مكانة ابن خويز منداد العلمية - عرض ونقد
محمد جالو
وقد حمل بعض الباحثين قول الإمام أبي الوليد الباجي في ابن خويز منداد على أنه خرج مخرج الاستغراب من غمط الناس حقَّه مع جلالة قدره، وكونه من كبار مالكية العراق[15].
إلا أن هذا الحمل في رأيي غير متجه؛ لأن القاضي عياضاً رحمه الله نقل عن القاضي أبي الوليد الباجي رحمه الله وصفه عالمين آخرين بأنهما مجهولين وهما القزويني والأبهري، مع أنهما ليسا بمجهولين عند المالكية، الأمر الذي يبعد حمل قول القاضي أبي الوليد الباجي في ابن خويز منداد على أنه خرج مخرج الاستغراب.
وأحسن ما يمكن أن يعتذر لأبي الوليد الباجي في عدِّه ابنَ خويز منداد من المجهولين هو ما ذهب إليه القاضي عياض رحمه الله، حيث ذكر أن القاضي أبا الوليد الباجي لم يكن من المعتنين بهذا الباب[16].
وعلى التسليم بعدم سماع القاضي أبي الوليد الباجي بابن خويز منداد فإن ذلك لا يضره، ولا ينقص من قدره وجلالته[17]، فكتبه وآراؤه في التفسير والفقه والأصول مستفيضة متداولة في كتب العلماء.
رأي العلامة القاضي عياض ومناقشته:
تكمن أهمية رأي القاضي عياض في ابن خويز منداد في أنه رأيُ لقي قبولا عند كثير من علماء التراجم الذين جاؤوا بعده؛ فإن كثيرا من المترجمين لا بن خويز منداد ينقلون عن القاضي عياض نقلا حرفيا دون مناقشة لرأيه، بل حتى الذين لم يتابعوه في وصفه ابنَ خويز منداد بالضعف في الفقه ورداءة النظر، اكتفوا فقط بعدم مجاراته في ذلك دون التصريح بنقده.
ويمكن إجمال قول القاضي عياض رحمه الله في ابن خويز منداد في أمرين:
• الأول: رداءة النظر والضعف في الفقه.
• الثاني: الشذوذ عن مذهب مالك.
رداءة النظر والضعف في الفقه:
هكذا طعن القاضي عياض رحمه الله تعالى في فكر ابن خويز بن منداد وفقهه بناءً على مسائل خالف فيها مشهور المذهب المالكي[18]، وتبعه عليه كثير من المترجمين للإمام ابن خويز منداد رحمه الله.
ولمناقشة هذا القول فلا بد من استعراض بعض المسائل التي بنى عليها القاضي عياض رأيه في الإمام ابن خويز منداد.
من المسائل التي بنى عليها القاضي عياض رأيه في ابن خويز منداد رحمهما الله تعالى ما يأتي:
مسألة: ارتفاع الحدث بالتيمم:
هذه المسألة من المسائل التي الخلاف فيها قوي جدا، وتتلخص الأقوال الواردة فيها على النحو الآتي:
القول الأول: إن التيمم مبيح للعبادة، وليس رافعا للحدث، وهو مذهب جمهور العلماء[19].
القول الثاني: إن التيمم رافع للحدث رفعا كليا، فلا ينقضه وجود الماء، وهو قول أبي سلمة والشعبي[20].
القول الثالث: إن التيمم رافع للحدث رفعا مؤقتا، فينتقض بالقدرة على استعمال الماء، وهو قول الحنفية، وداود، وابن سيرين، والحسن...[21].
هذا ملخص الأقوال الواردة في المسألة، وقول الإمام ابن خويز منداد رحمه الله تعالى لا يخرج عن القولين الثاني والثالث.
ويستنتج مما سبق سرده أن وصف ابن خويز منداد برداءة النظر والضعف في الفقه لا يتجه أبدا؛ لأنه لم يخرج في المسألة عن قول معتبر حتى يستحق هذا الوصف.
مسألة: خبر الواحد هل يفيد العلم أولا؟
هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن خبر الآحاد يفيد الظن مطلقاً، وهو قول الجمهور[22].
القول الثاني: إن خبر الآحاد يفيد العلم إذا كان صحيحاً، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وقول داود وحسين الكرابيسي، وابن خويز منداد[23].
القول الثالث: إن خبر الآحاد يفيد العلم إذا احتفت به قرينة، وهو قول كثير من المحققين؛ كالإمام الغزالي، وابن القيم، وابن حجر رحم الله الجميع[24].
وقول الإمام ابن خويز منداد في المسألة كما رأيت لم يخرج هذه المرة أيضا عن الأقوال التي تحكى فيها، فوصفه برداءة النظر بناء عليه غير سديد البتة في رأيي ما دام اختياره مبنيا على الدليل.
وقد توصل الدكتور عبد العزيز صبحي إلى أن الإمام ابن خويز منداد رحمه الله تعالى يوافق جمهور الأصوليين في أكثر المسائل الأصولية، وأن المسائل التي خالف فيها الجمهور وافقه في كل مسألة منها بعض الأصوليين[25].
فإذا كان القاضي عياض يعتبر خلاف ابن خويز منداد لمشهور المذهب المالكي ضعفا في الفقه والاجتهاد، فإن الإمام السيوطي يعد ذلك من شأن المجتهدين[26].
ويعتبر الدكتور محمد العلمي ابن خويز منداد من كبار خلافيي مالكية العراق وأصولييهم، ومن عظماء النظار الخلافيين وأئمة الحجاج المذهبي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حيث عدّه عمدة في النقل الأصولي للمذهب المالكي[27].
وينبغي الإشارة هنا إلى أن هنالك ثلاث أطروحات حول الإمام ابن خويز منداد رحمه الله تعالى:
الأولى: آراؤه في الأصول، للدكتور عبد العزيز صبحي في جامعة أم القرى.
الثانية: أقواله في التفسير، لسمية السلطان في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
الثالثة: تفسير ابن خويز منداد، للدكتور عبد القادر محجوبي في ظهر المهراز بفاس.
فإن الباحثين الثلاثة توصلوا في أطروحاتهم إلى أن الإمام ابن خويز منداد رحمه الله تعالى إمام جليل في الفنون الثلاثة التي صنف فيها، ويؤيد ما ذهبوا إليه أن مؤلفاته كانت مصدرا مهمّاً للذين جاءوا بعده؛ فإن كتابه في أصول الفقه كان من مصادر العلامة الزركشي في كتابه بحر المحيط، وقد ذكر أنه رجع إليه بالواسطة[28]، أما كتابه أحكام القرآن فقد كان مصدرا للإمام القرطبي في تفسيره، والسيوطي في كتابه الإتقان في علوم القرآن[29]، كذلك فإن الإمام ابن بشير صاحب التنبيه جعل من مصادر مصنفه (التنبيه) كتابي ابن خويز منداد في التفسير والفقه، ذكره الدكتور محمد بلحسان في تحقيقه لكتاب التنبيه قسم العبادات[30].
ومما سبق نقله يتضح أن الإمام ابن خويز منداد كان ذا شخصية علمية متمتعة بحرية الفكر والشجاعة العلمية، واختيار ما تراه راجحا في المسائل التي تطْرقها دون التفات إلى موافقة مذهبه الذي ينتمي إليه أو مخالفته، ولذا صدق الإمام السيوطي رحمه الله حين وصف هذا المسلك الذي سلكه ابن خويز منداد بأنه مسلك المجتهدين.
الشذوذ عن مذهب مالك:
مما طُعِن به الإمام ابن خويز منداد رحمه الله تعالى أن عنده شواذا عن الإمام مالك رحمه الله تعالى؛ ما جعل القاضي عياض رحمه الله تعالى يصفه بأنه لم يكن بالجيد النظر ولا بالقوي الفقه، ثم سرد المسائل التي سبق ذكر بعضها للتدليل على ذلك.
ويمكن أن يناقش هذا القول: بأن هذا الشذوذ شذوذ مقيد[31]، وبعبارة أخرى فهو شذوذ مذهبي لا يعدو أن تكون مخالفةٌ لمشهور المذهب الذي ينتمي إليه المخالف، وليس شذوذا مطلقا لم يقل به أحد من علماء الأمة، بل قد يكون هذا القول المحكوم عليه بالشذوذ داخل مذهبٍ ما رأيا راجحا في مذاهب أخرى.
ويمكن أن يمثل لذلك بمسألة ارتفاع الحدث بالتيمم.
فالمشهور عند المالكية أن التيمم مبيح للعبادة لا رافع، والشاذ أنه رافع للحدث، وهذا هو مذهب السادة الحنفية وبعض الأئمة كما سبق نقله، وقول الإمام ابن خويز منداد.
والمسألة كما رأيتَ اجتهادية، كما أن الشذوذ في مثلها نسبي، علاوة على ذلك أن هذا النوع من الشذوذ كثير في المدراس الفقهية الحية، فلم يسلم مذهب من المذاهب المعتبرة من عالمٍ يشذ عن مشهور المذهب الذي ينتسب إليه.
ومما تقدم تقريره يتبين للباحث أن الإمام ابن خويز منداد لا يستحق أن يوصف برداءة النظر والضعف في الفقه؛ لأنه خالف مشهور المذهب المالكي، فلو كان كل من خالف مشهور مذهبه ينعت بضعف النظر في الفقه لما بقي للمذاهب فقيه قوي أو مجتهد جيد النظر، والأَوْلى في مثل هذه المسائل أن يقال بأنه شذ عن أصول المذهب ويقتصر على ذلك دون وسمه ما يوهم انتقاص قدره ومكانته العلمية.
طعن الإمام أبي عمر ابن عبد البر في ابن خويز منداد:
نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى طعن الإمام ابن عبد البر رحمه الله في ابن خويز منداد دون أن يبين وجه الطعن ويفسره حتى يعلم، وقد دفعني هذا النقل عن ابن عبد البر إلى البحث عن ذلك في كتبه: الاستذكار والتمهيد والكافي، إلا أني لم أعثر على ما قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله، اللهم إلا أمورا لا تعدو أن تكون نقاشا لبعض آرائه الفقهية التي اختارها في المذهب المالكي، والحق أن مثل هذه المناقشة العلمية أمر طبيعي يفعله المحققون مع أي أحد في كتب الخلاف العالي. وقد توصل الدكتور عبد العزيز صبحي بعد الوقوف على بعض أقوال ابن عبد البر في ابن خويز منداد إلى النتيجة نفسِها التي سبق ذكرها[32].
الخاتمة:
يمكن تلخيص ما سبق التطرق إليه في هذا البحيث في النقاط التالية:
• أن الإمام ابن خويز منداد رحمه الله تعالى عاش في القرن الرابع الهجري.
• أن الإمام ابن خويز منداد من كبار المالكية العراقين الذين لهم دور كبير في خدمة المذهب المالكي كما ذهب إليه كثير من العلماء الذين ترجموا له، أو الباحثين الذين تعرضوا لدراسة آرائه في التفسير والفقه وأصوله.
• أن اعتبار الإمام ابن خويز منداد رحمه الله شخصية غير ذي بال في الفقه وأصوله لا يخلو من مبالغة، كما لا يعدو ذلك أن يكون وجهة نظر قابل للنقاش العلمي.
• أن مؤلفاته التي خلَّفها كانت مصدراً مهما للعلماء في مصنفاتهم داخل المذهب المالكي وخارجه.
• أن الشذوذ الذي رُمي به الإمام ابن خويز في كثير من المسائل يعد من الشذوذ المذهبي الذي قد يكون راجحا في بقية المذاهب.
وصلى الله على نبينا محمد الأمين، وعلى آله الطيبين، وصحبانه الغر الميامين.
[1] محمد جالو، سنغالي الجنسية، مرحلة الدكتوراه: قسم الفقه، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
[2] انظر: الديباج المذهب، لابن فرحون (1/ 229)، شجرة النور الزكية لمخلوف (1/ 154).
[3] انظر: آراء ابن خويز منداد الأصولية، لصبحي (ص: 40-44).
[4] انظر: ترتيب المدارك، لعياض (7/ 77)، الديباج المذهب، لابن فرحون (1/ 229)، آراء ابن خويز منداد الأصولية، لصبحي (ص:34 - 39).
[5] انظر: تاريخ الإسلام، للذهبي (8/ 679)، المستوعب لتاريخ الخلاف العالي ومناهجه عند المالكية، للعَلَمي (1/ 283).
[6] انظر: ترتيب المدارك، للقاضي عياض (7/ 78).
[7] المصدر السابق.
[8] انظر: لسان الميزان، لابن حجر (5/ 292)، آراء ابن خويز منداد الأصولية (ص:58).
[9] انظر: تاريخ الإسلام، للذهبي (8/ 680)، شجرة النور الزكية لمخلوف (1/ 154).
[10] انظر: الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (12/ 229).
[11] انظر: حاشية البناني على شرح المحَّلى (1/ 254)، الآراء الأصولية لابن خويز منداد، لصبحي (ص:53).
[12] انظر: الابتهاج في أحاديث المعراج، لابن دحية (ص:78).
[13] انظر: الفصل في الملل والنحل، لابن حزم (1/ 71).
[14] انظر: ترتيب المدارك، للقاضي عياض (1/ 21).
[15] انظر: آراء ابن خويز منداد، لصبحي (ص:59).
[16] ترتيب المدارك، للقاضي عياض (1/ 21).
[17] انظر: آراء ابن خويز منداد الأصولية، لصبحي (ص:59).
[18] انظر: الفكر السامي، للحجوي (ص:468).
[19] انظر: بداية المجتهد، لابن رشد تحقيق الزاحم (ص: 445).
[20] المصدر السابق (ص:446).
[21] انظر: بداية المجتهد، لابن رشد تحقيق الزاحم (ص: 445).
[22] انظر: تحقيق الرغبة، للخضير (ص:54).
[23] المصدر السابق (ص:54)، الابتهاج في أحاديث المعراج، لابن دحية (ص:78).
[24] تحقيق الرغبة، للخضير (ص:55).
[25] انظر: آراء ابن خويز منداد الأصولية، لصبحي (ص: 60).
[26] انظر: كتاب الرد على من أخلد إلى الأرض (ص:99).
[27] انظر: المستوعب لتاريخ الخلاف العالي، للعلمي (1/ 284).
[28] انظر: البحر المحيط، للزركشي (1/ 15).
[29] انظر: الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي (1/ 33).
[30] انظر: مقدمة تحقيق كتاب التنبيه لابن بشير، لبلحسان (1/ 189).
[31] انظر: بحوث في الفقه المالكي، لقطب الريسوني (ص:160).
[32] انظر: آراء ابن خويز منداد الأصولية (ص: 58 - 59).