الموضوع: أحكام الشتاء
عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 25-03-2020, 04:27 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,625
الدولة : Egypt
افتراضي رد: أحكام الشتاء

أحكام الشتاء (2)

د. محمد ويلالي







عرفنا في الجمعة الماضية مجموعةً من الآداب والأحْكام المتعلِّقة بفصْل الشتاء، وعرفنا أنَّه فصْل مبارك، حتَّى قال فيه الحسن: "نِعمَ زمان المؤمن الشتاء"، وقال فيه عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: "مرحبًا بالشتاء، تتنزَّل فيه البركة، ويطولُ فيه اللَّيل للقيام، ويقصر فيه النَّهار للصيام".

وهذه آداب وأحكام أخرى، نودُّ التَّذكير بها حتى نكون على بيِّنة من أمرها:
1- ماء المطر طاهر، يجوز الوضوء منه؛ قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} [الفرقان: 48]، قال البغوي: "هو طاهرٌ في نفسه، مطهِّر لغيره".

2- ماء البَرَد - كالثلج - طاهر مطهِّر، يجوز أكله، وتذْويبه، والتوضُّؤ به، والدَّليل على طهارته: ما وردَ في دُعاء الاستفتاح عن أبي هُريرة - رضِي الله عنْه - قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - إذا استفتح الصَّلاة، سكت هنيْهة، فقلتُ: بأبي أنت وأمِّي يا رسولَ الله، ما تقولُ في سكوتك بين التَّكبير والقِراءة؟ قال: ((أقول: اللهُمَّ باعِدْ بيْني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشْرق والمغرب، اللهُمَّ نقِّني من خطايايَ كما ينقَّى الثَّوب الأبيض من الدَّنس، اللهُمَّ اغسِلْني من خطايايَ بالماء والثَّلج والبرَد))؛ صحيح سنن النَّسائي.

3- إذا أصاب ثوبَك شيءٌ من الطين أو الوحل وصلَّيت فيه، فإنَّ صلاتَك صحيحة؛ لأنَّ الوحل طاهر، وقد كان جَماعة من التَّابعين "يخوضون الماء والطين في المطر، ثمَّ يدْخلون المسجد فيصلُّون".

وانتبِهْ إلى هذا الأثَر الجليل؛ لتعرف حالَ الرَّسول الكريم - صلَّى الله عليْه وسلَّم - مع صحابته في صلاتهم؛ قال أبو سعيد الخدري - رضِي الله عنْه -: "مُطِرنا ليلة إحدى وعشرين "أي: من رمضان"، فَوَكَفَ المسجد "سال؛ لأنَّ سقفه كان مصنوعًا من جريد النخل" في مصلَّى رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فنظرتُ إليه وقد انصرفَ من صلاة الصُّبح، ووجهُه مبتلٌّ طينًا وماء"؛ متَّفق عليه.

وذهب بعض العُلماء إلى أنَّ السنَّة للمصلي ألاَّ يَمسح جبهته في الصلاة، وهو محمول على ما إذا كان ما علق بالجبهة شيئًا يسيرًا، لا يمنع مباشرة الجبهة للأرْض، لكن ينبغي مراعاة نظافة فرش المسجِد في زماننا بإزالة ما يمكن أن يؤذِي المصلِّين.

4- إذا كان المطر غزيرًا يشُقُّ على المكلَّف، وكذلك إذا كثر الوحْل والزَّلَق والطِّين، ممَّا يصعُب المشْي عليه، وكذلك عند الرِّيح الشَّديدة الباردة - جاز الجمْع بين صلاتَي الظُّهر والعصر، والمغرب والعشاء، تقديمًا وتأْخيرًا؛ لحصول المشقَّة، "وقد جمع الرَّسول - عليه الصلاة والسلام - في المدينة بين الظهر والعصر، والمغرِب والعشاء"؛ رواه مسلم.

ولا يشترط نيَّة الجمع عند الإحرام بالصَّلاة الأولى؛ فقد ينوي الجمع بعد الفراغ من الأولى ما دام السَّبب موجودًا، ولا يشترط إخبار المأمومين بالجمْع، ويشترط التَّرتيب بين الصَّلاتين، ومن صلاَّهما غير مرتَّبتين ولو جهلاً أو سهوًا، أعاد الصلاة، ولا يصحُّ الجمع بين صلاة الجمعة والعصر؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - لم يفعله مع وجود المقتضي.

وجمهور أهل العِلْم على أنَّه يؤذَّن لهما أذان واحد، ويقام لكل صلاة إقامة خاصَّة بها؛ كما فعله النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في عرفة ومزدلفة، وهو عام لكلِّ جمع بين الصَّلاتَين.

ولك أن تصلي سنَّة المغرب بعد صلاة العشاء مباشرة، وكذلك سنَّة الظهر بعد العصر مباشرة؛ لأنَّ وقت النَّهي عن الصلاة بعد صلاة العصر لم يدخل بعد، ولك أن توتر بعد صلاة العشاء مباشرةً، ولك أن تؤخِّره.

فإذا دخلت المسجد، ووجدت النَّاس يصلُّون العشاء بعد أن صلَّوا المغرب، فإنَّك تدخل مع الإمام بنيَّة المغرب.

فإذا كان المطر شديدًا، يشقُّ على الناس الخروج إلى المسجد، جازت صلاتهم في بيوتهم وأماكنهم؛ لحديث ابن عمر - رضِي الله عنْه - قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - ينادي مناديه في الليلة المطيرة، أو الليلة الباردة ذات الريح: ((صلُّوا في رحالكم))؛ صحيح سنن ابن ماجه.

5- يجوز للمصلِّي المسح على الخفَّين (ما يلبس في الرِّجل من جِلد)، وعلى الجورَبَين، في فصل الشتاء وغيره، سواءٌ كان شابًّا أم شيخًا، رجُلاً أم امرأة، إذا لبسهما بعد الوضوء، للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهنَّ، يَمسح باليد اليمنى على الرِّجْل اليمنى، وباليُسرى على اليسرى، ويجوز المسح بيدٍ واحدة عليْهما، يبدأ من أوَّل أصابع القدَم حتَّى أوَّل السَّاق مرَّة واحدة، ويقتصر على مسح ظاهِر الرجل لا على باطنها؛ لقول عليِّ بن أبي طالب - رضِي الله عنْه -: "لو كان الدين بالرَّأي، لكان أسفلُ الخفِّ أوْلى بالمسح من أعلاه، وقد رأيتُ رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يمسح على ظاهر خفَّيه"؛ صحيح سنن أبي داود.

ولا يبتدئ المسحَ من أوَّل صلاة بعد لبسهما - كما يظنُّ كثيرٌ من النَّاس - بل يبتدئ من أوَّل مسحةٍ عليهما، ثمَّ يحسُب يومًا وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر.

ومَن نسي ومسح بعد تمام المدَّة، أعاد الصَّلاة التي صلاها بذلك المسْح.

وإذا كان على الجورَبين خروق وتمزيقات يسيرة، جاز المسْح عليهِما.

وإذا توضَّأ، ولبس الجوربين، ثمَّ صلَّى ونزعَهما، وبقي على وضوئِه، ولبسهما مرَّةً أخرى - لا ينتقض وضوءه، ويستمرُّ في المسح عليهما، ولو كرَّر ذلك عدَّة مرَّات.

وإذا لبس الجوربين على طهارة، ثم انتقض وضوءه، ثمَّ لبس فوقَهما جوربين آخَرين أو خفًّا، فإذا أراد المسْح مسح على الجورَبين الأوَّلين.

فإذا لبس الجورَبَين، ولبس عليْهِما خفًّا أو جورَبين آخرين، ثمَّ انتقض وضوءه، فهو بالخيار أن يمسح على الأسفَلَين أو الأعليَين، واللَّذان مسح عليهما، تعلَّق الحكم بهما.












الخطبة الثانية



من الدروس المستفادة من حلول فصل الشِّتاء أمور:
1- أنَّ تعاقب الفصول من أعظمِ الأدلَّة على وجود الله تعالى، الَّذي جعل تكْوير بعضِها على بعض تذكُّرًا للآخرة وقرب أجلها؛ قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً} [الفرقان: 62].

قال عمر بن ذر: "الأيَّام إذا فكَّرت فيها ثلاثة: يوم مضى لا ترْجوه، ويوم أنت فيه ينبغي أن تغْنمه، ويوم في يدِك أملُه، فلا تغترَّ بالأمل، فتُخِلَّ بالعمل".


إِذَا مَا تَجَدَّدَ فَصْلُ الرَّبِيعِ تَجَدَّدَ لِلقَلْبِ فَضْلُ الرَّجَاءِ
عَسَى الحَالُ يَصْلُحُ بَعْدَ الذُّنُوبِ كَمَا الأَرْضُ تَهْتَزُّ بَعْدَ الشِّتَاءِ



فيا عجبًا لِمَن يعلق فشله وكسلَه على شدَّة الحرّ، وشدَّة البرد:


إِذَا كَانَ يُؤْذِيكَ حَرُّ المَصِيفِ وَيَبْسُ الخَرِيفِ وَبَرْدُ الشِّتَا
وَيُلْهِيكَ حُسْنُ زَمَانِ الرَّبِيعِ فَأَخْذُكَ بِالحَزْمِ قُلْ لِي: مَتَى؟!



2- بعض النَّاس تراه مشمِّرًا عند دخول فصل الشِّتاء، فيتهيَّأ له بالملابس السَّاخنة، وأدوات التَّدفئة، دون أن يتذكَّروا حرارة الآخرة وزمْهريرها.

يقول الغزالي: "وأكْثر النَّاس لم يدخلِ الإيمان باليوم الآخر صميمَ قلوبهم، ولم يتمكَّن من سويداء أفئِدتهم، ويدلُّ على ذلك شدَّة تشمُّرهم واستعدادهم لحرّ الصَّيف وبرد الشتاء، وتَهاوُنهم بحرِّ جهنَّم وزمهريرها".

ثم قال: "فلا يندفع حرُّ النَّار وبرْدها إلاَّ بحصْن التَّوحيد وخندق الطَّاعات".

وقيل لأبي حازم الزَّاهد: إنَّك لتشدِّد (يعني في العبادة) فقال: "وكيف لا أشدِّد وقد ترصد لي أربعة عشر عدوًّا"، قيل له: لك خاصَّة؟ قال: "بل لجميع مَن يعقل"، قيل له: وما هذه الأعداء؟ قال: "أمَّا أربعة: فمؤمِن يحسدني، ومنافق يُبغضني، وكافر يُقاتلني، وشيْطان يُغْويني ويضلُّني، وأمَّا العشرة: فالجوع، والعطَش، والحرّ، والبرد، والعري، والمرَض، والفاقة، والهرَم، والموت، والنَّار، ولا أطيقهنَّ إلاَّ بسلاح تامّ، ولا أجد لهنَّ سلاحًا أفضل من التَّقوى".

3- وشدَّة برد الشتاء تذكير بحال الفقراء الذين قد لا يجدون ما يسترون به أبدانهم، قال الأصمعي: "كانت العرَب تسمِّي الشتاء: الفاضح".

رأى مِسْعر أعرابيًّا يتشرَّق في الشَّمس وهو يقول:


جَاءَ الشِّتَاءُ وَلَيْسَ عِنْدِي دِرْهَمُ وَلَقَدْ يُخَصُّ بِمِثْلِ ذَاكَ المُسْلِمُ
قَدْ قَطَّعَ النَّاسُ الجِبَابَ وَغَيْرَهَا وَكَأَنَّنِي بِفِنَاءِ مَكَّةَ مُحْرِمُ



فنزع مسعر جبَّته فألبسه إيَّاها.

وخرج صفوان بن سليم في ليلة باردة بالمدينة من المسجد، فرأى رجُلاً عاريًا، فنزع ثوبه وكساه.
ورُفع إلى بعض الوُزراء الصَّالحين أنَّ امرأةً معها أربعة أطْفال أيتام، وهم عراة جياع، فأمر رجُلاً أن يمضي إليهم، وحمل معه ما يُصْلِحهم من كسوةٍ وطعام، ثمَّ نزع ثيابَه، وحلف قائلاً: "لا لبستُها ولا دفئت حتَّى تعود وتُخبرني أنَّك كسوتهم وأشبعْتَهم"، فمضى وعاد فأخبره أنَّهم اكتسَوا وشبعوا، و هو يرعد من البرد، فلبس حينئذ ثيابَه.

4- ولا تنْسَ وصيَّة النَّبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - بإبعاد النَّار ووسائل التدْفِئة من مكان النَّوم؛ خشيةَ الاحتراق أو الاختناق؛ فعن أبي موسى الأشعري - رضِي الله عنْه - قال: احترق بيتٌ بالمدينة على أهله من اللَّيل، فحُدِّثَ بشأنِهم النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فقال: ((إنَّ هذه النَّار إنَّما هي عدوٌّ لكم، فإذا نِمْتُم فأطفئوها عنكم))؛ متَّفق عليه.

وقال - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((لا تتركوا النَّار في بيوتِكم حين تنامون))؛ متَّفق عليه.

والحمد لله ربِّ العالمين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 23.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.02 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.66%)]