
31-03-2020, 05:27 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,495
الدولة :
|
|
رد: معالم رحمة النبي صلى الله عليه وسلم في علاقته بأسرته
معالم رحمة النبي صلى الله عليه وسلم في علاقته بأسرته
عراقي محمود حامد
المبحث الثاني: رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بزوجاته وذريته
أولًا: رحمته - صلى الله عليه وسلم - بزوجاته:
ضرب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من نفسه أروع النماذج البشرية في المعاشرة الزوجية، فكان نِعم الزوج لزوجه، وخير الناس لأهله، ولم لا وهو المُبيِّن للقرآن بأحواله، وأقواله، وأفعاله، فكان الرجلَ الوحيدَ الذي لم تكن له خصوصيات، ولا أمورٌ مستورات محجوبات، بل كان كل ما يفعله يُقَصُّ عنه - صلى الله عليه وسلم - ويُبَثُّ، إذ هو المثل الأعلى والأسوة الحسنة، وإلا فكيف يقتدي به أتباعُه في هذه الأمور الخاصة؛ إن حُجِبت عنهم معرفتها، وحيل بينهم وبينها؟!
فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعامل زوجاته بكل سُموٍّ خُلقي؛ من محبة وعدل ورحمة ووفاء، وغير ذلك مما تقتضيه الحياة الزوجية في جميع أحوالها وأيامها، كما فاضت بذلك كتب السنة والشمائل والسير عنه - صلى الله عليه وسلم -؛ وسأوجز فيما يلي بعض مظاهر رحمته - صلى الله عليه وسلم - بزوجاته:
1- محبته - صلى الله عليه وسلم - لهن:
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))[24].
وقد سأله عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قائلًا: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: ((عَائِشَةُ))... الحديث[25].
هكذا بكل صراحة وفصاحة، وهكذا يكون الحب الصادق والوفاء الحق، وهذا رفع لدور المرأة بحق.
2- حُسن عشرته وكريم خُلقه - صلى الله عليه وسلم - معهن جمعاوات:
لقد وضع النبي - صلى الله عليه وسلم - معيار خيرية الرجال في حسن عشرة الزوجات، فقال: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلي))[26].
فكان من حُسن عشرته - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يدخل بيته دخل من طرفي الباب إمَّا يمينًا وإما شمالًا، ولا يدخل من وجه الباب؛ يتخون أهله، فإذا دخل بيته مَلَك قلوب أزواجه بالعطف والإحسان والرحمة والحنان.
فإذا قُدِّم له طعام إن اشتهاه أكله وإلا تركه، وما عاب طعامًا قط، ولا سبَّ امرأة ولا شتمها، و«مَا ضَرَبَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ - عز وجل -»[27].
وكان يُكرم ولا يهين، يُوجِّه وينصح، لا يعنِّف ويَجْرَح.
وكان يخدم نفسه ويُعين أهله ويساعدهم في أمورهم، ويكون في حاجاتهم؛ كما تقول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ»[28].
ومن رفقه وحسن عشرته أنه كان أحيانًا يغتسل مع زوجته من إناء واحد؛ حتى تقول له: ((دَعْ لي))، ويقول لها: ((دَعِي لي))[29].
قال ابن كثير: "وَكَانَ مِنْ أَخْلَاق النبي - صلى الله عليه وسلم - أَنّهُ جَمِيل الْعِشْرَة، دَائِم الْبِشْر، يُدَاعِب أَهْله، وَيَتَلَطّف بِهِمْ، وَيُوسِعهُمْ نَفَقَته، وَيُضَاحِك نِسَاءَهُ...".
إلى أن قال: "وكان - صلى الله عليه وسلم - يَجْمَع نِسَاءَهُ كُلّ لَيْلَة فِي بَيْت الّتِي يَبِيت عِنْدهَا، فَيَأْكُل مَعَهُنّ الْعَشَاء فِي بَعْض الْأَحْيَان، ثُمّ تَنْصَرِف كُلّ وَاحِدَة إِلَى مَنْزِلهَا، وَكَانَ يَنَام مَعَ الْمَرْأَة مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَار وَاحِد، يَضَع عَنْ كَتِفَيْهِ الرّدَاء وَيَنَام بِالْإِزَار.
وَكَانَ إِذَا صَلّى الْعِشَاء يَدْخُل مَنْزِله يَسْمُر مَعَ أَهْله قَلِيلًا قَبْل أَنْ يَنَام، يُؤَانِسهُمْ بِذَلِكَ - صلى الله عليه وسلم –"[30].
3- سماحه - صلى الله عليه وسلم - لهن بمصاحبة النساء واللهو معهن:
تقول أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -: "كنت ألعب بالبنات عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله إذا دخل ينقمعن- أي: يتغيبن منه- فيُسربهنَّ إليَّ؛ فيلعبن معي"[31].
4- ممارسة الرياضة البدنية معهن:
كَانَ - صلى الله عليه وسلم - يُسَابِق عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ - رضي الله عنها -، يَتَوَدّد إِلَيْهَا بِذَلِكَ؛ قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي؛ فَقَالَ: «هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ»[32].
5- وصيته الحادي أن يخفف السير رفقًا بهن في السفر:
عنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ فِي سَفَرٍ، وَكَانَ غُلَامٌ يَحْدُو بِهِنَّ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ((رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ، سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ))[33].
قال الإمام النووي: "ومعناه: الأمر بالرفق بهن...، أي: ارفق في سوقك بالقوارير، قال العلماء: سمَّى النساء قوارير؛ لضعف عزائمهن، تشبيهًا بقارورة الزجاج لضعفها، وإسراع الانكسار إليها"[34].
6- مساعدتهن فيما لا يقدرن عليه، وإكرامهن بالمركب اللين:
عن أنس قال: "... فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ"[35].
فانظر- رحمني الله وإياك- إلى مبلغ رحمته - صلى الله عليه وسلم - بأزواجه، وأكثر من ذلك أن تظل إحداهن هاجرة له اليوم كله حتى تهجر اسمه الشريف، ومع ذلك فهو يغض عن ذلك ويحلم ويصفح، وهو القادر على أن يفارقهن، فيبدله ربه خيرًا منهن، كما وعده بذلك إن هو طلقهن، ولكنه كان - صلى الله عليه وسلم - رؤوفا رحيمًا بالمؤمنين؛ فكيف بخاصته وأهل بيته الأقربين؟!
وقد دل النبي - صلى الله عليه وسلم - أُمَّته إلى ما تنبغي أن تكون عليه العشرة الزوجية بقوله، كما دلَّهم على ذلك بفعله، والثابت عنه - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب أحاديث كثيرة منها:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: ((استوصوا بالنساء خيرًا))[36]، وفي رواية: ((وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها))[37].
فيا لله العجب! كيف جمع - صلى الله عليه وسلم - بين حسن معاملتهن والوصية بهن، وبيان حقيقتهن؛ ليكون ذلك أدعى إلى قبول وصيته، والعمل بهديه وسيرته.
وجعل - صلى الله عليه وسلم - للعلاقة الزوجية من القدسية الشيء العظيم؛ حيث قال: ((إن شرَّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة: الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه، ثم ينشر سرها))[38].
وما أجمل تكريمه - صلى الله عليه وسلم - للزوجة الصالحة بقوله: ((الدنيا مَتاع، وخيرُ متاع الدنيا: المرأة الصالحة))[39].
ثانيًا: رحمته - صلى الله عليه وسلم - بذريته (أولاده البنين والبنات وأحفاده):
كان - صلى الله عليه وسلم - رحيمًا بالأطفال إلى درجة لم يُسمع بمثلها؛ قال أنس - رضي الله عنه -: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم –"[40].
وهذا من تمام رحمته بأولاده وبالصغار عمومًا، وقد ربَّاهم بالقدوة وتمام المحبة والرفق والرحمة؛ لأنهم شباب الغد الذين سيذللون سُبَل المعالي، وقد كان من شأن أولئك الفتيان الذين ربَّاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصنعهم على عينه- الأمور العظام.
وكان من مداعبته - صلى الله عليه وسلم - للصغار يُدلع لسانه[41] للحسن، فيرى الصبيُّ حُمرة لسانه فيَهَشُّ إليه[42].
وكان يحملهم ولو كان في صلاة؛ كما صحَّ عن حمله لأمامة بنت ابنته زينب - رضي الله عنها -، فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها[43].
وكان - صلى الله عليه وسلم - شديد الاهتمام بتربية البنات من حيث تعويدهن على الحياء، وعدم مخالطة الرجال، وحضهن على العلم والذِّكر، وإعدادهن أمهات مربيات صالحات، وقد ربَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - بناتِه وبنات الصحابة من حوله على ذلك، فرأينا كيف كانت سيرة فاطمة - رضي الله عنها - ابنته، وكذلك أمامة بنت أبي العاص حفيدته، وغيرهن من الصحابيات رضوان الله عليهن.
وكان من هديه - صلى الله عليه وسلم - الحنان والعطف عليهن؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «جَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ: ((مَرْحَبًا بِابْنَتِي». فَأَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ))[44].
وكانت إذا دخلت عليه - صلى الله عليه وسلم - قام إليها، فقبَّلها، وأجلسها في مجلسه[45].
وفي العصر الذي كثر فيه وأد البنات جاء - صلى الله عليه وسلم - برحمتهن والعطف عليهن، ورفع قدرهن، وتجريم هذه الفعلة الشنعاء التي قال الله - تعالى -عنها: (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ)[التكوير: 8، 9].
فلم يكتفِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بالنهي الشديد عن وأدهن، بل رفع قدر من ربَّاهن فأحسن تربيتهن، وعالهن وأحسن إليهن؛ فقال: ((مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ)) وَضَمَّ أَصَابِعَهُ[46].
وكان يحزن حزنًا شديدًا على وفاتهن، وتذرف عيناه الدمع على فراقهن؛ يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه- في نبأ وفاة أم كلثوم - رضي الله عنها -: «شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ»[47] الحديث.
وهذه بلا شك دموع رحمة وشفقة تسيل من عيني أرق قلب وأرحمه، وقد ابتلي - صلى الله عليه وسلم - بفقد جميع ذريته من الذكور والإناث، ولم يبق بعد وفاته إلا فاطمة - رضي الله عنها - التي توفيت بعده بستة أشهر، وقد أسرَّ لها في مرض موته أنها أول أهله لحوقًا به.
وللموضوع تتمة
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|