
18-03-2020, 03:33 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة :
|
|
الإمام عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم أبو القاسم الرافعي القزويني الشافعي (757 هـ -
الإمام عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم أبو القاسم الرافعي القزويني الشافعي (757 هـ - 623هـ)
فراس رياض السقال
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم، على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد..
يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، فإن الله حفظ لنا هذا الدين القويم بحفظ القرآن العظيم، ومن علامات الحفظ بأن هيئ لكل أمة حارساً يقظاً، ومرابطاً فذاً يدافع عن حمى ديننا وينافح عنه، بسلاح العلم والعقيدة الراسخة، وتجلت هذه الرجالات بمذاهب علمية عظيمة، المذاهب الأربعة (الحنفي، المالكي، الشافعي، الحنبلي)، وفي كل مذهب من هذه المذاهب لمعت نجوم عدة، وبرزت أقمار شتى، أضاءت على العالمين بأنور الفهم والحكمة والفقه، فعمّت فوائد النفع والرشد في كل مكان في هذه المعمورة.
ومن هذه المذاهب المذهب الشافعي، الذي تولى أركانه رجال عظام، حملوا عن شيخهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى علمه، ونشروا فهمه وبثوا أفكاره، حتى غدا مذهبه، أكثر المذاهب انتشاراً واتباعاً في هذا الكوكب.
ومن أركان هذا المذهب الإمام عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الذي يعد من أعمدة وشيوخ القرن الخامس الهجري.
ومن خلال هذا البحث سنلقي الضوء على ترجمة هذا الإمام العلم حيث مولده وحياته وعلمه وشيوخه وتلامذته ومؤلفاته وأفكاره ووفاته.
أرجو الله عز وجل أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب.
اسمه ونشأته وألقابه
• اسمه:
هو عبد الكريم ابن العلامة محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين الرافعي، القزويني وكنيته أبو القاسم[1]. والده أبو الفضل، محمد بن عبد الكريم بن الفضل الرافعي القزويني. وقال الإمام الرافعي في (أماليه): والدي أبو الفضل، ممن خص بعفة الذيل، وحسن السيرة، والجد في العلم والعبادة، وذلاقة اللسان وقوة الجنان، والصلابة في الدين، والمهابة عند الناس والبراعة في العلم، حفظاً وضبطاً وإتقاناً وبياناً، وفهماً ودراية وأداء ورواية. سمع الحديث وتفقه في (قزوين) في صباه، ثم سافر إلى الري، فسمع وتفقه ثم ارتحل إلى بغداد، وحج منها ثم انتقل إلى نيسابور، فحصل على الإمام محمد بن يحيى، وسمع الحديث الكثير. وكان مشايخه يوقرونه لحسن سيره وشمائله ووفور فضله. ولما عاد إلى (قزوين) أقبلت عليه المتفقهة، فدرّس وأفاد وذكر وفسر وروى وأملى وصنف: في التفسير والحديث والفقه، وانتفع به الخواص والعوام. ثم استأثر الله تعالى به في شهر رمضان سنة ثمانين وخمسمائة.[2]
• ألقابه: ويلقب الرافعي بالإمام العالم العلامة، إمام الملة والدين، حجة الإسلام والمسلمين، شيخ الشافعية، عالم العجم والعرب، صاحب الشرح الكبير[3].
• نسبه: قال النووي: ينسب الإمام الرافعي رحمه الله تعالى إلى "رفعان" من أعمال قزوين، وقيل نسبه إلى رافع بن خديج، وقيل إلى رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم [4].
مولده ونشأته:
• مولده: ولد الإمام الرافعي في قزوين[5] وهي منطقة في أصبهان، قريبة من الري، وإليها يرجع نسبه القزويني، وكان ذلك في عام (557ه = 1162م)[6].
• نشأته: نشأ الإمام في أسرة مشهورة بالعلم، كان أبوه مفتي الشافعية، وأما والدته فهي صفية بنت الإمام أسعد (الركاني) رحمهما الله، كانت تروي الحديث عن إجازة جماعة من مشايخ أصبهان وبغداد ونيسابور، عني بتحصيل أكثرها: خالها أحمد بن إسماعيل[7]، وكان الرافعي رحمه الله دائم الاشتغال بالعلم والتعليم منذ الصبا، وقد كانت عادة الناس ذلك الحين تعليم الصغار فيما يسمى بـالكُتّاب، لتعليم القراءة والكتابة، قبل الالتحاق بمجلس تعليم الكبار، وقد كان الرافعي يستمع للحديث بالحضور في مجلس والده، الذي كان يرأس مجلس الحديث، وينقل عنه الرواة. وقد تعلم أبو القاسم الرافعي عند والده: محمد بن عبد الكريم، الملقب بـأبي الفضل، وكان ملازماً لحضور الدروس عند والده، وكان تعليمه عنده أكثر من غيره، فأخذ عنه الفقه، وتعلمه عنده دراسة وشرحاً وتحصيلاً وتعليقاً، ولم يذكر بعض المترجمين له أنه تفقه على غير والده، قال ابن الملقن: لا أعلم أحداً تفقه عليه غيره. لكن ذكر ابن قاضي شهبة: أنه تفقه على والده وعلى غيره[8].
ولم يكن تعليمه مقصوراً على الفقه، بل كان يشمل تحصيل مجموعة من فنون العلوم، فكان هناك درس للفقه، ودرس للتفسير ودرس للحديث، بالإضافة إلى دروس أخرى في اللغة، وعلم أصول الفقه وغير ذلك. وقد كان للرافعي اهتمام بتحصيل علم الحديث، من خلال قراءة متون الحديث، وشروح الحديث، وروايته بالأسانيد، وعلم أصول الحديث ودرايته، وتحصيل أقوال العلماء، وكان يقوم بتلخيص ما تعلمه، وجمع محصلة التعليم في مدونات، أو ما يسمى بـالتعليقات، وهي: كتابة ما يمليه الشيخ وجمعه، وقد تسمى: أمالي، وكان يطلع على ما كان يكتبه والده من تعليقات أو أمالي جمعها والده أثناء دراسته عند مشايخه. كان الرافعي يجيد قراءة الدروس بفصاحة. قرأ على أبيه في سنة تسع وستين وخمسمائة هجرية، وروى عنه وعن عبد الله بن أبي الفتوح بن عمران الفقيه، وحامد ابن محمود الخطيب الرازي، وأبي الكرم علي بن عبد الكريم الهمذاني، وعلي بن عبيد الله الرازي، وأبي سليمان أحمد ابن حسنويه، وعبد العزيز بن الخليل الخليلي، ومحمد بن أبي طالب الضرير، وروى بالإجازة عن الحافظ أبي العلاء العطار، وعن أبي زرعة طاهر المقدسي، وأبي الفتح ابن البطي، وغيرهم ممن أخذ عنهم الرواية بالقراءة، أو السماع، أو حصل منهم على الإجازة[9].
صفاته وعقيدته وأخلاقه:
• صفاته العلمية:
كان الإمام الرافعي ضليعاً في فنون العلم والشريعة، ويصف بأعلم أهل زمانه، له اختيارات وترجيحات في المقارن ويطلق عليه شيخ الشافعية، فإذا أطلق لقب الشيخين يعني الرافعي والنووي. وكان بارعاً في العلم تقياً صالحاً متواضعاً.[10] عالم في الحديث ورواته، أصولي مجتهد وفقيه عالي الهمة، ومحقق ليس له نظير من كبار علماء السادة الشافعية، شاع صيته بين العرب والعجم.[11] وكان له مجلس للتفسير في قزوين ولتسميع الحديث، وله اهتمامات أدبية فله وقد نظم الشعر فقال:
أقيما على باب الرحيم أقيما
ولا تنيا في ذكره فتهيما 
هو الرب من يقرع على الصدق بابه
يجده رؤوفاً بالعباد رحيماً[12] 
عقيدته وأخلاقه وعبادته:
• عقيدته: لقد التزم الرافعي عقيدة الأشاعرة، قال ابن حجر العسقلاني: وقرأت على الشيخ صلاح الدين قال: رأيت بدمشق سنة أربعين وسبعمائة امرأة حضرت عند قاضي القضاة، تقي الدين السبكي، (عجمية) فصيحة اللسان، ذكرتْ أنها من نسل الإمام الرافعي، وكانت تحفظ عقيدته التي صنفها، فقرأت منها قطعة، وهي عقيدة بديعة على طريقة أهل السنة، بعبارة فصيحة على عادته رحمة الله عليه[13].
• أخلاقه وعبادته: كان الإمام الرافعي رحمه الله تعالى صاحب نسك وتواضع، ذكر العلماء أنه اتصف بـالورع والزهد والتقى، مشتغلاً بالعلم والعبادة، قال السبكي: وكان (رحمه الله) ورعاً زاهداً تقياً نقياً، طاهر الذيل مراقباً لله له السيرة الرضية المرضية والطريقة الزكية، والكرامات الباهرة.
قال ابن الصلاح: أظن أني لم أر في بلاد العجم مثله، قلت: لا شك في ذلك.
وقال الإمام النووي رحمه الله: (الرافعي من الصالحين المتمكنين، كانت له كرامات كثيرة)[14].
وقال الذهبي: وكان من العلماء العاملين، يذكر عنه تعبد ونسك وأحوال وتواضع، انتهت إليه معرفة المذهب[15].
ذكر ابن الملقن أن الرافعي كان متقللاً من الدنيا، وكان البعض لا يعرفه في بداية الأمر لما كان يظهر عليه من التواضع والبساطة. قال ابن الملقن أيضا: (قرأت على شيخنا صلاح الدين قال: سمعت قاضي القضاة أبا عبد الله محمد ابن عبد الرحمن القزويني تغمده الله بعفوه يحكي عن مشايخ بلده: أن سبب تصنيف الإِمام أبي القاسم الرافعي الشرح الصغير: أن بعض الفقهاء قصد أن يختصر الشرح الكبير، فبلغ ذلك الإمام الرَّافِعي فخاف أَن يفسده عليه بالتغيير، لقصور عبارة ذلك الرجل، فقال له الإِمام أبو القاسم: أَنا أختصِره لك، ولكن لا أقدر على الورق، وكان ذلك الرجل أيضاً فقيراً، فلم يمكنه إلا أن أحضر للإِمام أبي القاسم من الورق المكتوب الذي يباع شيئاً كثيراً، فَكتب الإِمام الشَّرح الصغير في ظهوره حتى أكمله، ثم نقل من تلك الظهور. قلت: وهذه الحكاية مما يدل على زهد الإمام الرافعي، وتقلُّلِهِ من الدنيا([16].
قصة في فضل مراقبته: ونقل السبكي في الطبقات فقال: (أن خوارزم شاه يعني "جلال الدين" غزا الكرج بتفليس في هذه السنة (سنة وفاة الإمام الرافعي) وقتل فيهم بنفسه حتى جمد الدم على يده، فلما مرّ بقزوين خرج إليه الرافعي، فلما دخل إليه أكرمه إكراماً عظيماً فقال له الرافعي: سمعت أنك قاتلت الكفار حتى جمد الدم على يدك، فأحب أن تخرج إلي يدك لأُقبّلها، فقال له السلطان: بل أنا أحب أن أُقبّل يدك، فقبّل السلطان يده، وتحادثا ثم خرج الشيخ وركب دابته، وسار قليلاً فعثرت به الدابة فوقع فتأذت يده التي قبلها السلطان، فقال الشيخ: سبحان الله لقد قبل هذا السلطان يدي فحصل في نفسي شيء من العظمة فعوقبت في الوقت بهذه العقوبة) [17].
إخوته وأولاده وشيوخه وتلاميذه:
• أخوته: أما أخوته كما ذكر في كتاب التدوين، من الذكور الذين تعلموا عند والده، فقال ضمن ترجمته لوالده أبي الفضل: أن ممن تعلم عند أبيه أبنائه الثلاثة وهم: عبد الكريم ابن أبي الفضل، مؤلف كتاب التدوين يعني بذلك نفسه، والثاني: محمد ابن أبي الفضل، والثالث: عبد الرحمن ابن أبي الفضل، ومعنى هذا أن لأبي القاسم الرافعي اثنان من الإخوة الذكور الذين تعلموا عند أبيهم، وهما: محمد وعبد الرحمن،[18]وهذا لا يعني الحصر في هذا العدد، لأنه ذكر منهم الذين تعلموا عند أبيهم، كما أنه ذكر أيضاً عند ذكر والدته أنها كانت تقوم بتربية بناتها[19]، وذكر كذلك عند كلامه على وفاة والده: أن والده ترك أولاداً كانوا صغاراًوقد ذكر ابن الملقن وغيره: أن للرافعي أخ اسمه: محمد، وكنيته أبو الفضائل تعلم عند أبيه، وسمع منه الحديث، تفقه على أبي القاسم ابن فضلان. وحصل على الإجازة من ابن البَطي[20].
• أولاده: ذكر ابن الملقن في كتابه البدر المنير أن للإمام الرافعي رحمه الله من الأولاد ولد ذكر اسمه: محمد، ولقبه عزيز الدين وبنت، ذكر أبو سعد النسوي في (تاريخ خوارزم شاه) أن الإمام الرافعي كانت له بنت، تزوجها رجل من مشايخ (قزوين) وأولدها كثر[21].
شيوخه وتلامذته:
• شيوخه: شيوخ أبي القاسم الرافعي كثيرون، فقد تعلم منهم، وروى عنهم، إلا أنه كان لوالده النصيب الأكبر في تعليمه، فقد كان والده يتولى مجالس للتفسير ورواية الحديث، والفقه، والدروس التعليمية، فأخذ عن والده الكثير. ومن شيوخه[22]:
1- والده.
2- خال والدته: أحمد بن إسماعيل الطالقاني.
3- أبو حامد عبد الله ابن أبي الفتوح ابن عثمان العمراني.
4- الخطيب أبو نصر حامد ابن محمود الماوراء النهري.
5- والحافظ أبو العلاء الحسن ابن أحمد العطار الهمذاني.
6- محمد ابن عبد الباقي ابن البطي.
7- والإمام أبو سليمان أحمد ابن حسنويه وغيرهم.
8- أبو بكر الشحاري عبد الله بن إبراهيم.
9- أبو نصر الماوراء النهري.
10- شهردار بن شيرويه.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|