
01-05-2020, 07:11 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,399
الدولة :
|
|
رد: رقائق قلبية بعد صلاة التراويح ---- يوميا فى رمضان

كيف تعيش رمضان؟(*)
محمد حسين يعقوب
(7)

مشاهد العبودية في الصيام
إخوتاه ..
شهر رمضان أيام قلبية في الزمن؛ متى أشرفت على الدنيا فكأن الزمان يقول لأهله: هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي،ولذلك فإن الصيام تغيير كامل للحياة لا مجرو الامتناع عن الطعام والشهوة مدة من الزمن؛ ولهذا لا بد أن يكون للصائم مشاهد في هذه العبادة يجد آثارها في قلبه. فإن هذه العبادة تُطْلِعُه على رياض مونقة من أنواع العبودية المختلفة ومن مشاهد العبودية في الصيام:

المشهد الأول: مشهد التوحيد:
قال الله سبحانه وتعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 14]، وقال سبحانه: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75].استدل الله جل جلاله على نفي ألوهية عيسى وأمه بأنهما كانا يأكلان الطعام، فإن الذي يأكل الطعام يحتاج إلى الإخراج، وفيه ما فيه ..
فأول مشهد يشهده الصائم مشهد التوحيد، فيشهد قلبه عظمة الله جل جلاله وعلوه على خلقه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، فهو الغني لا يحتاج إلى شيء، ولا يحتاج إلى أحد، ويشهد العبد من نفسه ذله وفقره وفاقته وحاجته، فامتناعه عن الطعام والشراب سويعات قليلة يرخي جسمه، ويفتر عقله، ويثقل لسانه، ويمنع عقله عن التفكير إلا فيما هو محتاج إليه من الأكل والشرب.

ويقوى هذا المشهد في رمضان دون غيره لاستدامة الصيام ورؤية هذا الحال في الناس، فإن ثلاثين يومًا يرى فيها العبد انكسار الناس وذلهم لفقد الطعام والشراب وحرمانهم منه، والغنى العالي الذي يبدو على من شهد مشهد التوحيد يجعله مسرورًا بما يجده، ألم تر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آثر الصيام على الإفطار، فكان يواصل، ويشبعه مشهد التوحيد هذا فيقول: "أبيت عند ربي فيطعمني ويسقيني" (1).
فمشهد التوحيد في الصيام أجل مشاهد العبد وأكثرها نفعًا وأكثرها صلة بالفعل، فافهم واتكىء ولا تتكل.

المشهد الثاني: مشهد الصبر والشكر:
الدين نصفان: نصفٌ شكر، ونصفٌ صبر.
تكلم العلماء في مسألة أيهما أفضل: الشكر أم الصبر؟، وخلاصة الكلام والله أعلم أن كل حال للعبد كان لواقعه أوفق فهو له أفضل إذا كان لله أرضى.
والإنسان لا ينفك عن الشكر والصبر، فإنه يعيش حياته ما بين نعم مترادفة تحتاج إلى شكر، وبين فتن متكاتفة تحتاج إلى صبر، والصبر أنواع، صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على البلاء، والشكر أنواع: شكر نعم راسخة، وشكر نعم متجددة، وشكر نعم حادثة، وشكر صرف النبلاء، وشكر دفعه ... وغيرها.
وعظمة رمضان أنه في كل يوم منه يأتي العبد بكل هذه الأنواع من العبودية، فإن الإنسان يصوم النهار، فيحتاج إلى الصبر؛ الصبر على

الطاعة، والصبر عن المعصية في ذات الوقت، وهو أيضًا صائم ويرى الطعام والشراب يلمعان بين عينيه ولا يقدر عليهما، فيتذكر ألم المحرومين الذين يرون ما يشتهون ولا يقدرون عليه لفقر أو مرض أو غير ذلك فينشغل بالشكر.
ويظل يومه هكذا، ما بين صبرٍ وشكر، فإذا أفطر في الليل وتناول حاجته من الطعام والشراب وأرضى شهوته؛ احتاج إلى شكر أعمق وعمل أكثر، فعاد مرة أخرى إلى الصبر على الطاعة ليقوم الليل، والصبر عن المعصية ليمتنع عما يدعوه إليه قطاع الطريق إلى الله في وسائل الإعلام وغيرها من المسلسلات والفوازير والأفلام وكل المعاصي الظاهرة والباطنة.

فيظل العبد المؤمن يعيش أيام رمضان ولياليه متلبسًا بتلك العبودية المترادفة بين الشكر والصبر، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]، وقال سبحانه: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126) وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ} [النحل: 126 - 127]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عجبًا لأمر المؤمن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له" (1).

المشهد الثالث: مشهد القبض والبسط:
هل الحياة مملة؟! ..
إن الذين لا يفهمون الحياة لا يعرفون كيف يعيشون هذه الحياة، فإذا لم يعيشوها كما ينبغي شكوا الملل!!، ولا أدري هل هو عقوبة؟
إن الذين لا يفهمون مراد الله منهم، فيعيشون الحياة على وتيرةٍ واحدة، فلا يشعرون بالتجديد والتجدد في معاني الحياة وملذوذاتها؛ يشكون السأم والضجر والملل ..
أما العبد الرباني، الذي يعيش على مراد الله منه لا على مراده من الله؛ فإن حياته متجددة، فهو في كل لحظة بعبادة، وكل ساعة بنية،

وهذا المشهد يتضح أكثر ما يكون في رمضان؛ فإن الصائم يعيش ما بين المنع في النهار فيشهد مشهد القبض ثم يفطر وتنفتح له أبواب خيرات الله فيشهد مشهد البسط، وهكذا ما بين نوم ويقظة، وإفطار وإمساك، ونشاط وراحة، يعيش المسلم في رمضان بلا سأم ولا ملل، فإنه كل ساعة في انتظار تغيير يحدثه تجدد عبادة من العبادات.
__________
(1) أخرجه أبو داود (2374)، وصححه الألباني (2080) في "صحيح أبي داود".
(1) أخرجه مسلم (2999).

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|