عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 09-05-2020, 02:50 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,188
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان

إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له
ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ، وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله ..
اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً
.. أمْا بَعد ...
حياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام ، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة

سلسلة عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان
(12)

محمود العشري







وسائل استثمار رمضان


الوسيلة الخامسة:
بِرُّ الوالدين:
الوالِدان هما أصحاب الفضل الأكبر بعد الله - تعالى - على الإنسان، قال - سبحانه -:
ï´؟ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ï´¾ [لقمان: 14]؛
فهُما سبب وجوده في هذه الدنيا؛ لأنَّهما تحمَّلا من الكدِّ والتعب، والعناء والنَّصَب، ما لا يمكن أن يتحمَّله أحد؛ لأجل هذا أمرَنا الله - تعالى - بِحُسن الأدب معهما، والإحسان إليهما، بل قد جعله الله - تعالى - مقرونًا بعبادته في مواضعَ متعدِّدةٍ من كتابه - تعالى - يقول - سبحانه -:
ï´؟ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ï´¾ [الإسراء: 23]
وقال - تعالى -: ï´؟ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ï´¾ [النساء: 36]
فحَقُّهما أعظم الحقِّ بعد حق الله - تعالى - فلا تُقدِّمْ عليهما أحدًا أبدًا، بل قد جعل الله - تعالى - رضاه في رضا الوالدين.



من الأدب مع الوالدين:
1 - حبُّهما ومُوالاتُهما، واستشعار فضلِهما، والدُّعاء لهما، كل ذلك على الدَّوام، وإن أساؤوا إليك.
2 - السلامُ عليهما عند الدُّخول عليهما والخروج، والأفضل أن تقرن ذلك بتقبيل يدَيْهما.
3 - حبُّهما ومَدْحُهما بما فيهما.
4 - إدخال السُّرور عليهما بما يُحِبَّان، وأن تمنع عنهما ما يكرهان.
5 - أن يعلم الابن أنَّه مهما قدم لوالديه، فهو قليلٌ في جانب ما قدَّموه، فمهما قدمت من معروف، ومهما فعلت من خير، فلن تستطيع أن تؤدِّي ولو جزءًا يسيرًا مما قدَّماه إليك وأنت طفل صغير.
6 - لِينُ القول لهما، والتأدُّب عند مخاطبتهما؛ فقد قال - تعالى -:
ï´؟ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ï´¾
[الإسراء: 23 - 24]
وقال عبدالله بن عمر لرجلٍ: أتَفْرَق من النَّار، وتحبُّ أن تدخل الجنة؟ قال الرجل: إي والله! قال: أحَيٌّ والِداك؟ قال: عندي أمِّي، قال: فوالله ما ألَنْتَ لها الكلام، وأطعمتَها الطعام، لتدخلنَّ الجنة، ما اجتنَبْتَ الكبائر.
7 - أن لا يرفع صوته بحضرتهما.
8 - القيامُ على خدمتهما، وأداء مصالحهما بإخلاص.
9 - تقديم حقِّهما على حقِّ غيرهما على الدوام.
10 - طاعتهما طاعة مطلَقة في المعروف، إلاَّ أن يأمرا بمعصية.
11 - أن لا يتقدَّم الابنُ والِدَه في المشي إلاَّ لضرورة؛ كإزالة شوك أو نحوه.
12 - تفقُّد مواضع راحتهما، وعدم إزعاجهما.
13 - تجنُّب مدِّ اليد إلى الطعام قبلهما.
14 - عدم الاستئثار بالطيِّبات دونهما، بل إيثارهما وتفضيلهما على غيرهما، ولو زوجة أو ولدًا.
15 - دوام إكرامهما بالمال وغيره؛ فأنت ومالك لأبيك.
16 - الإخلاص في حُبِّهما وخدمتهما، والثناء عليهما في حضورهما وغيبتهما.
17 - القيام بخدمتهما دائمًا، ولزوم أقدامهما، وتسخير ما يستطيع لإدخال السُّرور عليهما.
18 - طاعتهما مطلقًا، إلا في معصية الله ورسوله، وإن أمراك بمعصية فلا تطعهما، ولكن أَلِنْ لهما القول، وانصحهما بالأدب والمعروف.
19 - عدم التعرُّض لسخطهما، فلو سخطا ودعا أحدهما على ابنه، فإنَّ الدُّعاء مستجاب منهما؛ لِما في الحديث الصَّحيح في "سنن الترمذي":
((ثلاث دعوات مستجابات لهنَّ، لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولَدِه)).




20 - تجنُّب الأمور المؤدِّية إلى العقوق، ومنها: الغضب منهما، التأفُّف من قولهما أو فِعْلهما، التضجُّر منهما، الحياء من الانتساب إليهما إذا أصبح ذا جاهٍ أو مركز.
21 - الدعاء لهما بعد موتهما، والاستغفار لهما، قال - تعالى -: ï´؟ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ï´¾ [الإسراء: 24].
22 - التصدُّق عنهما بعد موتهما؛ فعن سعد بن عُبادة - رضي الله عنه - أن أُمَّه ماتت، فقال: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت، فأتصدَّق عنها؟ قال: ((نعم))، قال: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: ((سَقْي الماء))، قال: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة، والحديث صحيح، وهو في "سنن النسائي".
23 - أن يصل المسلِمُ أقاربهما وأصدقاءهما بعد موتهما، ففي "صحيح مسلم" قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إن أبرَّ البِرِّ صلةُ الولد أهل وُدِّ أبيه)).
24 - زيارة قبرهما، والدُّعاء لهما، والترحُّم عليهما.
25 - ألاَّ يتسبَّب في شتمهما؛ بأن يشتم والِدَيْ أحد، فيشتم هذا الشخص والديه.
26 - إذا رأى الابن من أبيه ما يكره، فعليه أن يكلِّمه بغير عنف ولا إساءة، والأفضل أن يصبر ويحتمل جفاء والديه؛ فلا ينهرهما، بل وإذا بلغه شيءٌ عنهما يتأوَّل لهما، ويُحسن الظنَّ بهما، ويدفع عنهما.
27 - وفي النِّهاية يجب أن يعلم كلُّ إنسان أنه ليس حيٌّ على ظهر الأرض أحقَّ بالمودة وحُسْن الصحبة من الوالدين، فلْيَكن جلُّ اهتمامه برضائهما وتطييب خاطرهما، المهمُّ: أنَّه لا سبيل إلى دخول الجنَّة إذا سخط الوالدان؛ فهما بابٌ من أعظم أبواب الجنَّة، فاحفظ هذا الباب أو ضيِّعْهُ!



موعظة:
أيُّها المضيع لأوكد الحقوق، المعتاض عن البِرِّ بالعقوق، الناسي لما يجب عليه، الغافل عمَّا بين يديه: بِرٌّ لوالديك عليك دَيْن، وأنت تتعاطاه باتِّباع الشين؟! تطلب الجنَّة بِزَعمك، وهي تحت أقدام أمِّك؟!

حَملَتْك في بطنها تسعة أشهر كأنها تسع حِجَج، وكابدت عند وضعك ما يذيب المُهَج، وأرضعَتْك من ثديها لَبنًا، وأطارت لأجلك وسنًا، وغسلت بيمينها عنك الأذى، وآثرَتْك على نفسها بالغِذى، وصيَّرَت حجرها لك مهدًا، وأنالتك إحسانًا ورفدًا، فإن أصابك ألَمٌ أو شِكاية، أظهرت من الألم فوق النِّهاية، وأطالت الحزن والنَّحيب، وبذلَتْ مالها للطَّبيب، ولو خُيِّرت بين حياتك وموتها، لآثرت حياتك بأعلى صوتها.

هذا؛ وكم عامَلْتَها بسوء الأدب مِرارًا، فدعَتْ لك بالتوفيق سِرًّا وجهارًا، فلما احتاجَتْ عند الكِبَر إليك، جعلتَها مِن أهون الأشياء عليك: فشَبِعْتَ وهي جائعة، ورَوِيت وهي ضائعة، وقَدَّمت عليها أهلك وأولادك في الإحسان، وقابلتَ أيادِيَها بالنِّسيان، وصَعُب لديك أمرها وهو يسيرٌ، وطال عليك عمرها وهو يسيرُ، وهجرتَها وما لها سواك نصير!

هذا؛ ومولاك قد نهاك عن التَّأفيف، وعاتبَك في حقِّها بعتابٍ لطيف، ستُعاقَب في دنياك بعقوق البنين، وفي أُخْراك بالبعد من ربِّ العالمين، يناديك بلسان التَّوبيخ والتهديد:
ï´؟ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ï´¾ [الحج: 10].



فاحرص أخي يا بن الإسلام على برِّ الوالدين، والقرب منهما، وقضاء حوائجهما، وطاعتهما في غير معصية الله، ومُحاولة الإفطار معهما، واحذر غضبَهما؛ فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
((رضا الربِّ من رضا الوالد، وسخط الربِّ من سخط الوالد))
ولكن احذر أن تتَّخِذ وجوب طاعتهما سبيلاً إلى معصيةِ مَن أوجب عليك طاعتَهما - سبحانه وتعالى - فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أرضى الله بسخط النَّاس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناسَ، ومن أسخط الله برِضَا الناس، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس)).

ولا يهولنك تهديدُ بعض الآباء الجهلاء بالغضب وعدم الرِّضا إذا لم تُنفذ رغباتهم التي ترى فيها معصية الله - تعالى - فالربُّ مطَّلِع عليم، ولا يهولنك أيضًا ما يَذْكرون للنَّاس من عقوقِك وسوء خلقك، ما دُمتَ تعاملهما بما يُرضي الله، وإن كان الأوجبُ عليك أن تسترضِيَهما، ولا تترك لهما بابًا لِذمِّك أمام الناس؛ حتى لا يُشوَّه الإسلام في صورتك، فإن بذلتَ وُسعَك، ولم يَكُفَّا عنك، فسلِّم أمرك لله العليم، وقل:
ï´؟ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ï´¾ [يوسف: 18].

الوسيلة السادسة:
صِلة الرَّحِم:
وهي الإحسان إلى الأقارِب على حسبِ حال الواصل والموصول، فتارةً تكون بالمال، وتارةً تكون بالخدمة، وتارةً بالزيارة والسلام، وغير ذلك، وصِلة الرحم مِن أسْمَى المطالب التي يُعنَى بها الإسلام، ويرغّب فيها، وهى قرابة الرجل مِن جهة أبيه ومِن جهة أمِّه، وهذه مِن الحقوق التي دعتْ إليها الفطرةُ السليمة، وقرَّرتها الشريعة السَّمْحة.

فاحرص أخي، يا ابنَ الإسلام
على أن تصِل رحمك، واحذر أن تقطعَهم حتى ولو قطعوك، قال تعالى:
ï´؟فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْï´¾ [محمد: 22 - 23]
وفي الصحيحين أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال:
((مَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخِر فليكرم ضيفَه، ومَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخِر فليصلْ رحمَه، ومَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخِر فليقلْ خيرًا أو ليصمت))
وفيهما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
((الرَّحِم معلَّقة بالعرْش، تقول: من وصلني وصلَه الله، ومَن قطعَني قطعَه الله))
وعند البخاري عن أنس قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
((مَن أحبَّ أن يُبسَط له في رِزقه، ويُنسأ له في أثرَه، فليصِلْ رحِمَه))
وبسط الرزق - كما قال النووي -: توسيعه وكثرته، وقيل: البَركة فيه، وأما التأخير في الأجل ففيه سؤالٌ مشهور، وهو أنَّ الآجال والأرزاق مقدَّرة لا تزيد ولا تنقص
ï´؟فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَï´¾ [الأعراف: 34]
وقد أجاب العلماء بأجوبة، والصحيح منها: أنَّ هذه الزيادة بالبَركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخِرة، وصيانتها عن الضياع في غير ذلك.



والثاني: أنَّه بالنسبة إلى ما يَظهر للملائكة، وفى اللَّوْح المحفوظ ونحو ذلك، فيظهر لهم في اللوح أنَّ عمره ستُّون سنة إلا أن يصِل رحِمه، فإنْ وصلها زِيد له أربعون، وقد عَلِم الله - تعالى - ما سيقع له مِن ذلك، وهو مِن معنى قوله تعالى: ï´؟يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِï´¾ [الرعد: 39]
فيه النسبة إلى عِلم الله - تعالى - وما سبَق به قدَره، ولا زيادة، بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما ظهَر للمخلوقين تتصوَّر الزيادة، وهو مرادُ الحديث.
والثالث: أن المراد بقاء ذكره الجميل بعده، فكأنه لم يمت، حكاه القاضي... وهو ضعيف أو باطل، والله أعلم.
والأحاديث كثيرة في الحثِّ على صلة الأرْحام، والتحذير من قطعها، فأين نحن من صِلة الأرحام؟! وأين صلةُ الأرحام في هذا الزمان الذي انتشرتْ فيه قطيعة الأرحام وعقوق الوالدين - ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله.

إنَّ حق القرابة قد ضُيِّع في هذا الزمان من قِبل كثيرٍ مِن الناس إلا من رحِم ربُّك، فتجد الواحدَ منهم لا يَصِلُ قرابتَه لا بالجاه، ولا بالمال، ولا بالخُلق.. تمضي الأيام والشهور والسِّنون ما رآهم، ولا زارهم، ولا تحبَّب إليهم بهدية، ولا جلَب لهم منفعة، أو دفَع عنهم مضرَّة، بل ربما - إلى جانب ذلك - أساء إليهم بالقول، أو بالفِعل، أو بهما معًا! يصل البعيد، ويقطع القريب!



ومن الناس مَن يعامل قرابته بالمثل؛ إنْ وصلوه وصلهم، وإنْ قطعوه قطعهم، وهذا ليس بواصل في الحقيقة، بل هو مكافِئ للمعروف بمثله، والمكافأة على المعروف يشترك فيها القريبُ وغيره، والواصل حقيقةً هو من يصل قرابته ابتغاءَ وجه الله، ولا يُبالي سواء وصلوه أم لا؛ ففي صحيح البخاري قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
((ليس الواصلُ بالمكافئ؛ ولكن الواصل الذي إذا قُطِعتْ رحِمُه وصَلَها)).

ولقد حثَّنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على أداء حقِّ الرحِم، وإنْ عاملونا بالجفوة والغِلظة والشر، في حين أنَّه يطمئننا على مستقبلنا، ويُزيح عن قلوبنا اليأس؛ ففي صحيح مسلم أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأُحسن إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ! فقال:
((لئن كنتَ كما قلتَ، فكأنَّما تُسفُّهم - تطعمهم وتلقمهم - المَلَّ، ولا يزال معك من الله
ظهير - مُعين ناصِر - عليهم، ما دُمتَ على ذلك))
قال الأزهري: أصل الملَّة: التربة المحماة تُدفن فيها الخبزة، وقال القتيبي: المل: الجمْر، ويقال للرماد الحار - أيضًا - المل، فالملة كوضع الخبزة، يقول: إذا لم يَشكُروك، فإنَّ عطاءَك إياهم حرامٌ عليهم، ونارٌ في بطونهم، ففيه تشبيه لما يلحقهم مِن الإثم بما يلحق آكل الرَّماد الحار مِن الألم.



حكم صلة الرَّحِم ودرجاتها:
قال القاضي عياض: "لا خِلافَ أنَّ صلة الرحم واجبة في الجُملة، وقطيعتها معصية كبيرة، والأحاديث تشْهَد لهذا، ولكن الصِّلة درجات بعضها أرْفَع من بعض، وأدناها ترْك المهاجَرة بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القُدرة والحاجة؛ فمنها واجِب، ومنها مستحبّ، ولو وصل بعضَ الصِّلة، ولم يصلْ غايتها لا يُسمَّى قاطعًا، ولو قصَّر عما يقدر عليه وينبغي له، لا يُسمَّى واصلاً". اهـ.

وصلة الرحم لها فضائلُ وثمراتٌ كثيرة وعظيمة، أذكر بعضًا منها منبِّهًا على أنه قد ورد في كلِّ ما سأذكُر أحاديث صحيحة، ولكنِّي لم أذكرها اختصارًا، فارجع إليها - إن شئت - في كتاب "حق الرحم" للشيخ المصري:
1- أنَّها عبودية لله تعالى لأمْره بها؛ فإنْ وصلتها أطعتَ ربَّك، وكنت عبدًا لله حقًّا.
2- صلة الرحم شعارُ الإيمان بالله؛ فعند البخاري: ((مَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخر، فليصِلْ رحِمَه)).
3- الله تعالى يصِل الواصل في الدنيا والآخِرة، فيمدُّه بالرحمة، وييسِّر له الأمور، ويفرِّج عنه الكربات.
4- صِلة الرحم تجلب للعبد رِضا الله ومحبته.
5- صلة الرحم يُكفِّر الله بها سيئاتِ العبد.
6- صلة الرحم أعجلُ الطاعة ثوابًا، وقطيعة الرحم مِن أعجل المعاصي عقوبةً.
7- الذين يَصِلُون الأرحام هم الصادِقون المتقون.
8- صِلة الرحِم تجعلك في أعْلى المنازل.
9- صلة الرحم أحبُّ الأعمال إلى الله بعدَ الإيمان به.
10- أنها مِن أسباب البَرَكة في العُمر والرزق.
11- الصَّدقة على ذي الرَّحِم أعظم أجرًا من الصدقة على المسكين.
12- صلة الرحم تعمر الدِّيار، وتزيد في الأعمار.
13- صلة الرحم مِن أعظم أسباب دخول الجنة.



أسباب قطيعة الرحم:
الأسباب كثيرة جدًّا، لكن أبرزها ما يلي: الجهل بحقوق الأقارب، وضعف التقوى، والكِبر، والانقطاع الطويل الذي يسبِّب الوحشة والنسيان، والتطفل الزائد من قِبل الموصول، ممَّا يجعل الواصلَ لا يحرِص على زيارته؛ لئلاَّ يقع في الحرج، واللامبالاة، وعدم الاكتراث بالزائرين مِن الأقارب، والعتاب الشديد مِن بعض الأقارب مما يُسبِّب النفرةَ منه.

الشح والبُخل ممَّن آتاه الله بسطةً في الرزق، فتراه لا يواصِل قرابته؛ لئلاَّ يخسر عليهم من ماله؛ كاستدانتهم منه، وغير ذلك، ونسيان بعض الأقارب في الولائم، الأمر الذي يُسبِّب سوءَ الظن فيما بينهم، والوشاية والإصغاء إليها، والمزاح الخارج عن حدِّ الاعتدال، والمنّ وتَعداد الأيادي والمطالبة بالمثل، والطلاق بين الأقارب، وتأجيل قسمة المواريث بيْن الأقارب.

فعلى الأقارب أن يُحاولوا اجتنابَ هذه الأسباب - وغيرها - المؤدية للقطيعة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

أضرار قطيعة الرحم:
احذر أخي يا ابنَ الإسلام، مِن مغبَّة قطيعة الرحم؛ فإنها:
• تقطع الصلة بيْن العبد وبين الربّ - تبارك وتعالى.
• تجلب للعبد سخطَ الربّ، وبغض الناس من حوله.
• تقطع الأواصر الاجتماعيَّة في المجتمع الواحد.
• تجعل صاحبها بأخبث المنازل.
• يُعجِّل الله لصاحبها العقوبةَ في الدنيا مع ما يدَّخِره له من العقوبة يومَ القيامة.
• قاطِع الرحم يُعرِّض نفسه لعدم قَبول عمله.
• الذي يبخل على أرحامه يعرِّض نفسه للعذاب.
• قطيعة الرحم تخرب الديار.
• قاطع الرحم يعرِّض نفسه لدخول النار.
• قاطع الرحم لا يدخل الجَنَّة مع أول الداخلين.

وهناك أضرارٌ أخرى كثيرة غير ما ذكرت، فلنحذرها جميعًا، والله المستعان.


آداب صلة الرحم:
ينبغي تعلُّم بعض الآداب المتعلِّقة بصلة الرحم، ومنها:
• النية الصالحة والإخلاص؛ فإنَّ الله تعالى لا يقبل إلا العمل الخالص، فيجِب أن نُخلص النية لله تعالى.
• الاحتساب وانتظار الأجْر مِن الله تعالى، فلا تنتظر المقابلَ والمكافأة من الناس.
• تجنُّب قطيعة الرحِم، أو الانشغال عنْ وصلها بمتاع الدنيا.
• زيارتهم في بيوتهم، وتفقُّد أحوالهم، وإدْخال السرور عليهم بتقديم الهدايا لهم.
• البَدء بالأقرب؛ فكلَّما كان ذو الرحم أقربَ، كانت صلته أوْجَبَ، ووجب على الواصِل أن يبدأ به.
• صِلة الرحم بنُصحهم، وإرشاد ضالِّهم، وتذكير غافلهم، وهذا أعظم حقوقهم: إنجاؤهم مِن النار، ودلالتهم على طريقِ الجنة، وإعانتهم على الخير.
• أن يقدِّم في صلته أتْقاهم لله؛ فهو أعظمُ حقًّا، وأزيد أجرًا، هذا مع كون الصلة للقريب الكافر أيضًا، خصوصًا إذا كان بغرَض دعوته للإسلام، كما تكون الصلة للقريب المسلم غير الصالح، ولا سيَّما إذا كانتْ بغرَض نُصحه وإرشاده، ودعوته إلى الخير، وتحبيبه إليه.
• التصدُّق عليهم إنْ كانوا فقراء، فمَن تصدَّق على ذي رحِم، كان له ثوابان؛ ثواب على صَدقته، وثواب صِلته رحمه، كما في الحديثِ الصحيح في مسند الإمام أحمد.
• تعلُّم النسب، وتفقُّد الأقارب الذين يمتُّون للمرء بقرابة بعيدة؛ فإنَّه إنْ أحسن النية في البحْث عنهم وصِلتهم، كان ذلك مِن أفضل أعماله، وهذا مما يَنبغي أن يحرِص عليه المؤمن الراغِب في الخير.
• ألاَّ تكون الصلة على وجْه المكافأة.
• المداومة على وصل ذي الرحِم القاطِع وتحمُّل أذاه.
• تفقُّد أحوالهم، والسؤال عنهم، والدُّعاء لهم، وإكرامهم دائمًا، مع كفِّ الأذى عنهم.
• العفو والصَّفْح عنهم، وهو تجنُّب السيئة بمثلها، والقطيعة بمثلها.
• تجنُّب الخلوة بالأجنبية أو مصافحتها أثناءَ زيارة الأرحام، فإيَّاك أن تفعلَ حسنة بسيئة؛ أي: إنَّه ليس معنى صلة الرحم أن تخالِط النساء وتمازحهنَّ؛ فإنَّ هذا حرام تُذهب سيئاتُه بحسناته، ولتحذر أيضًا من أي مشاركة في المعاصي والمخالفات، ولو هانتْ.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.17 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.54 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.65%)]