عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 03-05-2020, 06:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,490
الدولة : Egypt
افتراضي رد: رقائق قلبية بعد صلاة التراويح ---- يوميا فى رمضان



كيف تعيش رمضان؟
مجمد حسين يعقوب
(10)


مشاهد العبودية في الصيام
إخوتاه
..
المشهد السادس: الإيثار:
شهر رمضان مدرسةٌ عظيمة، والدروس المستفادة من هذا الشهر وظائف للعمر وذكريات في الحياة، وهو تدريب عملي على مدار أيامه الثلاثين للفهم وتذوق هذه المعاني الإيمانية العالية لكي تكون الحياة على هذا النمط بعد رمضان؛ لأن في هذه المداومة تربية للنفس وتخليص ل
ها من آفاتها.
ومن الآفات التي يفيد الصيام في التخلص منها أجل فائدة: الشح؛ لأن النفس مجبولة عليه، قال تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128]، وقال سبحانه: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]، وقال سبحانه: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ


رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسرا
ء: 100]، فشرع الله الصيام ولمدة شهر لعلاج هذا المرض، وذلك بتعويد الإنسان على ضده وهو الإيثار.
وابن القيم -عليه - رحمة الله - أستاذ القلوب في مدرسة الربانية، قد أفاد وأجاد فبدأ الكلام في هذا الباب وتفصيله في كتاب طريق الهجرتين أيضًا، فننقل كلامه هنا بطوله بنصه، لعل الله ينفعنا جميعًا به، فما بعد العلم إلا العمل، فخذه هنيئًا مريئًا.
يقول - رحمه الله -: "الدين كله والمعاملة في الإيثار، فإنه تقديم وتخصي
ص لمن تؤثره بما تؤثره به على نفسك، وقيل: من آثر الله على غيره آثره الله على غيره.

والإيثار إما أن يتعلق بالخلق، وإما أن يتعلق بالخالق، وإن تعلق بالخلق
فكماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يُضَيِّع عليك وقتًا، ولا يفسد عليك حالًا، ولا يهضم لك دينًا، ولا يسُدُّ عليك طريقًا، ولا يمنع لك واردًا، فإن كان في إيثارهم شيء من ذلك، فإيثار نفسك عليهم أولى، فإن الرجل من لايؤثر بنصيبه من الله أحدًا كائنًا من كان.
وهذا في غاية الصعوبة على السالك، والأول أسهل منه، فإن الإيثار المحمود الذي أثنى الله على فاعله: الإيثار بالدنيا لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب، قال الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحش
ر: 9].

فأخبر أن إيثارهم إنما هو بالشيء الذي إذا وُقِيَ الرجلُ الشُّحَّ به كان من المفلحين، وهذا إنما هو فضول الدنيا، لا الأوقات المصروفة في الطاعات، فإن الفلاح كل الفلاح في الشح بها، فمن لم يكن شحيحًا بوقته تركه الناس على الأرض عيانًا مفلسًا، فالشح بالوقت هو عمارة القلب
وحفظ رأس ماله.
ومما يدل على هذا أنه سبحانه أمر بالمسابقة في أعمال البر والتنافس فيها والمبادرة إليها، وهذا ضد الإيثار بها، قال الله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وقال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]، وقال تعالى: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاسْ
تَهَمُوا عليه" (1) أي: لكانت قرعة.

والقرعة إنما تكون عند التزاحم والتنافس لا عند الإيثار، فلم يجعل الشارع الطاعات والقربات محلًّا للإيثار، بل محلًّا للتنافس والمسابقة، ولهذا قال الفقهاء: لا يستحب الإيثار بالقربات.
فإن قيل: فما الذي يسهل على النفس الإيثار بالدنيا دون الآخرة، فإن النفس مجبولة على الأثرة لا على الإيثار؟، قيل: يسهله أمور:
أحدُها: رغبةُ العبد في مكارم الأخلاق ومعاليها، فإن من أفضل أخ
لاق الرجل وأشرفها وأعلاها الإيثار، وقد جبل الله القلوب على تعظيم صاحبِه ومحبته، كما جبلها على بغض المستأثر ومقته، لا تبديل لخلق الله، والأحلاق ثلاثة: خلق الإيثار، وهو خُلُقُ الفضل، وخلق القسمة والتسوية، وهو خلق العدل، وخلق الاستئثار والاستبداد وهو خلق الظلم.
فصاحب الإيثار محبوبٌ مُطَاعٌ مَهِيب، وصاحب العدل لا سبيل للنفوس إلى أذاه والتسلط عليه، ولكنه لا تنقاد إليه انقيادها لمن يؤثرها،


وصاحب الاستئثار النفوس إلى أذاه والتسلط عليه
أسرع من السيل في حُدُوِرِه، وهل أزال الممالك وقلعها إلا الاستئثار؟!، فإن النفوس لا صبر لها عليه، ولهذا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه بالسمع والطاعة لولاة الأمر وإن استأثروا عليهم، لما في طاعة المستأثر من المشقة أو كره الاستئثار.
الثاني: النفرة من أخلاق الل
ئام، ومقت الشح وكراهته له.
الثالث: تعظيم الحقوق التي جعلها الله سبحانه وتعالى للمسلمين بعضهم على بعض، فهو يرعاها حق رعايتها، ويخاف من تضييعها، ويعلم أنه إن لم يبذل فوق العدل لم يمكنه الوقوف مع حده، فإن ذلك عسير جدًّا، بل لا بد من مجاوزته إلى الفضل أو التقصير عنه إلى الظلم، فهو لخوفه من تضييع الحق والدخول في الظلم يختار الإيثار بما لا يُنْقِصُه ولا يضره، ويكتسب به جميل الذكر في الدنيا وجزيلَ الأجر في الآخرة، مع ما يجلبه له الإيثار من البركة وفيضان الخير عل
يه، فيعود عليه من إيثاره أفضل ما بذله، ومن جرَّبَ هذا عرفه، ومن لم يجربه فليستقرئ أحوال العالم، والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى.

الإيثار المتعلق بعبادة الله:
والإيثار المتعلق بالخالق أجَلُّ من هذا وأفضل، وهو إيثالر رضاه عل
ى رضا غيره، وإيثار حبه على حب غيره، وإيثار خوفه ورجائه على خوف غيره ورجائه، وإيثار الذل له والخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره، وكذلك إيثار الطلب منه والسؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره، فالأول آثر بعض العبيد على نفسه فيما هو محبوبٌ له، وهذا آثر الله على غيره، ونَفْسُه من أعظم الأغيار، فآثر الله عليها فترك محبوبها لمحبوب الله.
__________
(1) متفق عليه، البخاري (590)، ومسلم (437).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.46 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.29%)]