عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 16-05-2020, 01:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,041
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان

ومَن تأمَّل طريقة القرآن، وجدَها دالَّة على ذلك، وأنَّه - سبحانه - يضرب لهم الأمثال المعقولة التي تدلُّ على إمكان المعاد تارة، ووقوعه أخرى، فيذكر أدلَّة القدرة الدالَّة على إمكان المعاد، وأدلَّة الحِكْمة المستلزمة لوقوعه، ومن تأمَّل أدلة المعاد في القرآن وجدها مُغْنِية - بِحَمد الله - عن غيرها، كافية شافية موصِّلة إلى المطلوب بسرعة، متضمِّنة للجواب عن الشُّبه العارضة لكثيرٍ من الناس بما يَثْلَج له الصَّدر، ويكثر معه اليقين، بخلاف غيره من الأدلَّة؛ فإنَّها على العكس من ذلك، وليس هذا موضعَ التفصيل.والمقصود: أنَّ مصدر الأشياء خلقًا وأمرًا عن علم الربِّ وحكمته، واختصَّت هذه القصة بذِكْر هذين الاسمين؛ لاقتضائهما لهما؛ لتعجُّب النفوس من ولادة مولودٍ بين أبوين لا يولد لمِثلهما عادةً، وخفاء العلم بسبب هذا الإيلاد، وكون الحكمة اقتضَتْ جريان هذه الولادة على غير العادة المعروفة، فذَكَر في الآية اسم العِلْم والحكمة؛ المتضمِّن لعلمه - سبحانه - بسبب هذا الخلق، وغايته، وحكمته في وَضْعه موضِعَه من غير إخلالٍ بموجب الحكمة.ثم ذكر - سبحانه - قصَّة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط، وإرسال الحجارة المُسوَّمة عليهم، وفي هذا ما يتضمَّن تصديق رسله وإهلاك المكذِّبين لهم، والدلالة على المعاد والثَّواب والعقاب؛ لوقوعه عيانًا في هذا العالَم، وهذا من أعظم الأدلَّة الدالة على صدق رسلِه؛ لصحة ما أخبروا به عن ربِّهم.ثم قال - تعالى -: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 35 - 36]، ففرَّق بين الإسلام والإيمان هنا لسرٍّ اقتضاه الكلام؛ فإن الإخراج هنا عبارة عن النَّجاة، فهو إخراجُ نجاةٍ من العذاب، ولا ريب أنَّ هذا مختصٌّ بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرًا وباطنًا، وقوله - تعالى -: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 36] لَمَّا كان الموجودون من المُخرَجين أوقع اسمَ الإسلام عليهم؛ لأنَّ امرأة لوطٍ كانت من أهل هذا البيت، وهي مُسلِمة في الظَّاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجين، وقد أخبر - سبحانه - عن خيانة امرأة لوط؛ وخيانتُها أنَّها كانت تدلُّ قومها على أضيافه، وقلبُها معهم، وليست خيانة فاحشة، فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا، وليست من المؤمنين الناجين، ومَن وضعَ دلالة القرآن وألفاظَه مواضعَها، تبيَّن له من أسراره وحِكَمِه ما يبهر العقول، ويعلم أنه تَنْزيل من حكيم حميد.وبِهذا خرج الجواب عن السُّؤال المشهور وهو: أنَّ الإسلام أعمُّ من الإيمان، فكيف استثناء الأعمِّ من الأخص، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس؟! وتبيّن أن المسلمين المستثنَوْنَ مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منه، بل هم المُخْرَجون النَّاجون.وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: 37] فيه دليلٌ على أنَّ آياتِ الله - سبحانه - وعجائِبَه التي فعلَها في هذا العالَم، وأبقى آثارها دالَّةً عليه، وعلى صدق رسُلِه، إنَّما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله - تعالى - كما قال - سبحانه - في موضع آخر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: 103]، وقال - سبحانه -: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: 10]، فإنَّ من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قومٌ أصابَهم الدَّهر، كما أصاب غيرهم، ولا زال الدَّهر فيه الشقاوة والسعادة، وأما من آمن بالآخرة، وأشفق منها، فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.والمقصود بهذا: إنَّما هو التنبيه والتَّمثيل على تفاوُتِ الأفهام في معرفة القرآن، واستنباطِ أسراره وآثار كنوزه، ويَعْتبر بهذا غيره، والفضل بيد الله - تعالى - يؤتيه مَن يشاء.س: هل يجوز البكاء عند تلاوة القرآن؟ج: لَم يكن من هدي سلفِنا الصالح هذُّ القرآن هذَّ الشعر دون تدبُّر وفهم، وإنما كانوا يتأثَّرون بكلام الله، ويحرِّكون به القلوب، فقد روى البخاريُّ عن عبدالله بن مسعود أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((اقرأْ عليَّ القرآن))، فقلتُ: أقرأ القرآن وعليك أنزل؟! فقال: ((إنِّي أحبُّ أن أسمعه من غيري))، قال: فقرأت سورة النساء، حتَّى إذا بلغتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قال: ((حَسْبُك))، فالتفتُّ فإذا عيناه تذرفان.وأخرج البيهقيُّ عن أبي هريرة قال: لَمَّا نزلَت: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ [النجم: 59 - 60]، بكى أهل الصُّفة، حتى جرَتْ دموعهم على خدودهم، فلمَّا سمع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حِسَّهم وبكى معهم، فبكينا لبكائه، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يَلِج النَّارَ مَن بكى مِن خشية الله)).وقد قرأ ابنُ عمر سورة المطفِّفين، حتَّى بلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6]، فبكى حتَّى خر.وعن مُزاحم بن زفر، قال: صلَّى بنا سُفيان الثوريُّ المغرب، فقرأ حتَّى بلغ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، بكى حتَّى انقطعَتْ قراءته، ثم عاد فقرأ: ﴿الْحَمْدُ﴾ [الفاتحة: 2].وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعتُ فُضيلاً يقول ذات ليلة وهو يقرأ سورة محمَّد، يردِّد هذه الآية، ويبكي: ﴿نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31]، وجعل يقول: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾، ويردِّد: "وتبلو أخبارنا؟! إن بلَوْتَ أخبارنا فضحتَنا وهتكتَ أستارنا، إنَّك إنْ بلوتَ أخبارنا أهلكتنا وعذَّبتنا، ويبكي"؛ فرحمهم الله، ورضي عنهم.فالبُكاء مستحَبٌّ مع القراءة وعندها، ومنشَؤُه وطريقة تحصيله: أن يُحضِر القارئُ قلبَه الحزنَ؛ بأن يتأمَّل ما في القرآن من التهديد والوعيد الشديد، والمواثيق والعهود، ثم يتأمَّل تقصيره في ذلك، فإن لم يَحْضره حزنٌ وبُكاء كما يحضر الخواصُّ، فلْيَبك على فَقْدِ ذلك فإنَّه من أعظم المصائب.قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّما العلم بالتعلُّم، والحلم بالتحلُّم))، فعوِّد نفسك على البكاء، فإنَّ أعمال القلوب مثل تمارين العضلات، فلا يكفي حين تريد تَقْوية عضلاتك أن تأتي بكتاب التَّمارين فتقرأ ولا تُمارس التَّمارين عمَلِيًّا، فكذلك مع القلب: لا بدَّ من المُمارسة عمليًّا، قال - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].كان عُمر لا يبكي مثل بقية الصَّحابة، ولكنه كان يُجاهد نفسه حتَّى يبكى، وكان يُخاطبها ويدعوها إلى البُكاء، ويسأل ربَّه: البكاء يا رب، البكاء يا رب، حتَّى لقد ذُكر أنَّه بكى أوَّل مرة؛ لأنَّه لا يبكي، وبعد ذلك كان يُسمع صوتُ بكائه من خلف الصُّفوف، وكان له خطَّان أسودان أسفل عينيه من كثرة البُكاء!!أخي يا بن الإسلام، إنَّك كثيرًا ما تقرأ القرآن، فماذا أثْمَرت لك هذه القراءة؟! أين الخوف؟! أين القلق؟! أين الحذَر؟! أمَا كان رسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - سيِّدَ الكل، ثم إنَّه كان يقوم حتَّى تتورَّم قدماه؟! أمَا كان أبو بكر شجيَّ النَّشيج، كثيرَ البكاء؟! أمَا كان في خدِّ عُمَر خطَّان من أثر الدموع؟! أمَا كان عثمان يختم القرآن في ركعة؟! أمَا كان عليٌّ يَبكي باللَّيل في مِحْرابه حتى تخضلَّ لحيتُه بالدُّموع، ويقول: يا دنيا غُرِّي غيري؟! أمَا كان الحسن البصريُّ يحيا على قوَّة القلق؟! أمَا كان سفيان الثوريُّ يبكي الدَّم من الخوف؟! أما كان إبراهيم بن أدهم يبول الدَّم من الخوف؟! أما علمتَ أخبار الأئمَّة الأربعة في زهدهم وتعبُّدِهم؛ أبي حنيفة ومالكٍ والشافعيِّ وأحمد؟!!فاحْذَر من الإخلاد إلى الأرض، والتَّثاقُل إليها، وتَرْك معالي الأمور؛ فإنَّها حالة الكسالى الزَّمْنَى، ولكن هؤلاء قدوتك.فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ
إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالكِرَامِ فَلاَحُ

تعلُّم القرآن وتعليمه:قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في "صحيح البخاري": ((خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه))، فاحرص أن تكون من خير الأمَّة بموعود رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.إذًا أخي يا بن الإسلام:مطلوبٌ منَّا جميعًا أن نهتمَّ بالقرآن، وأن نجعله نُصْب أعيننا لا يفارقها ليل نهار، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.وتذكَّرْ أن تلاوة القرآن - كما ذكرت - أهمُّ من الحفظ، وهي نوعان لا يُستغنَى بأحدِهما عن الآخَر: 1 - تلاوة تدبُّر وتفكُّر: وهي ختمة لا يُتسرَّع بالوصول إلى آخِر القرآن فيها، بل يُهتمُّ فيها بالعلم ثم العمل بها؛ فتُعطى كلُّ آية حظَّها من التدبُّر والبحث عن العلم فيها، والتنقيب عن أسرارها في التفاسير وكتب العلم، وسؤال أهل العلم، ثم العمل بها.2 - تلاوة الأجر: وهي الختمات التي نُطالب بها يوميًّا في رمضان وغيره، والَّتي هي ابْتِغاء الأجر: بكلِّ حرفٍ عشر حسنات، فهذه يُتغاضى فيها عن التدبُّر، وتُصرف الهِمَّة إلى تحصيل الأجر من الله فحَسْب، فإنَّ الوعد على كلِّ حرف عشر حسنات لم يُشترط فيه التدبُّر.واعلم أنَّ حفظ القرآن وظيفة الأمَّة، ومطلبٌ شرعي، فلا بدَّ أن تحفظ القرآن؛ لأنَّ درجتك في الجنة بقدر حِفْظك؛ بدليل الحديث الذي رواه أحمد وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": ((يُقال لقارئ القرآن: اقْرَأ وارْقَ، ورتِّل كما كنت ترتِّل في دار الدُّنيا، فإن مَنْزلتك عند آخر آية تقرؤها)).وإن كان الشيخ العثيمين - رحمه الله - قد ذكر بأنَّه يرجو أن يكون هذا الحديث الذي رُتِّب فيه الثواب على قراءة القرآن شاملاً لمن يقرؤه حفظًا عن ظهر قلب، أو نظرًا في المصحف؛ لأنَّ الأحاديث عامَّة، وإن كان الغالب في عهد الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن الناس قد حفظوا عن ظهر قلب، لكن إذا أخذنا بالعموم، ورجونا فضل الله، ففضل الله واسع، لكنِّي أقول: إن لم نحفظ نحن القرآن، فلِمَن نتركه؟! أنترك حفظه لليهود والنَّصارى؟ أو شباب المسلمين المضيَّعين؟!!لا بُدَّ من حفظ القرآن، فهو من فروض الكفايات، ولذلك طُرُق؛ منها: أن تتعلَّم القرآن على يد شيخ مُتْقِن، ولو بالأجر؛ فالقرآن أغلى، واستَشِرْ أهل الخبرة في كيفيَّة حفظ القرآن، وطالع بعض الكتب المهمَّة في ذلك، ولا بد من التسميع اليومي لزوجتك، أو أحد أولادك، ولا تتكبَّر عن ذلك، ولا بدَّ من التسميع الأسبوعيِّ أو نصف الأسبوعي للشيخ، المهمُّ أنه لا بدَّ من حفظ القرآن؛ فالقرآن الكريم كتاب الله الخالد المعجز، وهو كلام الله - تعالى - المُنَزَّل على عبده ورسوله وخاتم رسله محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو الكتاب الذي أذن الله بحفظه من أن يغيَّر أو يُبدَّل، أو يُزاد فيه أو ينقص منه؛ قال - تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وهو الكتاب الذي تلقَّاه الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - من جبريل - عليه السَّلام - وجبريل من ربِّ العزة - تبارك وتعالى - ثم علَّمه الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أصحابَه الأطهار - رضي الله عنهم - وهو الذي جمعه الصدِّيق - رضي الله عنه - بإشارة الفاروق - رضي الله عنه - ودَوَّنه ذو النُّورين عثمان - رضي الله عنه - وأجمعت الأمة المسلمة عليه، وهو الكتاب الذي بين أيدينا في مشارق الأرض ومغاربها، المحفوظ بين دفَّتي المصحف من "الحمد" إلى "الناس".هذا القرآن العظيم هو دستور المسلمين وشريعتهم، وصراطُهم المستقيم، وهو حبل الله المتين، وهدايته الدائمة، وموعظته إلى عباده، وآية صِدْق رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الباقية إلى آخر الدُّنيا، وهو سبيل عزِّ المسلمين في كل العصور والدُّهور، ولَمَّا كان القرآن كذلك؛ تعبَّدَنا الله - تعالى - بتلاوتِه، وجُعل خيرنا من تعلَّمه وعلَّمه؛ كما في "صحيح البخاري" وغيره.
كيف أحفظ القرآن الكريم؟!
إنَّ تعليم القرآن الكريم فرض كفاية، وحِفْظه واجب وجوبًا كفائيًّا على الأمَّة؛ حتَّى لا ينقطعَ تواتُره، ولا يتطرَّق إليه تبديل أو تحريف، فإنْ قام بذلك العددُ الذي يكفي سقَط عن الباقين، وإلاَّ أثِموا جميعًا، وإن قام به عددٌ لا يكفي نَجا القائمون وأَثِم الباقون.لكن الأهم من ذلك: كيف أحفظ القرآن؟! ما هي الوسائل التي تُعِينني على حفظ كتاب الله - تعالى؟! إنَّ نعمة القرآن العظيم من أعظم النِّعم التي منَّ الله بها على عباده المؤمنين، لدرجة أنَّ الله - تعالى - قدَّم هذه النعمة على خلق الإنسان أصلاً، وذلك كما جاء في سورة الرحمن؛ حيث قال - سبحانه -: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: 1 - 3]، وكأن الإنسان الذي لا يتعلَّم القرآن لم يُخْلَق أصلاً، وكأنَّه ليست فيه حياة.وورد هذا المعنى أيضًا في سورة الأنفال؛ حيث قال ربنا - عزَّ وجلَّ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]، وكأنَّ الإنسان الذي لا يستجيب لكلام الله ولا لكلام رسوله إنسانٌ ميت، لا حياة له.وقد اختصَّ الله - عزَّ وجلَّ - طائفةً من عباده المؤمنين بنعمةٍ جليلة، ومِنَّة غالية؛ وهي: أنْ جعلَهم يحفظون هذا الكتاب القيِّم عن ظهر قلب، ورفع جدًّا من قدرهم، وعظَّم جدًّا من أجرهم، وأمَر المؤمنين جميعًا أن يُجِلُّوا أمرهم، ويقدِّموهم على غيرهم، وذكَر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذلك الأمر في أكثرَ مِن حديث، حيث قال على سبيل المثال في الحديث الصحيح: ((إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضَع به آخرين)).وقد حاولتُ في كتابي: "مَدْخل إلى علم التَّجويد" أن أضع أيدينا - جميعًا - على بعض الأسباب التي تُساعد في هذه المهمة العظيمة، والغاية الجليلة؛ مهمَّة حفظ القرآن الكريم، وأحصيت هناك - بعون الله - عشر قواعد أساسية - لا غِنى عنها أبدًا - لمن أراد أن يَحْفظ هذا الكتابَ الكريم، ثم أضَفْتُ إليها عشر قواعد أخرى مساعدة، وهي - وإن كانت أيضًا في غاية الأهَمِّية - إلاَّ أنَّها لا تُغني أبدًا عن القواعد الأساسيَّة، فتلك عشرون كاملة! فارجع إليها هناك.وأسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يمنَّ علينا بحفظ كتابه، وتدبُّر معانيه، والعمل بما فيه، وأن يجعلنا ممن حفظوا للقرآن حرمتَه، وممن عظَّموا مَنْزِلته، وممن تأدَّبوا بآدابه، والتزموا بأحكامه، وأسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي وحسناتكم أجمعين، إنَّه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبي ونعم الوكيل.لكن يَنْبغي - يا بْنَ الإسلام - أن تَعْلم أنَّ حفظ القرآن الكريم مهمَّة من أجلِّ المهامِّ التي من الممكن أن يقوم بها مُسْلم، وأجَلُّ من ذلك وأعظم أن تعمل بما تَحْفظ، وأن تدعو إلى الله - عزَّ وجلَّ - بهذا الكتاب الكريم، قال - تعالى -: ﴿المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 1 - 2]، ولكي ندرك عظمة هذه المهمَّة؛ علينا أن نتدبَّر قليلاً في أجر من يقرأ القرآن، فإذا علمتَ أن هذا الأجر الجزيل يُعطَى للقارئ، فما بالكم بالذي يَحفظ؟! ذلك لأنَّه من المعلوم أن الذي يحفظ قد داوم على قراءةٍ كثيرة، وما زال يداوم حتى يُثَبِّتَ حفظَه، ويُراجِع ما قد نُسِّيَه على مر الأيام، فمن ذلك - مثلاً - ما سبق أن ذكرتُه من حديث الترمذيِّ عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن قرأ حرفًا من كتاب الله - تعالى - فله حسنة، والحسَنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))، قال الترمذيُّ: هذا حديث حسن صحيح، فالعقل القاصر لا يمكن أن يتخيَّل حجم الثواب الهائل الذي يأخذه القارئ، ومن ثَمَّ الحافظ للقرآن.ثم إنَّ القرآن سيأتي يوم القيامة يُدافع عن أصحابه! نعم! يأتي يدافع عمَّن اعتاد قراءته وحِفْظَه، والعملَ به والدعوة إليه، وتخيَّل يوم القيامة أن القرآن يأتي سورةً سورة يدافع عنك! فهذه البقرة تشفع لك، وهذه آل عمران تطلب لك، وهذه الأعراف ترجو لك، وهذه الأنفال تتمنَّى لك! أمر هائل أن تتخيَّل أن كلام الله - عزَّ وجلَّ - هو الذي يُدافع عنك يوم القيامة!روى الإمام مسلمٌ عن أبي أمامة الباهليِّ - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنَّه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزَّهراوَيْن؛ البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنَّهما غَمامتان، أو كأنهما غيايَتان، أو كأنَّهما فِرْقانِ من طيْرٍ صوافَّ، تُحاجَّان عن أصحابِهما)).فلا شكَّ - يا بن الإسلام - أنَّ حفظ هذا الكتاب العظيم معجِزة! هو فعلاً معجزة حقيقيَّة أنْ تجد الألوف، بل الملايين من أمَّة الإسلام يحفظون هذا الكتاب العظيم، مع كِبَر حجمه، وتعدُّدِ سُوَرِه، وتشابه آياته، ولا أعلم كتابًا على ظهر الأرض - سماويًّا كان أو غير سماوي - حَفِظَه الناس بهذه الصُّورة؛ فهي خاصيَّة فريدة جعلها الله - عزَّ وجلَّ - لكتابه العظيم.ويزداد عجَبُك عندما ترى بعض الطوائف من المسلمين - والذين لا تتخيَّل لهم أن يحفظوا هذا الكتاب الكريم - قد حفظوه بالفعل؛ فالأطفال دون العاشرة - وأحيانًا دون السابعة - يحفظون القرآن الكريم، وقد يُتِمُّون حفظه بالكامل في هذه السِّن! هذا مع العلم طبعًا أنَّ غالب الكلمات التي يقرؤها الأطفال لا يُدْرِكون معناها!تجد أيضًا أنَّ كثيرًا من الأميِّين - الذين لا يعرفون القراءة والكتابة - يحفظون هذا الكتاب العجيب، فقط عن طريق السَّماع والتلقين!تجد أيضًا كثيرًا ممن فقدوا نعمة البصَر قد أبدلهم الله - عزَّ وجلَّ - بنعمة القرآن، فهُم وإن كان يتعذَّر عليهم مُطالعة المصحف، وحفظ شكل الصفحة، إلاَّ أن الله - عزَّ وجلَّ - يمنُّ عليهم بحفظ القرآن الكريم، وبصورةٍ قد تكون أرسخ وأقوى من الذين يتمتعون بنظر صحيح ثاقب!بل أعجب من ذلك وأغرب: أنَّك تجد قومًا لا يتحدَّثون اللُّغة العربية أصلاً، يحفظون هذا الكتاب عن ظهر قلب!! بل ويرتِّلونه كما أُنْزِل، وبصورةٍ قد تكون أفضل جدًّا من كثير من العرب الذين يتكلَّمون العربية.كلُّ هذا يشير إلى أنَّ تيسير حفظ هذا الكتاب الكريم هو معجزة إلهيَّة، وآية ربَّانية، وصدَق الله العظيم إذْ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].وأعظَمُ وسائل حفظ هذا الكتاب الجليل في الأرض: هو أن يُحفظ في قلوب الرِّجال والنِّساء والأطفال! فهذه أماكِنُ آمنة، لا يصل إليها عدوٌّ ولا حاقد، وقد يأتي على المسلمين زمانٌ يُحارَب فيه الإسلام، وتُحرق فيه كتب القرآن، ولكن يَبقى القرآن في الصدور.حدَث ذلك - على سبيل المثال - في الجمهوريَّات الإسلامية أيام احتلالِها بالاتِّحاد السوفيتي، فقد كانوا يحرقون كلَّ المصاحف، ويعاقِبون بالقتل كلَّ من يجدون عنده مصحفًا في بيته، أو في عمله، ومع ذلك فإنَّ أهل هذه البلاد حفظوا القرآن الكريم في صدورهم، ونقلوه من واحدٍ إلى واحد عن طريق التلقين، وكانوا يُدرِّسونه في المخابئ والكهوف والخنادق، ومرَّت الأيام، وانقشع الظلام الرُّوسي، وبقي القرآن الكريم في صدور المسلمين! وصدق الله - عزَّ وجلَّ - إذْ يقول: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 49].غير أنِّي أودُّ أن أؤكِّد على أنَّ حفظ القرآن الكريم مسؤولية عظيمة، وتَبِعة كبيرة، فالَّذي وفَّقَه الله - عزَّ وجلَّ - لهذه النِّعمة، عليه أن يعرف أنه سيَبْدأ حياةً جديدة، وهو يحمل في صدره هذا القرآنَ، ومن المؤكِّد أنه لن يكون كما كان في سابق حياته، بل ستتغيَّر فيه أشياء كثيرة؛ في داخله وفي خارجه، في سريرته وفي علانيته، في علاقاته وفي معاملاته، لقد أصبح إنسانًا يَحْمل القرآن! ولا بد لهذا الإنسان من التحلِّي بصورة خاصة جدًّا، لا يتحلَّى بها إلاَّ حمَّال هذا الكتاب الجليل.يقول الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا النَّاس ينامون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يَفْرحون، وبِبُكائه إذا الناس يَضْحكون، وبِصَمْتِه إذا الناس يخوضون، وبِخُشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون مُستكينًا ليِّنًا، ولا ينبغي له أن يكون جافيًا ولا مماريًا ولا صيَّاحًا ولا صخَّابًا ولا حديدًا".ويقول التابعي الجليل الفُضَيل بن عياض - رحمه الله -: "حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهُوَ مع مَن يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو"، وقال أيضًا: "ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجةٌ إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم".هذه الصورة التي يشرحها لنا عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - والفضيل بن عياض - رحمه الله - توضِّح لنا أن حفظ القرآن الكريم تربية، وتربيةٌ عظيمة؛ هو تربية للفرد، وهو كذلك تربية للأمَّة، وتخيَّل أمة يكثر فيها المؤمنون الذين يتَّصِفون بهذه الصِّفات، إنَّها - ولا شكَّ - أمَّة لا تموت.والله - عزَّ وجلَّ - كلَّف حمَّال القرآن بمهمَّة عظيمة جدًّا لا يُكلَّف بها إلاَّ أفاضل الرِّجال، لقد استأمنَهم على أغلى وأعظم عبادات الإسلام، لقد استأمنهم على "الصَّلاة"، فجعل الذي يؤمُّ الناسَ في الصلاة هو أكثرَهم قرآنًا، وأعظمهم تجويدًا ودرايةً بقواعد التِّلاوة؛ روى مسلمٌ عن أبي مسعودٍ الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: ((يؤمُّ القومَ أقرَؤُهم لكتاب الله، فإنْ كانوا في القراءة سواءً، فأعلَمُهم بالسُّنة، فإنْ كانوا في السنَّة سواءً فأقْدَمُهم هجرةً، فإنْ كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سلمًا، ولا يَؤمَّن الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يَقْعدْ في بيته على تَكْرمتِه إلاَّ بإذْنِه)) قال الأشجُّ في روايته: مكان سلْمًا: ((سنًّا)).كذلك قدَّم الإسلامُ هؤلاء الحُفَّاظ على غيرهم في قضايا الإفتاء والشُّورى، وأَخْذ الرأي، فالَّذي نوَّر الله قلبه بالقرآن، أقدَرُ على معرفة الحقِّ من الباطل، والصَّواب من الخطأ؛ روى البخاريُّ عن عبدالله بن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنه قال: "وكان القُرَّاءُ أصحابَ مجالسِ عمر ومشاورته؛ كُهولاً كانوا أو شُبَّانًا".وحامل القرآن يَثْبت في أوقات الجهاد والنِّزال أكثرَ من غيره، بل على أكتافهم تُوضع المسؤوليَّة، ومن ورائهم تَسير الجيوش، لقد كان المسلمون في موقعة "اليَمامة" الشَّهيرة إذا حدثَتْ لهم هِزَّة أو انتِكاسة، استنجَدوا بأهل القرآن، كانوا يُنادون عليهم، ويَقولون: "يا أهل القرآن"، فيقومون، ويقوم مِن ورائهم المسلمون، حتَّى استُشهد في اليمامة خَمْسمائة حافظٍ للقرآن، ثُمَّ قام المسلمون بعد ذلك يُنادون على حُفَّاظ سورة البقرة: "يا أهل البقرة"، فقاموا حتَّى مات منهم خلقٌ كثير!وهذا يوضِّح التَّبِعة الضخمة التي كان يَحْملها حُفَّاظ القرآن الكريم.ولا يصحُّ لأحدٍ أن يقول: إنَّ المسؤولية كبيرة، ولا داعي لِحملها حتَّى لا يَسألني الله عنها!! فكلُّ تكاليف الإسلام مسؤوليَّة؛ الجهاد مسؤولية، الدَّعوة مسؤولية، الإمارة مسؤولية، قول الحقِّ مسؤولية، فمَن يحمل مسؤوليات الإسلام إنْ تخلَّف عنها المسلمون؟! ثم إنَّ الأجر على قدر المشقَّة، وليس مَن تعب وسهر كمن تكاسل وفتر، والعبرة بالنِّيات والأعمال، وليستْ بالنتائج، والله مطَّلِع على وُسْعِنا، ومُحاسِبُنا عليه، أسأل الله أن يستعمِلَنا لدينه.لكلِّ ما سبق؛ فإنَّ حافظ القرآن الكريم كانت له مكانةٌ عظيمة في الإسلام، وستظلُّ هذه المكانة - إن شاء الله - محفوظةً له إلى يوم القيامة؛ روى مسلمٌ أنَّ نافع بن عبدالحارث لقي عمر بعُسْفان، وكان عمر يَستعمله على مكَّة، فقال: مَن استعملت على أهل الوادي؟ فقال: "ابن أبزى"، قال: ومَن ابنُ أبزى؟ قال: مولًى من موالينا، قال: فاستخلفتَ عليهم مولًى؟! قال: إنَّه قارئٌ لكتاب الله - عزَّ وجلَّ - وإنَّه عالِمٌ بالفرائض، ثم قال عمر: أمَا إن نبيَّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد قال: ((إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين)).وروى البخاري عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يَجْمع بين الرَّجُلين من قَتْلى أحُد، ثم يقول: ((أيهما أكثَرُ أخذًا للقرآن؟!)) فإنْ أشير إلى أحدهما، قدَّمه في اللَّحد.وروى أبو داود عن أبي موسى الأشعريِّ - رضي الله عنه - وقال النوويُّ: حديث حسن - أن الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ مِن إجلال الله - تعالى - إكرامَ ذي الشَّيبة المسلم، وحاملِ القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامَ ذي السُّلطان المُقْسِط)).وقد سبقَتْ هذه الأحاديث مع أحاديث أخرى غيرها، فإلى بعض القواعد التي تُعِين على حفظ القرآن:من المعلوم والواضح أنَّ حفظ القرآن الكريم ليس بالمهمَّة السهلة البسيطة التي يقدر عليها عمومُ الناس دون تفريغ الوقت والمَجهود والطَّاقة، لقد ذكَر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صراحةً في الحديث الذي رواه البخاريُّ عن أبي موسى - رضي الله عنه - وقال فيه: ((تَعاهَدوا القرآن؛ فوالَّذي نفسي بيده، لَهُو أشدُّ تَفصِّيًا - أيْ: تفلُّتًا - من الإبل في عُقُلِها))، وفي رواية أحمد: ((لَهُو أشدُّ تفلتًا من قلوب الرِّجال من الإبل من عُقله)).ومع ذلك، فكلُّ مهمَّة صعبة تصبح يسيرةً على من يسَّرها الله - عزَّ وجلَّ - عليه، قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، وروى الترمذيُّ عن عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: ((إذا سألْتَ فاسأل الله، وإذا استَعنْتَ فاستعِنْ بالله))؛ قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.وكما قالوا قديمًا: "طريق الألف ميل يبدأ بِخُطوة"، فارجِع إلى كتاب: "مدخل إلى علم التجويد" - للمصنِّف - وحاول أن تستفيد من القواعد المذكورة هناك؛ لِتَبدأ خطوة واحدة في طريق حفظ القرآن، وأنا أعِدُك أنَّ الله - تعالى - سيُتِمُّ عليك؛ فهو القائل في الحديث القدسيِّ الذي أخرجه أحمد، وصحَّحه الألبانيُّ: ((يا بْنَ آدم، قم إليَّ أمشِ إليك، وامش إليَّ أُهَرول إليك))، وهو القائل أيضًا في الصَّحيحين: ((من تقرَّب منِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا، ومن تقرَّب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)).وهذا رعاية لجلال العزة، وحماية لجناب العظمة: أن يكلِّف العبد أن يأتي سيِّدَه ثم يكون من السيد القبولُ والإكرام، فابدأ يا بن الإسلام؛ فبداية الطَّريق خطوة، ابدأ خطوةً إلى الله - تعالى - وهو - سبحانه - يُتِمُّ عليك ويبارك، وكلٌّ ميسَّر لما خُلِق له، كما في الصحيحين.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.24 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.61 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.56%)]