عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 18-05-2020, 03:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان





إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له
ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ، وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله ..
اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً
.. أمْا بَعد ...
حياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام ، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة



عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان

(23)





محمود العشري



الوسيلة الحادية عشرة: المحافظة على صلاة الفجر خصوصًا:

فما أسهل أن ينطق اللسان بكلمة الإسلام، ولكن ما أصعب أن يترسخ الإيمان في قلْب الإنسان: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات: 14]، كثيرًا ما يتنافَى كلام اللِّسان مع إيمان القلْب، كما أنَّ كثيرًا ما يَتنافى كلامُ اللسان مع أفعال الجوارح، والمؤمن الصادِق هو مَن وافق قوله عمله، وهو مَن أظهر بلسانه ما يُخفي في قلْبه، أما المنافقون فظاهرُهم قد يكون حسنًا وطاهرًا، ولكن قلوبهم قاسية كالحجارة، أو هي أشدُّ قسوة.



والله تعالى مطَّلِع على القلوب، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، ويعلم المنافِق من المؤمِن، والكاذب مِن الصادق، لكنَّه شاء - سبحانه - أن يفرِض على عباده اختباراتٍ معيَّنةً تكشف سرائرَ القلوب وخبايا النفس، وتوضِّح أولئك الذين قالوا ما لا يفعلون، أو اعتقدوا ما لا يُظهرون، وغرض إظهارهم أن يقيم الله تعالى الحُجَّةَ عليهم؛ فلا يشعر أحدُهم يوم القيامة بظلمٍ ولا هضم، فإنَّه قد وضَع له اختبارًا واضحًا فرسَب فيه، كما أنَّ الله - عزَّ وجلَّ - أراد بهذه الاختبارات أيضًا أن ينقِّي صف المؤمنين مِن المنافقين؛ رحمةً من الله - عزَّ وجلَّ - بالصفِّ المؤمن؛ لأنَّ اختلاط المنافقين بالمؤمنين يُضعِف الصفوف، ويسبِّب الاضطراب، ويجلب الهزائمَ والنكسات.



قال - تعالى - في حقِّ المنافقين: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [التوبة: 47]، فرحمة الله تعالى بالصفِّ المؤمن اقتضتْ أن يَفرض هذه الاختباراتِ للتفرقة بين المؤمنين والمنافقين، وبين الصادقين والكاذبين، هذه الاختبارات سُنَّة إلهية ماضية، وضَعَها الله تعالى لكلِّ البشَر بلا استثناء، منذُ خلق الله آدم - عليه السلام - وإلى يوم القيامة؛ قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 1 - 3]، ولهذه الاختبارات خصائصُ معيَّنة:

فأولاً: يجب أن يكونَ الاختبار صعبًا؛ لأنَّه لو كان سهلاً لنجَح فيه الجميع: المؤمن والمنافق، ولم تحدُث التفرِقة المطلوبة.

وثانيًا: يجِب ألاَّ يكون هذا الاختبار مستحيلاً؛ لأنَّه لو كان مستحيلاً لفشِل فيه الطرفان: المؤمِن والمنافق؛ ولذلك فالاختبار لا بدَّ أن يكون متوازنًا، صعبًا بالدرجة التي لا يقوَى فيها المنافقون على النجاح فيه، وغير مستحيل لكي يُعطي الفرصة للمؤمنين أن ينجَحوا.



واختبارات الله - عزَّ وجلَّ - للخلْق كثيرة ومتعدِّدة ومستمرَّة منذُ أول لحظات تكليف الإنسان، وإلى يوم مماته، فالجهاد في سبيلِ الله اختبار، نعمْ هو اختبار صعْب، ولكنَّه ليس بمستحيل، ينْجَح فيه المؤمِن، ويتخلَّف عنه المنافق، والإنفاق في سبيل الله اختبار، اختبار صعْب ولكنَّه ليس مستحيلاً، يقدِر عليه المؤمن، ولا يقدِر عليه المنافق، وحسن معاملة الناس اختبار، وكظْم الغيظ اختبار، والرِّضا بحُكم الله - عزَّ وجلَّ - اختبار، وبِر الوالدين اختبار، وهكذا، الحياة كلها - بهذا المفهوم - اختبار؛ يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك: 2].



وتتفاوت درَجاتُ الصعوبة بيْن الاختبارات المختلفة، ولكنها في النهاية اختبارات، ومطلوب مِن المؤمن أن ينجحَ فيها كلها؛ ليثبتَ صِدق إيمانه، ويتوافَق لسانه مع قلْبه.



ومِن هذه الاختبارات الخطيرة اختبار صلاة الصُّبح، اختبار حقيقي، واختبار صعْب، لكنَّه ليس مستحيلاً، الدرجة النهائية في هذا الاختبار بالنسبة للرجال تكونُ بالمواظبةِ على صلاة الفجْر في جماعة في المسجد، أمَّا بالنسبة للنساء فتكون بالصلاة على أوَّل وقتِها في البيت، والفشل في هذا الاختبار الهام يكون بخروج الصلاة عن موعدِها الذي شَرَعه الله تعالى، وبيْن النجاح بتفوق والرسوب في الاختبار درجاتٌ كثيرة؛ هناك مَن يصلِّي معظم الصلوات في المسجد ويفوته بعضها، وهناك مَن يصلي بعض الصلواتِ في المسجد ويفوته معظمها، وهناك مَن يُصلِّي في بيته قبلَ خروج الوقت، وهناك مَن تفوته الصلاة في بيته ولا يصلِّي إلا بعدَ خروج الوقت، درجات كثيرة متفاوتة؛ ولكن يبقى النجاح المطلوب هو صلاة المؤمن في المسجِد في أوَّل الوقت.



هذا الاختبار هام للدرجة التي جعلتْ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يستخدمه دائمًا للتفرِقة بيْن المؤمِن والمنافق؛ روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ أثقل صلاة على المنافقين صلاةُ العِشاء وصلاة الفجْر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممتُ أن آمُرَ بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيُصلي بالناس، ثم أنطلِق معي برِجال معهم حزم مِن حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاةَ، فأحرِّق عليهم بيوتَهم بالنار))! ولكم أن تتخيَّلوا عِظمَ المشكلة، وضخامة الجريمة التي تدْفَع رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مع رحمته وشفقتِه على أمَّته - لأن يَهُمَّ بتحريق بيوت هؤلاء، ولكني - والله - أرَى أنه مِن رحمته وشفقته قال هذه الكلمات؛ لأنَّه يُريد أن يستنقذَ أمَّته مِن نار الآخِرة بتخويفهم بنار الدنيا، وشتَّان بين نار الآخِرة ونار الدنيا.



وكان رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا شكَّ في إيمان رجُل بحَث عنه في صلاة الفجْر، فإنْ لم يجده تأكَّد عنده الشكُّ الذي في قلبه، رَوى ذلك أحمد والنَّسائي والدارمي عن أُبيِّ بن كعْب - رضي الله عنه - قال: صلَّى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صلاة الصُّبح، ثم قال: ((أشَهِد فلان الصلاة؟))، قالوا: لا.. قال: ((ففلان))، فقالوا: لا.. فقال: ((إنَّ هاتين الصلاتين - الصبح والعِشاء - من أثقلِ الصلاة على المنافقين، ولو يَعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا)).



والمنافقون لا يُدرِكون الخير الذي في صلاة الصُّبح في جماعة المسجد، ولو أدْرك هؤلاء هذا الخيرَ لجاؤوا إلى المسجد تحت أيِّ ظرْف، كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لأتوهما ولو حبوًا))، وأريدك أن تتخيَّل رجلاً كسيحًا لا يقوَى على السير، وليس هناك مَن يُعنيه على الحرَكة، ومع ذلك فهو يصرُّ أن يأتي المسجد يزْحَف على الأرض؛ ليدركَ الخير الذي في صلاة الفجْر في جماعة، فإذا أدركنا هذه الصلاةَ ثم نظرْنا إلى الأصحَّاء الذين يتخلَّفون عن صلاة الفجْر في المسجد، أدركْنا عِظم المصيبة.



وليس معنى هذا بالطَّبْع أن أتَّهِم أولئك الذين لا يُحافظون على صلاة الفجْر في المسجد في زمانِنا هذا بالنِّفاق، فأنا لستُ ممن يقيمون الأحكامَ على غيرهم، والله أعلمُ بظروفِ كلِّ مسلم، ولكني أذكُر ذلك الكلام؛ ليختبر كلٌّ منا نفْسَه، وليختبر أحبابه وأصحابه، وأولاده وإخوانه، إنْ كان المرء يهدر هذه الصلاة بصورةٍ منتظمة، فهذه علامةٌ واضحة من علامات النفاق، ومَن كانت به هذه العلامة فليراجعْ نفْسَه بسرعة، فإنَّه - ولا شكَّ - يُخشَى عليه مِن خاتمة السُّوء، نسأل الله العافيةَ والسلامة وحُسن الخاتمة لنا ولسائرِ المسلمين.



وقت صلاة الصبح:

كنت أتحدَّث عن موضوع صلاة الصُّبح في مجموعة مِن الأصدقاء، فدار بيني وبين أحدهم هذا الحوار:



قال: الحمد لله، أنا لا أنزل من بيتي إلاَّ إذا صليت صلاةَ الصبح، فسألتُه ببراءة: وأنت متى تستيقظ؟! قال: الساعة 7.30 تقريبًا! وأوَّل شيء أفعله أن أتوضأ وأُصلِّي الصبح!



قلت: سبحان الله! لقد فاتَ وقتُ الصبح! قال: كيف؟ أليس وقت كلِّ صلاة مِن أوَّل وقتها إلى وقتِ الصلاة الثانية؟! فيكون بذلك الصبح مِن أول ظهور الفجْر إلى صلاةِ الظهر؟! قلت: هذا الكلام صحيح بالنسبة لكلِّ الصلوات ما عدا صلاة الصبح، فإنَّ وقتَها مِن ظهور الفجْر إلى شروق الشَّمْس فقط، هذا الوقت المحدود الضيِّق الصعْب؛ ولذلك فهي اختبار، ولو كان الوقت مفتوحًا إلى صلاة الظهر، فأين الاختبارُ في ذلك؟!



إنَّ صلاة الصبح هي أقصرُ الصلوات المفروضة، فهي ركعتان فقط، ولكنَّها جعلت مقياسًا للإيمان، واختبارًا للصِّدق؛ لصعوبة وقتها، وعلى قدْر تعجُّبي من صاحبي الذي لا يعلم أمرًا مِن بديهيات هذا الدِّين، على قدْر حُزني من أنَّ الثقافة الإسلامية والعلوم الشرعيَّة وصلتْ إلى هذه الدرجة مِن الانحدار، حتى لا يعلم بعضُ المسلمين أو كثير مِن المسلمين أوقاتَ الصلاة المفروضة!



فأنا لا أتحدَّث عن وقتِ صلاة الضحى، أو وقت صلاة قِيام الليل، إنَّما أتحدث عن وقت صلاة الصبح! ذكَّرني ذلك بأمْرٍ من المضحِكات المبكِيات، وهو أحد معسكرات الشباب التابِع لأحد الأحزاب السياسيَّة؛ حيث كان برنامج المعسكر معلقًا على الجُدران في أكثر مِن مكان، وأول كلمة في هذا البرنامج هي: "الاستيقاظ وصلاة الصبح في الثامِنة صباحًا"! قلت: واللهِ هذه جريمة مع سبْق الإصرار والترصُّد! فالنيَّة مبيَّتة، والعزْم منعقد على تضييع فرْض مِن فروض الله - تعالى - ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله.



مواقيت الصلاة - أيُّها المؤمنون - أمورٌ توقيفية، بمعنى أنَّه ليس فيها اجتهادٌ من البشَر، لقدْ حُددت بدقَّة في أحاديثِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم تترك مجالاً لسوءِ فَهم، روى مسلمٌ عن عبدِالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وقتُ صلاة الصُّبح مِن طلوع الفجْر ما لم تطلعِ الشمس))، فليس هناك شكٌّ في وقتِ صلاة الصبح، وقد أكَّد رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على هذا المعْنَى في حديثِ الترمذي عن أبي هُريرةَ - رضي الله عنه - حين قال: ((مَن أدرك ركعةً مِن صلاة الصبح قبلَ أن تطلُع الشمس، فقدْ أدرك الصبح))؛ أي: إنَّه مَن أدرك ركعةً كاملة قبل أن تشرقَ الشمس فقد أدرك صلاةَ الصبح في موعدها، أمَّا مَن لم يدرك - ولو ركعة واحدة - فقد أصبحتْ صلاة الصبح في حقِّه قضاءً، وهذا - ولا شكَّ - أمرٌ خطير.



لكن الأصعب مِن ذلك أنَّ اختبار التفرقة بيْن النفاق والإيمان، وبيْن الصِّدق والكذِب، ليس بمجرَّد الصلاة قبلَ شروق الشمس، ولكن النجاح الحقيقي والمطلوب في هذا الامتحان يكون بصلاة الجماعة في المسجِد، وليس في البيت، وهذا بالطبع في حقِّ الرِّجال، أمَّا في حال النِّساء، فإنَّه - وإنْ كانت صلاتهنَّ في المسجِد مسموحًا بها - إلا أنَّ صلاتها في بيتها أفضلُ وأكثر ثوابًا؛ وذلك لحديث أبي داود الصحيح عن ابن عُمرَ - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تمنعوا نِساءَكم المساجد، وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ))، وكذلك لحديث أمِّ حُميد الساعديَّة - رضي الله عنها - في مسنَد أحمد بسَند حسَن، وكذلك في الطبراني أنَّها جاءتْ إلى رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقالت: يا رسولَ الله، إنِّي أحبُّ الصلاة معك، قال: ((قد علمت، وصلاتُكِ في بيتكِ خيرٌ لك مِن صلاتكِ في حجرتكِ، وصلاتكِ في حجرتكِ خير لكِ من صلاتكِ في داركِ، وصلاتُكِ في داركِ خيرٌ من صلاتِكِ في مسجد قومكِ، وصلاتكِ في مسجد قومِكِ خيرٌ لك مِن صلاتكِ في مسجد الجماعة))، وتعظيم أجْر صلاة المرأة في بيتها رحمة مِن الله - عزَّ وجلَّ - بها ورَحْمة بالمجتمع، فهذا أدْعَى لتجنُّب الفِتنة، وأحفظُ للمرأة وأسترُ لها، كما أنَّ فيه حفاظًا على الأطفال بالبيت، وعلى كبار السِّنِّ وغير ذلك مِن المصالِح، وسبحان الله الذي أنْزَل هذا الشَّرْع المحكَم!



والذي يهمُّني الآن في هذا المقام أنَّ اختبار النِّفاق مِن الإيمان بالنسبة للمرأة يكون بالصلاة في أوَّل وقتِها، فتكون المرأةُ المؤمنة التي نجحَتْ في الاختبار هي التي صَلَّتِ الصبح في الوقت الذي يُصلِّي فيه الرِّجال في المسجد، وتكون المرأة التي لم يتمكَّن الإيمان مِن قلْبها هي المرأة التي تُدرِك الصبحَ بالكاد قبل أن تشرق الشمس، أو قد يتفاقَم معها الأمر فيضيع منها الفرضُ كليَّةً، فتصليه بعدَ شروق الشمس!



يا إخواني ويا أخواتي أبناء الإسلام،أنا لا أُريد أن أصَعِّبَ عليكم حياتكم، أو أُحَمِّلَكُم ما لا طاقةَ لكم به، ولكنِّي - واللهِ - أتحدَّث عن حقائق في شرْع الله - عزَّ وجلَّ - وأتحدَّث عن نصوص محكَمة لا لبس فيها ولا غُموض، وأتحدَّث عن اجتماع العلماء الذي لا اختلافَ فيه، فالذي يصلِّي الصبح بعدَ الشروق - متعمِّدًا - يترُك فرض الله متعمدًا! وهذا أمر بالغُ الخطورة؛ روَى الإمام أحمدُ عن أمِّ أيمن - رضي الله عنها - قالت: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تترُك الصلاة متعمدًا؛ فإنَّه مِن ترَك الصَّلاة متعمدًا فقد برِئتْ منه ذمَّة الله ورسوله))، وهكذا؛ فالذي يضَع المنبِّه على الساعَة السابعة أو السابِعة والنِّصف - أي: بعد الشُّروق - يترُك الصلاة متعمدًا، وعليه أن يتحمَّل التبعات القاسية لذلك!



وعلى الناحية الأخرى: ما هي أحبُّ الأعمال إلى الله؟! سأل عبدُالله بن مسعود - رضي الله عنه - رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذا السؤال، فأجاب كما جاء في البخاري ومسلم قائلاً: ((أحبُّ العملِ إلى الله - تعالى - الصلاةُ على وقتِها))، قال عبدالله: ثم أيّ؟ قال: ((برّ الوالدين))، قال: ثم أيّ؟ قال: ((الجِهاد في سبيلِ الله)).



فانظر - رحمك الله - كيف قدم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إقامة الصلاةِ في أوَّل وقتها على برِّ الوالدين على عِظمه، وكيف قدَّمها على الجهاد في سبيلِ الله الذي هو ذِروة سنام الإسلام!



وسبحان الله! لا أدْري كيف سقَط الصبح مِن حسابات المسلمين؟! فمعظم المسلمين الذين يحافظون على صلواتهم تجِدهم حريصين على صلاة الظهر قبل أذان العصر، وعلى صلاةِ العصر قبل أذان المغرب... وهكذا، أمَّا الصبح، فيكاد يكون الفريضةَ الغائبة، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بالله.



مستحيل أن يكون ذلك مستحيلاً!

يقول أحدهم: قد علمتُ ميعاد صلاة الصبح، ولكن للأسف "يستحيل" عليَّ الاستيقاظ في هذا الموعد! أنت لا تعلم "ظروفي"، أنا طاقتي لا تسمح، أنا ظروف عملي لا تُمكِّنني، أنا ظروف البيت والمعيشة لا تُساعدني، واللهُ - كما تعلم - غفورٌ رحيم، سيُراعي ظروفي هذه، ويغفر لي!



نقول: أمَّا قضية أنَّ الله غفور رحيم، فهذا كلام حق أُريد به باطِل، وهذا من أوسع مداخِل الشيطان، فإنْ كان الله - عزَّ وجلَّ - يغفر لكل الناس، الصادِق والكاذِب، والمطيع والعاصي، والمحب لشرعِه والكارِه له، إنْ كان الأمر كذلك ففيمَ العمل؟! ولماذا الاجتهاد؟! ولماذا يرهق المطيع لله نفْسَه، ويستيقظ في جوف الليل، وفي شدَّة البرد، وينزل إلى المسجد؟!



إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - الغفور الرحيم يغفر لمن سعَى للمغفرة مِن عباده، فلا يكفي قول اللِّسان، ولكن لا بدَّ مِن عمل، اقرأ وتدبَّر في قوله - تعالى -: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه: 82]، ليس كل الناس يغفر لهم، لا بدَّ مِن توبة صادِقة، وإيمان عميق، وعمل صالح، وهداية إلى طريقِ الله - عزَّ وجلَّ - والله الغفور الرحيم كثيرًا ما يقرِن هذه الصفات بصفاته الأخرى التي تحمل معاني العقاب والجزاء والانتقام ممَّن خالفه وخالَف شرعه؛ ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر: 49 - 50]، فهذه إلى جوار تلك، وبذلك تستقيم حياة الناس.



وأما أنَّه "يستحيل" في حقِّ إنسان أن يستيقظَ لصلاة الصبح في موعدها، فهذا الكلام يحتاج إلى وقفة، ووقفة هامَّة جدًّا، أنا لا أشكُّ لحظةً - يا بن الإسلام - في أنَّه "يستحيل" أن يكونَ استيقاظك للصبح "مستحيلاً"! ولماذا هذا اليقين؟! تفكَّر معي - هداني الله وإياك إلى طاعته -:

أولاً: يقول الله - عزَّ وجلَّ - في كتابه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286]، وهذه قاعدةٌ أصيلة مِن قواعد الشرع، هذا القانون وهذا الشرع ليس قانونًا وضعيًّا مِن وضْع البشر، فيحتمل فيه أن يكون مناسبًا أو غير مناسب، ولكن هذا القانون مِن وضع ربِّ العالمين - سبحانه وتعالى - الذي خلَق الإنسان ويعلم وسعَه وطاقته علمًا مطلقًا؛ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير [الملك: 14]، فكلُّ أحكام الشرع هي في مقدورِ البشر، لا أشكُّ في ذلك، فلتسأل نفْسَك يا أخي، ولتسألي نفسك يا أختي: هل صلاةُ الصبح في هذا الوقت تكليفٌ مفروض أم أنها ليستْ تكليفًا ولا فرضًا؟ وهل هي مفروضةٌ على كلِّ المؤمنين أم أنَّ هناك طوائفَ مستثناة؟! والإجابة واضحة؛ وهي: أنَّ صلاة الصبح فرضٌ على كل المسلمين، وحيث إنَّ المسلم يؤمِن بعدل الله وبحِكمته وبعِلمه، فإنهَّ لا يستقيم لمسلِم مؤمِن بالله - عزَّ وجلَّ - أن يفترضَ أنَّ قيامه لصلاة الصُّبح في موعدِها أمرٌ مستحيل، هذه واحِدة.



ثانيًا: بعض المشاهَدات الأمريكيَّة:

المنظر الأول: في زيارة لأمريكا وعندَ عودتك مِن صلاة الفجر بمسجد المدينة، ويكون ذلك في السادسة صباحًا تقريبًا، تجِد الشوارع الرئيسية والطرق السريعة مزدحمةً بالسيارات تمامًا! وقد تتعجَّب في أوَّل الأمر، ولكن بعد ذلك تتعوَّد على هذا المنظر، إنهم يستيقظون للذَّهاب إلى أعمالهم، وكثير منهم يعمل في أماكنَ بعيدة جدًّا عن بيته فيضطر إلى الاستيقاظِ في الخامسة صباحًا - وقت صلاة الفجْر - لكي يذهب إلى عمَله في موعدِه، كل هؤلاء البشَر من نصارَى ويهود وملاحِدة - وهم كثُر - يستيقظون لدُنياهم في موعِد صلاة الفجْر، لقد سمحتْ طاقتهم البشريَّة بهذا الاستيقاظ، فلماذا لا تسمح طاقةُ المؤمنين بمِثل هذا الاستيقاظ المبكِّر؟!



المنظر الثاني: حضَر أحدُ الأطبَّاء مؤتمرًا طبيًّا كبيرًا في أحدِ المُدن الأمريكيَّة، وفوجئ بأنَّ جلسات المؤتمر تبدأ في السادسة صباحًا! نعمْ - والله - يا إخواني! الجلسة الأولى كانتْ في السادسة صباحًا، ولما كانت صلاة الفجر في هذه الأيام متأخرة نسبيًّا، فقدِ انتهى من الصلاة في الساعة السادسة والرُّبع تقريبًا، فذَهَب إلى المؤتمر في ذلك التوقيت، وكان على يقين وهو في طريقه إلى هناك أنه سيجِد القاعة الكبيرة التي تشهد الجلسة الأولى خاويةً على عروشها، فمن ذا الذي سيأتي في هذا الوقت المبكِّر جدًّا جِدًّا لحضور جلسة علميَّة، ووصل إلى القاعَة، وفوجِئ بما لم يكُن يتخيَّله! فقدْ كانت القاعة مليئةً عن آخرها - وهي تسَع حوالي ثلاثة آلاف شخص - وبالكاد وجَد مكانًا في آخر القاعة، وجلَس يستمع وهو في دهشة، كيف استطاع هؤلاء القوم أن يُكيِّفوا حياتهم بالصورة التي تمكِّنهم من حضور جلسة علمية - اختيارية وليستْ إجبارية - في السادسة صباحًا؟! ولماذا لا يستطيع كثيرٌ من المسلمين تكييف حياتِهم لحضور صلاة - إجباريَّة، وليستِ اختيارية - في نفْس هذا الموعد؟! ويوم يستطيع المسلِمون أن يجيبوا عن هذه الأسئلة يوم أن يكتب لهم التمكين في الأرْض - إن شاء الله!!



المنظر الثالث: منظَر أكثر دراميَّة وأشد تأثيرًا:

كثيرًا ما تجد رجالاً أمريكيِّين ونساءً أمريكيات في الشوارع وأنتَ في طريقك إلى صلاة الفجْر! وأقول: وأنت ذاهِب وليس وأنت عائد!.. بمعنى أنهم كانوا يستيقظون قبلَ ميعاد الفجر لغرَض هام جدًّا في حياتهم! ما هذا الغرض الهام الذي من أجله استيقظ الأمريكي أو الأمريكية قبل الخامسة صباحًا، ولبس ملابسه، وخرَج في الجو البارد جدًّا جِدًّا إلى شوارع المدينة؟ إنهم يفَسِّحون كلابهم في الهواء النَّقِي!!



يستيقظ الأمريكي أو الأمريكية في الساعة الرابعة والنِّصف فجرًا؛ لأنَّ قلْبه - أو قلبها - يتفطَّر على الكلب الذي يبقَى محبوسًا في البيت طيلةَ اليوم! فيستيقظ في هذا الوقت المبكِّر جدًّا؛ ليستطيع الكلب أن يشمَّ الهواء النَّظيف في الشارِع! وأرجو منك أخي - يا بن الإسلام - أن تحلَّ معي هذه المسألة المعقَّدة: الأمريكي - نصرانيًّا كان أو يهوديًّا أو ملحدًا - يستيقظ فجرًا مِن أجْل الكلب! وبعض المسلمين، أو كثير مِن المسلمين، أو إنْ شئت فقل: معظَم المسلمين لا يستيقظون مِن أجْل الله - عزَّ وجلَّ! فبالله عليك كيف يكون حلُّ هذه المسألة؟! كيف يمكن أن يكونَ حب الكلب دافعًا لصاحبِه للاستيقاظ؟! وكيف لا يُمكن أن يكونَ حب الله - عزَّ وجلَّ - دافعًا للعبْد للاستيقاظ؟!



الإمكانيات البشريَّة البدنيَّة تسمح بالقيام، لكن الإمكانيات القلبيَّة عندَ أولئك الذين لا يستيقظون تُعاني من فقْر شديد! نسأل الله السلامة والعافية.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 36.03 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 35.40 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.74%)]