
18-05-2020, 03:18 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة :
|
|
رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان
ثالثًا: لنترك المشاهدات الأمريكية، ودعونا نتجوَّل في بعض المشاهدات في داخلك وداخلي وداخل كلِّ مسلم:
المنظَر الأول: أنت مسافِر إلى الإسكندريَّة أو إلى أسوان، أو إلى لندن أو إلى باريس، عندك موعِد في القِطار أو في الطائِرة الساعة السادِسة صباحًا، هل إمكانياتك البشريَّة تسمح لك بأن تصِلَ إلى القطار أو الطائرة في الموعِد، أو أنَّ إمكانياتك البشريَّة لا تسمح؟! هل الوصول إلى المحطَّة أو إلى المطار في هذا الموعِد المبكِّر يدخل في حدود الوُسع أمْ أنَّ الوسع لا يسمح بذلك؟!
المنظر الثاني: أنت تعمل في مكانٍ بعيد عن منزلك، والعمل يبدأ في السابعة صباحًا، هل تستطيع أن تستيقظَ مبكرًا في موعد الفجْر أو قبله للذَّهاب إلى عملك؟ أم أنَّك ستعتذر كلَّ يوم لرئيسك في العمل أنَّ ظروفك لا تسمح بالحضور مبكرًا، أو أنَّ إمكانياتك البشريَّة ضعيفة؟! لماذا لا نَستطيع الاعتذارَ لرؤسائنا مِن البشر، ونستطيع كلَّ يوم أن نعتذِرَ لله - عزَّ وجلَّ - الذي خَلَقَنا وخلَق رؤساءَنا؟!
المنظر الثالث: منظَر افتراضي تخيُّلي: تخيل لو أنَّ رجلاً من أغنياء القوم وعَدَك بأنه سيعطيك ألفًا مِن الجنيهات كلَّ يوم في الساعة الخامِسة صباحًا إذا أتيتَ له في هذا الموعد، أكُنتَ تذهب؟ أم كنت تُعلِّل بأنك نمت متأخرًا، أو أنك مرتبط بموعِد بعد ذلك فلا تستطيع القُدوم؟! تخيَّل أنك ذهبتَ إليه بالفعل وأخذت الألف الجنيه يوميًّا، وظللت على هذه الحالة سنةً كاملة، فإنَّك تكون قد حصلت على: 365 ألف جنيه، أليس كذلك؟! ثم تخيَّل بعد ذلك أنَّه قد جاءك الموت بعدَ نهاية هذه السَّنة - وهو أمرٌ وارد طبعًا حتى قبلَ انقضاء السَّنة - تخيَّل نفسك وأنت ذاهبٌ إلى قبرك محمولاً، تخيَّل نفسك في هذا المقام، وأجِب عن هذا التساؤل بصِدق: أتودُّ أنَّك تدخل قبْرَك ومعك 365 ألف جنيه، وليستْ معك صلاة فجر واحدة؟ أم أنَّ الأفضل أن تدخُل قبرك ومعك 365 صلاة فجر، وليس معك جنيهٌ واحد؟ أجِب بصِدق يا بن الإسلام! أيهما يبقَى وينفع؟ كيف تفسِّر قيام الناس لجمْع المال وعدم قيامِهم لجمْع الحسنات؟ أهو شكٌّ في الموت؟ أم شكٌّ في البعث؟ أم شكٌّ في الله - عزَّ وجلَّ؟! وإن لم يكن هناك شكٌّ في كلِّ ذلك فكيف تفسِّر استهتارَ كثير من المسلمين بالموت مع عِلمهم بقدومه بغتةً، وكيف تفسر استهتارَهم بالله - عزَّ وجلَّ - مع عِلمهم بمراقبته لهم وقُدرته عليهم؟!
تساؤلاتحائِرة في ذِهني، أجبني عنها، يا مَن لا تستيقظ لصلاةِ الفجْر.
المنظر الرابع: منظَر دِرامي، لو أنَّ زوجتَك أو والدتك أيقظتْك في الرابعة صباحًا وهي تصرُخ: "لقد شبَّت النيران في منزل جِيراننا"!! أجبْني بصِدق: هل كنتَ تقفز مسرعًا مِن فراشك، وترتدي ملابسَك - أو حتى لا تَرتديها - وتجري أنت والعائلة إلى خارج البيت؟! أم كنت ستقول للزوجة أو الوالدة: اترُكيني أنام، أنا مرهَق، لقد نِمْت متأخرًا، وعندي أعمالٌ كثيرة بالصباح، وإنْ شاء الله ستطفئ النار وحدَها؟! أجِب بصدق؛ أيهما أشد تخويفًا: نار في بيت الجيران أم نار الجَحيم يوم القيامة؟! أيهما أشدُّ إيلامًا: نار الدنيا أم نار الآخِرة؟ لماذا هذا التراخِي الشديدُ مع نار الآخِرة مع عِلْمنا أنَّها حق، وأنَّها لا تُطفأ؟! ولماذا هذه الرهبة من نار الدُّنيا على تفاهتها إذا قُورنت بنار الآخرة؟! روَى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((نارُكم هذه التي يُوقِد ابن آدم جزءٌ مِن سبعين جزءًا من حرِّ جهنم))، قالوا: واللهِ إنْ كانت لكافية يا رسولَ الله، قال: ((فإنَّها فُضِّلتْ عليها بتسعة وستِّين جزءًا كلها مثل حرِّها))، وروى مسلِم والترمذي عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يُؤتَى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمام، مع كلِّ زمام سبعون ألف ملَك يجرُّونها))، وروى الترمذيُّ وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عنِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((أُوقد على النار ألْف سنة حتى احمرَّتْ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضَّتْ، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودَّت، فهي سوداء مظلِمة))، وفي رواية ابن ماجه: ((فهِي كالليل المظلِم)).
فلتعلم - يا بن الإسلام - أنَّ الذي يحرص على صلاة الصُّبح سيَكتب الله - عزَّ وجلَّ - له ضمانًا مِن دخول نار الآخرة؛ اقرأ بقلبك هذا الحديث الذي رواه مسلم عن عمارة بن رُؤيبةَ - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((لن يَلِجَ النارَ أحدٌ صلَّى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها - يعني: الفجر والعصر)).
وبعد هذا الاستعراض لإمكانيات البشَر ولوسعِ البشَر ولطاقة البشَر، أعتقِد أنه مِن المستحيل أن نجِدَ من يقول: إنَّه من المستحيل عليّ أنْ أستيقظَ لصلاة الفجْر، إنَّما الأمر يعود إلى الإرادة، هل تُريد أم لا تريد؟!
واحذر - يا بن الإسلام -أنْ تمرَّ عليك الأيام والشهور والسِّنون ثم تكتشف أنَّ أيامًا غالية قد مَرَّت، فحتى إن كتَب الله لك عمرًا حتى تتوبَ وترجِع إليه، فكيف ستُعيد تلك الأيام التي مرَّت؟! احذر مِن يوم ترغب فيه الذَّهاب إلى المسجد فلا تستطيع؛ إما لضعْف أو مرَض أو موت، وتذكَّر دائمًا حديث رسولنا الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - والذي رواه الحاكم بسندٍ صحيح عن ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - حيث قال: ((اغتنمْ خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هَرمِك، وصحَّتَك قبل سقَمك، وغِناك قبل فقْرك، وفراغَك قبل شُغلِك، وحياتَك قبل موتِك))، وفَّقني الله وإيَّاكم إلى ما يحبه ويرضاه.
صلاة الصبح صلاة فريدة:
عندما تقرأ في كتابِ الله - عزَّ وجلَّ - وعندما تقرأ في أحاديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - تستطيع بوضوحٍ وبسهولة أن تُدرِك أنَّ صلاة الصبح صلاةٌ فريدة، هذه الصلاة العظيمة لها مِن المكانة في الإسلام والقِيمة في الشَّرْع ما يلفِتُ الأنظار حقًّا، فهناك فيضٌ هائل مِن الأحاديث يشجِّع على هذه الصلاة، ويُعلي مِن شأن المحافظين عليها، ورسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو المربِّي الواعي الفاهِم لطبائع البشَر، والمدرك لنوازِع النفْس - يعلم أنَّ وقت صلاة الصبح وقتٌ صعب، وأنَّ المسلم إذا ترَك نفسه لنفسه، فسوف تأمُرُه نفسه هذه بالراحة وترْك الصلاة المكتوبة؛ ï´؟إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيï´¾ [يوسف: 53]؛ لذلك فإنَّ الرسولَ الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد خصَّ هذه الصلاةَ العظيمة بخصائصَ فريدة، وصفات معيَّنة لا تتكرَّر في غيرها مِن الصلوات، ومجموع هذه الصِّفات يدْفَع المؤمِنَ الصادِق دفعًا إلى التمسُّك بهذه الصلاةِ في جماعة بكلِّ طاقته، ويحمِّسه أشد التحميس أن يُضحِّي بالغالي والثمين؛ لكي لا يَضيع منه فرضٌ واحد مهما كانتِ الظروف أو العراقيل، وقد عددت لك يا بن الإسلام مِن هذه الخصائص عشرًا، أسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يَنفعني وإيَّاك بها.
1- أجْر بلا حدود:
الذي يُصلِّي الصبح في جماعة يأخُذ كلَّ المزايا التي يأخذها الذي يصلِّي أي صلاة أخرى في جماعة، ويأخُذ فوقها أمورًا خاصَّة بصلاة الصُّبح فقط، فهو كمصلٍّ للجماعة بصِفة عامة تُحسب له الصلاة بخمس وعشرين أو سبْع وعشرين صلاة، وتُكتب له الحَسَنات، وتُمحَى عنه السيِّئات، وتُرفَع له الدرجات، وتُصلِّي عليه الملائكة، وغير ذلك مِن أمور صلاة الجماعة بصِفة عامَّة، غير أنَّ صلاة الصبح بها مزايا خاصَّة جدًّا غير بقيَّة الصلوات، منها:
الخير الأول:
روى مسلمٌ عن عثمانَ بن عفَّان - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن صلَّى العِشاء في جماعة فكأنَّما قام نِصف الليل، ومَن صلَّى الصبح في جماعة - أي: مع العشاء كما نصَّ على ذلك حديث أبي داود والترمذي - فكأنَّما صلَّى الليل كله))، هل تستطيع أن تُصلي الليل بكامله؟! لقدْ أعطاك الله - عزَّ وجلَّ - بفضْله وكرمه هذا الأجْرَ إذا صليتَ الفجْر والعشاء في جماعة، ومعلومٌ أنَّ أجر قيام الليل عظيمٌ وجليل، ولكن أعظم منه أن تُصلي الفجر في جماعة، فإذا علمتَ هذا الفضْل في صلاة الفجْر في جماعة، فمِن فضلك ساعدني في إجابة هذا السؤال الذي سألتُه مِن قبل لجموع المصلين المحتشدين لصلاةِ التهجُّد في ليلة السابِع والعِشرين مِن رمضان، وقد نصَبوا أرجلهم لله - عزَّ وجلَّ - الساعاتِ الطوال، وبذَلوا مجهودًا مضاعفًا؛ بغيةَ إدراك قيام هذه الليلة المبارَكة، سألتهم فقلت: ترَى هل قيام ليلة القدْر بكاملها أفضل أم صلاة الفجر في جماعة في شهر شوَّال أو صفر أو رجب أو أي شهْر غير رمضان؟! أيهما أثقلُ في ميزان الله - عزَّ وجلَّ؟! أيهما لو فاتك تحْزَن أكثر؟! وأيهما لو فاتَك تُلام من الله أكثر؟! ألسْنَا يا إخواني نُصلِّي لله؟! ألسنا ننصِب أقدامنا وقوفًا بالساعات الطوال في ليلةِ القدْر؛ بغيةَ أن يَرضى الله علينا؟! فإذا علمنا أنَّ رضا الله - عزَّ وجلَّ - علينا لا يكون إلا بقضاء فرائضه في موعدها، وبالطريقة التي أمَرَنا بها، وفي المكان الذي أراده، فلماذا نقدم شيئًا أخَّره الله - عزَّ وجلَّ؟! ولماذا نؤخِّر شيئًا قدَّمه الله - عزَّ وجلَّ ؟! ليس هذا تَقليلاً من شأن ليلة القدْر أبدًا، حاشا لله! فهي أعظمُ ليلة في السَّنة، وهي خيرٌ مِن ألف شهْر، ولكنَّها تبقى في النهاية نافِلة، ولا تُقدَّم على الفرض أبدًا.
هل يَستقيم لك في يومِ ليلة القدْر أن تترُك صلاة المغرب أو العشاء وتقوم بعدَ ذلك الليل بكامله؟! يقينًا هذا لا يستقيم.
هل تستطيع أن تُصلي عشرين ركعةً نافلة لصلاة الظهر، ثم لا تُصلي الظهر نفسه؟ هل ينفعك أن تصومَ الاثنين والخميس طوالَ السَّنة ثم تفطر متعمدًا دون عُذْر في رمضان؟!
إذا كانتِ الإجابة عن كل هذه الأسئلة هي: لا، فلماذا يَقبل المسلمون أن يضيعوا صلاة الفجْر؟! أليست فرضًا كالظهر والعصر، وكصيام رمضان، وكالزكاة المفروضة؟! الله - عزَّ وجلَّ - علَّمنا أنَّ الفروض بصفة عامَّة مقدَّمة على النوافل بصِفة عامة؛ قال - تعالى - في الحديث القدسي الذي رواه البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((قال الله - عزَّ وجلَّ -: وما تقرَّب إليَّ عبْدي بشيءٍ أحبَّ إلي ممَّا افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه..))، إذًا - كما هو معلومٌ من الدِّين بالضرورة - قيام ليلة القدْر بكاملها نافِلة، وصلاة الصُّبح في أيِّ يوم من أيام السَّنة فرض، إذا علمتَ كل ذلك، فخبِّرني بالله عليك: لماذا يتكالَب الناس على الصلاة في ليلة القدْر في المساجد حتى يملؤوها عن آخرها، بل ويملؤوا الشوارع المحيطة بالمساجِد، ثم تُفاجأ بعد انتهاء رمضان أنَّ هذه الجموع الهائلة تتخلَّف عن صلاة الفجْر في المسجد؟! لماذا يا عبادَ الله؟! هذا غيابٌ حقيقي للفَهم الصحيح لهذا الدِّين.
الناس - للأسف - تنبهر بالجديدِ غير المألوف، وتزْهَد في الأمر الذي تعوَّدتْ عليه، فصلاة القيام في ليلةِ القدْر تأتي مرةً في العام، لكن صلاة الفجْر تأتي كلَّ يوم، فيفقد الناسُ الإحساس بقيمة صلاةِ الفجر، ويَصبُّون كل اهتمامهم على قيام ليلة القدْر، وأنا أقول لك يا أخي - يا بن الإسلام -: ليلة القدر لا يلتقطُها العبد بالمصادَفة! ليلة القدر هديةٌ لمن حافَظ على الفروض، ليلة القدر منحةٌ لأولئك الذين اجتهدوا طوالَ السَّنة.
العبادة يا إخواني ليستْ مقامرة! هل مِن المعقول أنَّ الذي يعبد الله - عزَّ وجلَّ - عشرة أيام في السَّنة أو يومًا في السَّنة كالذي يعبده طولَ السَّنة؟! هل من المعقول أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يعتق رقابَ أولئك الذين لم يقوموا الليل له إلا عشرةَ أيَّام تمامًا كالذي يستيقظ كلَّ يوم في وقتِ الفجر ليقضيَ الفرض الذي كتبه الله عليه؟!
يا عباد الله، إنَّ الله يحاسب على الذرَّة وعلى القِطمير؛ ï´؟وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَï´¾ [غافر: 58]، دِيننا يا إخواني دينٌ منظَّم وواضح، الذي يجب أن يكونَ هو أنْ يتكالب ويتسابق ويتنافس الناسُ على صلاة الفُروض في جماعة أكثرَ مِن صلاة النوافل ولو كانتْ ليلةَ القدر، وهذا ليس كلامي، إنَّما هو كلامُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - روى البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لو يَعلمُ الناس ما في النِّداء والصفِّ الأوَّل ثم لم يجدوا إلا أن يَسْتَهِموا عليه، لاسْتَهموا))، إجراء قُرعة من كثرة الحشود الحريصة على الصفِّ الأول! ((ولو يعلمون ما في التهجير - التبكير - لاستبقوا إليه، ولو يَعلمون ما في العَتمة - العشاء - والصُّبح، لأتوهما ولو حَبوًا)).
وقدْ يقول قائل: إنَّ الدعاء مستجابٌ في ليلة القدر؛ ولذلك يحرِص الناس عليها، وأقول له: صدقت، فالدعاء ليلة القدْر مستجاب، وهي كما ذكرت أعظمُ ليلة في السَّنة، وأسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يبلِّغنا إياها، ولكن هل هذا هو الوقْت الوحيد للإجابة في العام؟! إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - أعطى لك نفْس الفرصةَ في كل لحظة مِن لحظات عمرِك! إنَّه - سبحانه وتعالى - هو القائل: ï´؟وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْï´¾ [غافر: 60]، وقال سبحانه: ï´؟وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونï´¾ [البقرة: 186]، ما عليك إلا أن تدْعو، وسيستجيب الله لك، في أيِّ وقتٍ وفي أي ظرْف وطول العُمر، فإن قلتَ: ولكنْ هناك أوقات شريفة تكون فيها الإجابة أقرب، قلتُ لك: صدقتَ، ولكنك تمتلك هذا الوقتَ الشريف كل ليلة في السَّنة، ولكنَّك تغفل عنه كثيرًا! في كل ليلة في السَّنة هناك لحظات لا ترد فيها الدعوات، وهذه اللحظات يعرِفها أولئك الذين يستيقظون قبلَ صلاة الفجر ولو بقليل، لحظات شريفة جدًّا، بل هي مِن أشرف لحظاتِ الدهر! انظروا ماذا يقول رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((يَنزِل ربُّنا - تبارك وتعالى - كلَّ ليلة إلى السَّماء الدنيا حين يبقَى ثُلُث الليل الآخِر يقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له؟ مَن يسألني فأعطيَه؟ مَن يستغفرني فأغفرَ له؟)).
ماذا تُريد يا أخي، وماذا تُريدين يا أختي أكثرَ مِن ذلك؟ الله ينزل إلى السماء الدنيا يطلُب منكم أن تدعوه ليستجيبَ لكم! يا ألله! كم أنت رحيمٌ يا ربَّنا! وكم أنت كريم! وكم أنت عظيم! وكم أنت قريب! هذا يحدُث كلَّ ليلة! يا سبحان الله! ثم إنَّك لو نزلتَ إلى صلاة الفجر بعدَ ذلك كنت إلى الله أقْرَب، وكان الله - عزَّ وجلَّ - لدعائك أسْمع! واقرؤوا معي حديثَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في صحيح مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أقربُ ما يكون العبدُ مِن ربه وهو ساجِد، فأكْثِروا الدعاء)).
فوقفة مع النفْس أيُّها المؤمنون: إذا كان الأجْر أعلى في الفَجْر، والغرَض أهم في الفجر، والدعاء أقرَب إلى الفجر، فلماذا ينام الناسُ عن هذه الصلاة؟ ولماذا الزُّهد في هذا الخير؟ أسئلة تحتاج إلى إجابة، وبسُرعة!
الخير الثاني في صلاة الفجر:
صلاة الفجر مصدرٌ مِن مصادر النور يومَ القيامة! تَختفي في يوم القِيامة مصادر النور العادية، فتُكوَّر الشمس، وتنكدر النجوم، كما قال ربُّنا - سبحانه وتعالى -: ï´؟إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْï´¾ [التكوير: 1 - 2]، ويُبعث الخلق في ظُلمة شديدة، ظلمات بعضها فوقَ بعض إذا أخرج يدَه لم يَكَدْ يراها، ويحتاج الناس للنور لكي يدركوا طريقهم، ويسيروا بين الجموع الهائلة، ويكون أشد الاحتياج إلى النور عندَ الجواز على الصِّراط، فالصراط صفته راعِبة، ولا يجوزه إلا مَن شاء الله - عزَّ وجلَّ - روى مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو يصِف حالَ البشَر في اجتياز الصراط: ((فيمرُّ أوَّلُكم كالبرق))، قال: قلت: بأبي أنت وأمي: أي شيء كمرِّ البرق؟ قال: ((ألم ترَوا إلى البرق كيف يمرُّ ويرجع في طرفةِ عين؟ ثم كمرِّ الريح، ثم كمرِّ الطير وشدّ الرِّجال، تجري بهم أعمالُهم، ونبيكم قائِم على الصراط يقول: رب سلِّم سلِّم، حتى تعجزَ أعمال العباد، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السيرَ إلا زحفًا، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلَّقة مأمورة بأخْذ مَن أُمرت به، فمخدوشٌ ناجٍ، ومكردَس في النار))، ثم قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: "والذي نفْس أبي هريرة بيده، إنَّ قعر جهنم لسَبْعُون خريفًا".
وفي ذلك اليوم العصيب المظلِم يعطي الله - عزَّ وجلَّ - النورَ للمسلمين جميعًا؛ أي: إنه في البداية يعطيه لكلِّ مَن أعلن كلمة الإسلام في دُنياه، ولكن من هؤلاء سيكون المنافقون الذين قالوا بألسنتِهم شيئًا وخالفتْ قلوبهم ما تقول ألسنتهم، حتى إذا اقترَب الجميع من الصِّراط أبقى الله - عزَّ وجلَّ - النورَ للمؤمنين الصادقين، وسلَب النور من المنافقين، فيَقَع المنافقون في رُعب شديد، فيلجؤون إلى المؤمنين يطلبون منهم أن يُعطوهم شيئًا مِن النور الذي معهم، فيُشير عليهم المؤمنون أن يعودوا إلى المكان الذي أعطاهم الله - عزَّ وجلَّ - فيه النورَ يومَ القيامة، فيعود المنافقون فلا يَجِدون شيئًا، فيحبطون إحباطًا شديدًا، ونادوا ولات حين مناص! جاء تفصيل ذلك في صحيح مسلم في أكثرَ من حديث، ويصوِّر ذلك الله - عزَّ وجلَّ - في كتابه الحكيم في سورة الحديد حيث قال: ï´؟يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرï´¾ [الحديد: 12 - 15].
أعود إلى المؤمنين يومَ القيامة، مِن أين أُتي المؤمنون بهذا النور العظيم في ذلك اليوم المظلِم؟! لقد جاؤوا به مِن أعمال كثيرة عمِلوها في الدنيا وعَدَهم الله - عزَّ وجلَّ - بالنور جزاءً لها، ومِن هذه الأعمال: صلاةُ الفجر في جماعة! اقرأ حديث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بسند صحيح عن بُريدةَ الأسلمي - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بَشِّر المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجِد بالنور التامِّ يومَ القيامة))، والمشاؤون هم كثيرو المشي؛ أي: الذين اعتادوا على هذه الفضيلة العظيمة، و: "في الظلم"؛ أي: في صلاة العشاء وصلاة الصُّبح، و: "إلى المساجد" دليل قاطِع على أنَّ هذا النور يُعطَى لمن اعتاد صلاة الفجْر والعشاء في جماعة المسجِد، فإنه لم يَذكر أنَّ الصلاة مجرَّد صلاة جماعة فقط، وإنما يجِب أن تكون في بيت الله - عزَّ وجلَّ - وهذا يردُّ على بعض المسلمين الذين يصلُّون جماعةً في بيوتهم مع زوجاتهم وأطفالهم، ويعتقدون أنَّ في ذلك فضلاً؛ لأنهم يدرِّبون أهلهم على الصلاة، ويرفعون مِن درجاتهم بجعلهم ينالون ثوابَ الجماعة، ولكن الله - عزَّ وجلَّ - الذي شرَع الشرع وسنَّ القوانين - هو الذي حفَّز الرجال المسلمين على صلاة المسجد، وأعْطَى النساء نفْس الأجر بصلاتهنَّ في بيوتهنّ، أما تدريب الأولاد على صلاة الجماعة فيكون باصطحابِهم إلى المسجد، أو بالصلاة معهم في البيت في صلوات النوافل وليس الفروض، والله - عزَّ وجلَّ - سوف يُعطي أولئك الذين يحافظون على صلاةِ الصُّبح في جماعة بالمسجد نورًا تامًّا يوم القيامة؛ بمعنى أنَّه لا ينزع منهم في أيَّ مكان، ولا يُسلب منهم عندَ الصراط، ويَبقى معهم إلى أن يدخلوا به الجنة - إن شاء الله.
ولا يَخفى على المؤمنين أنَّ أنوارهم تتفاوت يوم القيامة، فليس كل المؤمنين يأخذ نورًا مثلَ الآخر؛ إنما يأخذون النور بحسب أعمالهم، وهنا يبرز دور صلاة الفجْر؛ حيث يُعطِي الله بها نورًا تامًّا للمؤمن يوم القيامة، ورسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الحريص على أمَّته، والمحب لأتباعه يُعلِّمهم ذكرًا خاصًّا يقولونه وهم في طريقهم إلى صلاة الفجْر، والظلام يُغطِّي الأرض - يُعلِّمهم ذكرًا يسألون الله فيه النورَ الذي يُضيء لهم حياتهم، وينوِّر لهم قبورَهم، ويبقَى معهم يوم القيامة؛ روى البخاري ومسلم عن عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - خرَج إلى صلاة الفجْر وهو يقول: ((اللهمَّ اجعل في قلْبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعلْ في سَمْعي نورًا، واجعلْ في بصري نورًا، واجعلْ مِن خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعلْ مِن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهمَّ أعطني نورًا))، هذا اللفظ لمسلم، وفي رواية البخاري زاد: ((وعن يَميني نورًا، وعن يساري نورًا)).
وهذا النُّور يا إخواني لا يضيء لك القبر والآخِرة فقط؛ إنَّما يضيء لك الدنيا كذلك، فالإنسان قد تختلط عليه الأمورُ في الدنيا فلا يستطيع أن يميِّز بين الحق والباطِل، وبين الصواب والخطأ، وبالذات في زمان الفِتن، يصوِّر ذلك رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في حديثِه الشَّريف الذي رواه الإمامُ مسلِم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - وقال فيه: ((بادِروا بالأعمال فتنًا كقِطع الليل المظلِم...)) في هذه الفِتن المظلمة يرَى المؤمِن طريقه فلا يضلُّ ولا يشقَى، ويهديه الله - عزَّ وجلَّ - إلى الحِكمة، وإلى ما يصلح الدنيا والآخرة؛ ï´؟أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَï´¾ [الأنعام: 122]، أسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن ينوِّر لنا دُنيانا وقبورَنا وآخرتنا، إنَّه وليُّ ذلك والقادِر عليه.
الخير الثالث في صلاة الفجر:
وعدٌ صريح بالجنَّة؛ روى البخاري عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن صلَّى البَردين دخَل الجنة))، والبردان هما الصُّبح والعصْر، فهذا وعدٌ من الرحمن - سبحانه وتعالى - أوحى به إلى رسولِه الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يُدخِل الجنةَ أولئك الذين يحافظون على صلاتي الصبح والعصر، وهذا منتهى أحلام المؤمنين، وهذا هو النجاح الحقيقي والفوز العظيم؛ قال تعالى: ï´؟فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِï´¾ [آل عمران: 185].
الخير الرابع في صلاة الفجر:
وهو أعْلى من الخير السابق! ويعجب الإنسان: هل هناك ما هو أعْلى مِن دخول الجنة؟! ويخبرنا بالإجابة رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - نعم هناك ما هو أعْلى! هناك رؤيةُ الله - عزَّ وجلَّ - في الجنَّة! الجائزة الكبرى، والهدية العُظْمى، والمنحة التي تتضاءَل إلى جوارها كلُّ المنح، مَن الذي ينال هذه الفرصةَ المهيبة؟! إنهم أولئك الذين يحافظون على صلاتي الصبح والعصْر.
اقرأ حديثَ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي رواه البخاري ومسلم عن جرير بن عبدالله - رضي الله عنه - يقول: كنَّا جلوسًا عند النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذ نظَر إلى القمَر ليلة البدر، قال: ((إنكم ستَرَوْن ربَّكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته))؛ يعني: ترونه بوضوحٍ تام كما ترون القمَر الآن بوضوح تام، ثم قال: ((فإنِ استطعتم ألاَّ تُغلبوا على صلاة قبل طلوعِ الشمس وصلاة قبل غروب الشمس، فافْعلوا))، يا سبحان الله! كل هذا الخير في صلاة الفجر! فإذا علمتَ أنَّ أناسًا مِن المسلمين سمعوا بذلك الخير ثم ناموا عن صلاة الفجر، فماذا تقول في حقِّهم؟! أليستْ هذه هي الحماقةَ بعينها؟! أليستْ هذه هي الغفلةَ بعينها؟! وحقًّا كما قال الله - عزَّ وجلَّ -: ï´؟وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍï´¾ [النور: 40].
2- ضياع الفجر ليس فقط ضياعَ الأجْر:
فالله - عزَّ وجلَّ - يحذِّر عبادَه كثيرًا من أنْ يغتروا بكونه - عزَّ وجلَّ - غفورًا رحيمًا؛ قال - سبحانه وتعالى -: ï´؟وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُï´¾ [آل عمران: 28]، وقال: ï´؟وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىï´¾ [طه: 124]، وقال: ï´؟إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌï´¾ [الأنعام: 165]، وحصْر ذلك يصعُب جدًّا، والله - عزَّ وجلَّ - لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، يقول - تعالى - في الحديث القدسي الذي رواه مسلمٌ عن أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ الله تعالى قال: ((يا عبادي، إنَّما هي أعمالُكم أُحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)).
وإضاعةِ الصلاة بصِفة عامَّة جريمة عُظمى، وبلية كُبرى، وهي أوَّل ما يُحاسَب عليه العبد يومَ القيامة، فإن صلَحتْ صلَح العمل كله، وإن فسدتْ فسد العمل كله؛ روى الترمذي وأبو داود والنَّسائي، وابن ماجه والدارمي وأحمد، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ أوَّلَ ما يحاسب الناس به يومَ القيامة مِن أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربنا - عزَّ وجلَّ - لملائكته وهو أعلمُ: انظروا في صلاةِ عبدي أتمَّها أم نقَصَها، فإنْ كانت تامة كُتبت له تامَّة، وإن كان انتقص منها شيئًا، قال: انظروا هل لعبدي مِن تطوُّع، فإنْ كان له تطوُّع، قال: أتِمُّوا لعبدي فريضتَه من تطوعه، ثم تُؤخذ الأعمال على ذاكم))، فكيف يتوقَّع المؤمن خيرًا وقدْ جاء يوم القيامة وكتابه يَخْلو من صلاة الصُّبح في موعدها؟!
وضياع صلاة الصبح يُعاقَب عليها المسلم بكلِّ أنواع العقاب التي ذكَرها الله - عزَّ وجلَّ - وذكَرها الرسولُ الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمن أضاع الصلوات في أوقاتها، وفوق ذلك فهناك عقابٌ خاص لمن ضيَّع صلاة الصبح، فقد ذكَر الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - عقابًا شنيعًا لمن نام عن الصلاةِ المكتوبة، ومعلومٌ أنَّ السبب الرئيسي في منْع المسلمين من صلاة الفجر هو النوم؛ فإنَّ المرء عادة ينام عنِ الصلاة فتضيع بكاملها، ولا يصليها إلا بعدَ فوات وقتها؛ روى البخاري عن سَمُرة بن جُندب - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأى رُؤيا - ورؤيا الأنبياء حقٌّ - وفي هذه الرؤيا يصوِّر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - طرفًا مِن عذاب المذنبين مِن المسلمين، وقد يكون هذا العذاب في القبْر، وقد يكون في النار، وقد يكون في الاثنين معًا؛ يقول رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّه أتاني الليلةَ آتيان - جبريل وميكائيل - وإنَّهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلقْ، وإني انطلقتُ معهما، وإنَّا أتينا على رجل مضطجع، وإذا آخَر قائمٌ عليه بصخرة، وإذا هو يَهوي بالصخرة لرأسه فيثلَغ رأسه - أي يشْدَخ - فيتدهده الحجر - يتدحرج - فيأخذه فلا يرجِع إليه حتى يصحَّ رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مِثل ما فعَل المرة الأولى))؛ يقول الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((قلت لهما: سبحان الله! ما هذا؟! قالا: انطلق، انطلق))، ومرَّ على مشاهَد أخرى كثيرة ليس المجال أنْ أذكرها الآن، ثم بدأا يفسِّران له ما رآه، ففسَّرَا له موقف هذا الرجل بأن قالا له: ((أماَّ الرجل الأوَّل الذي أتيت عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنَّه الرجل يأخُذ القرآن فيرفضه، وينام عنِ الصلاة المكتوبة)).
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|