع الأربعة قوت الثمانية".
وهذه البركةُ في الطَّعامِ مصدرها قوة إيمانٍ بموعود الله، دفعت صاحبَها إلى الإيثارِ وبذل الطَّعامِ على حبِّه، والرضا بنصفِ بطنٍ في سبيلِ الغير، فيكافئ اللهُ صاحبَها بقوةِ دينٍ وحسنِ خلق؛ قال عبدُالواحد بن زيد: "مَن قَوِيَ على بطنِه قوي على دينِه، ومن قوي على بطنِه قدر على الأخلاقِ الصَّالحة، ومن لم يعرف مضرتَه من قِبَل بطنِه، فذاك رجلٌ في العابدين أعمى".
الوسيلة الثلاثون: العمرة في رمضان:
وهي تعدلُ حجَّة مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في ثوابِها كما جاء في حديثِ ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((فإنَّ عمرةً في رمضانَ تعدلُ حجةً معي))، وفي رواية البخاري: ((تقضي حجَّة معي))، ولم يقيِّدْها - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالعشرِ الأواخر، وإنَّما هي عامة في جميعِ الشَّهر، فإنْ يسَّرَ الله لك هذه الفرصةَ فاغتنمْها، ولا تفرِّط، ولا تسوِّف، رزقني الله وإياك.
ومن وسائل استثمار العمر كله - لا رمضان فحسب - متابعةُ الحجِّ والعمرة: وإنَّ كثيرًا من النَّاس يظنُّون أنَّ كثرة الحجِّ والعمرة تجعلُ المال يَفْنَى بسببِ تلك النفقات التي يتكلَّفُها الحاجُّ والمعتمر، وهذا كلُّه ظنٌّ خطأ، وتصوُّر مغلوط؛ لأنَّ الصادقَ الذي لا ينطقُ عن الهوى - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد أخبر أن المتابعةَ بين الحجِّ والعمرة سببٌ في كثرةِ المال، وذلك يكون إمَّا بزيادة المال، أو أن تحلَّ فيه البركةُ من عند الله، أو أن يجمعَ الله الاثنين لعبدِه المؤمن؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني: ((تابِعُوا بين الحجِّ والعمرة؛ فإنهما ينفيانِ الفقرَ والذُّنوب كما ينفي الكِيرُ خبثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجَّةِ المبرورة ثوابٌ إلا الجنة)).
• فهناك - إن قدَّر الله لك العمرةَ - احرص على كثرةِ الطَّوافِ بالبيت؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من طاف بالبيتِ سبعًا، وصلَّى ركعتين، كان كعتقِ رقبة))؛ رواه البيهقيُّ وصححه الألباني.
• واحرص على كثرةِ الصَّلاةِ في المسجدِ الحرام؛ فقد روى أحمد وابن خزيمة: ((صلاةٌ في مسجدي أفضل من ألفِ صلاةٍ فيما سواه من المساجدِ، إلاَّ المسجد الحرام، وصلاةٌ في المسجدِ الحرام أفضل من مائةِ ألف صلاة في هذا)).
• واحرص على كثرةِ الصَّلاة في المسجد النبويِّ أيضًا؛ فقد روى مسلمٌ: ((صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألفِ صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام)).
• واحرص على كثرةِ الصلاة في مسجدِ قباء؛ فعند ابن حبان: ((من صلَّى فيه، كان كعِدْلِ عمرة)).
أسألُ الله - تعالى - أن يمنَّ علينا - بفضلِه وكرمه - بالتعبُّدِ في هذه البقاعِ الطَّاهرة، فلشدَّ ما اشتاق إليها المسلمون البعيدون! فاللهمَّ متِّعْ قلوبَنا بعبوديتِك هناك، ومتِّعْ قلوبنا بعبوديتِك في كلِّ مكان.
الوسيلة الحادية والثلاثون: الاعتكاف اليومي:
ولستُ أعني اعتكافَ رمضان المعروف - وسيأتي في نهايةِ الرسالة - ولكني أعني اعتكافًا من نوعٍ آخر، فمع ضجيجِ الحياة وكثرةِ صخبها، مع المادية القاتلة التي تطحنُ النَّاس بين رَحاها، مع ضرورةِ الاختلاط بالنَّاس، يتكدَّرُ القلب، ويتعكَّرُ صفو النَّفس، فتحتاج إلى هدوءٍ وراحة، فلا بدَّ لها من عزلةٍ وخلوة؛ ولذلك يلزمك - أخي يا بنَ الإسلام - اعتكافٌ يومي، فخُذِ الأنسبَ لحالك ولا تفرِّط؛ إمَّا بين المغربِ والعشاء يوميًّا - وسيكون ذلك بعد رمضان طبعًا - وإمَّا بعد صلاةِ الفجر إلى شروقِ الشمس كلَّ يوم، وإمَّا ما يناسِبُ حالَك وظروف حياتِك، ولكن لا تفرِّط.
وفي هذا الاعتكاف اليومي لا بد لك من أمور:
1- استصحابُ النيةِ أولاً، وارجُ ثوابَ الله - تعالى.
2- ذكرُ الله هو الأصلُ في هذه الجلسة، واستشعرْ أنَّ جليسَك هو الله؛ قال - تعالى - في الحديثِ القدسي عند ابن ماجهْ وصحَّحه الألباني: ((أنا مع عبدي إذا هو ذكرَني وتحرَّكتْ بي شفتاه))، فاجلسْ بالرَّغبةِ والرهبة.
3- من آدابِ هذه الجلسةِ ألاَّ تلتفت، ولا تنشغل بغيرِ ذِكْر الله، وليتعود النَّاس منك ذلك؛ ألا تكلِّمَ أحدًا، ولا تسلِّم على أحدٍ، ولا تشارك في شيء، بل هذه خلوتك.
وقد يكون هذا الاعتكافُ في مسجدٍ لا يعرفُك فيه أحد، أو إذا تعذَّر الأمرُ، فاجعل لك خلوة في بيتِك ساعاتٍ كلَّ يوم؛ حيث لا يراك أحدٌ ولا يشغلك شيء.
4- المُحاسبةُ اليومية من أهمِّ أعمال هذه الخلوة، فألزمْ نفسَك المحاسبة، والتزم بالكلماتِ الخمس:
• المشارطة: أن تشترطَ على نفسِك صبيحة كلِّ يوم أن تسلمَها رأسَ المال، وهو العمر (24 ساعة)، والأدواتِ، وهي القلب والجوارح، وتشترط عليها أن تضمنَ لك بذلك الجنةَ بالأعمالِ الصَّالحة آخر النهار.
• المراقبة: أن تراقبَ نفسَك طيلةَ اليوم، فإن هَمَّتْ بمعصيةٍ ذكَّرتَها بالمشارطة، وإن توانتْ عن طاعةٍ زجرتَها بالمشارطة؛ فراقبْ نفسَك، وألجمْها، وامنعها عمَّا لا يحلُّ لها، خذ بخطامِها وألْزِمْها الصِّراطَ المستقيم، ولا تغفلْ عنها؛ لكي تنجو، والله المستعان.
• المجاهدة: وهي من أشدِّ الأشياء؛ فالنَّفسُ مقيَّدة بقيدِ الجسم - مقيدة فيه - ثم هي مقيدة بقيدِ العبودية، ثم أنت تتوعدُها بقيدٍ ثالث عند المحاسبة؛ فهي - لذلك - تحتاجُ إلى المجاهدة، وهذه المجاهدةُ لا بدَّ لها من صبرٍ وثبات أمام طغيانِ هذه النفس وتملُّصِها، فجاهدْها - أخي باغي الخير - لكي لا تضيعك وتسير في طريقِ جهنم.
• المحاسبة: أن تستعرضَ شريطَ يومك نهايةَ كلِّ يوم، وبالورقة والقلم يتم حسابُ الخسائرِ والأرباح، ومعرفة مصيرِ المشارطة مع النفس، لا بدَّ من المحاسبة؛ قال - تعالى -: ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ [آل عمران: 30]، ﴿ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ ﴾ [النبأ: 40].
سترى عملَك بعينِك، وتسمعه بأذنك؛ لذلك يجبُ أن تجلسَ مع نفسِك، وتنظر في أعمالِك لِتُصلَحها قبل أن تراها يومَ القيامة، اكتب أعمالَك وضعْها أمامَك، وقل لنفسِك: أتحبِّين أن تقابلي ربَّك بهذه الصَّحيفة؟! هل ستأخذين كتابَك باليمين، أم بالشِّمال؟! هل هذه تدخلين بها الجنة، أم تدخلين بها النار؟! هل هذا يُرضي اللهَ عنك أم يُسخطه عليك؟! وهذا هو توبيخُ النفسِ وزجرها؛ لتعلم حقيقتَها وقَدْرَها.
يتبع