
17-03-2020, 05:34 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,477
الدولة :
|
|
رد: نصاب السرقة ومقاديره المعاصرة
نصاب السرقة ومقاديره المعاصرة (1/2)
د.فهد المشعل
المبحث الثاني
مقدار النصاب في السرقة
تقدم أن عامة أهل العلم يشترطون للقطع في السرقة بلوغ المسروق نصاباً، ولكنهم اختلفوا في مقدار هذا النصاب إلى أقوال، أوصلها بعضهم إلى عشرين، وأشهرها تسعة:
القول الأول :
أن نصاب القطع في السرقة عشرة دراهم فما فوقها .
وهذا مذهب الحنفية .
واشترط أكثرهم أن تكون مضروبة .
والمرجح في التقويم عندهم هو الدراهم ( من الفضة ) كلل ما عداها ولو كان ذهباً (58).
وروى القول بعشرة دراهم عن ابن عباس ، وابن مسعود ، وعطاء ، وسعيد بن المسيب (59) ، وإبراهيم (60) ، وسفيان الثوري (61) ، وحماد بن أبي سليمان (62) .
القول الثاني :
أن نصاب السرقة الموجب للقطع هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم .
وهما أصلان ، ويقوّم غيرهما بالدراهم .
وهذا مذهب المالكية (63) ورواية عند الحنابلة ، اختارها القاضي وأكثر أصحابه (64).
وهذا القول مروي عن أبي بكر وعمر ، وعثمان وعائشة وغيرهم(65) .
القول الثالث :
أن نصاب السرقة ربع دينار من الذهب أو مايثمنه ربع دينار من غير الذهب ، وهذا مذهب الشافعية (66).
" وهو قول عائشة ، وعمر رضي الله عنهما ، عمر بن عبدالعزيز ، والأوزاعي ، والليث ، وأبي ثور ، ونقل عن عمر، وعثمان وعلي "(67) .
القول الرابع :
أن نصاب السرقة ثلاثة دراهم ، أو ربع دينار ، أو عرض قيمته كأحدهما .
وهذا هو المذهب عند الحنابلة(68) . وقال بعض الشافعية(69) .
القول الخامس :
أن نصاب السرقة ثلاثة دراهم لاغير ، والذهب والعروض تقوّمان بالدراهم، أي أن المعتبر الدراهم لاغير، وهذه رواية في مذهب الحنابلة(70) .
ويحكى عن الليث وأبي ثور(71)
وحكاه الخطابي عن مالك ، وهو عكس مذهب الشافعية (72).
القول السادس :
أنه لا يقطع إلا في خمسة دراهم .
وبه قال سليمان بن يسار، وأنب أبي ليلى، وابن شبرمة (73)
وروى عن عمر ، وعلي ، وأنس، وعروة ، والزهري والنخعي، والحسن البصري(74)
القول السابع :
أن نصاب السرقة أربعة دراهم .
وهذا مروي عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة (75)، نقله القاضي عياض عن النخعي(76)
القول الثامن :
أن اليد تقطع في درهم .
وبه قال عثمان البتي (77)، وربيعة(78)
القول التاسع :
أنه يقطع في درهمين(79) .
قال قتادة : أجمع رأينا في عهد زياد على درهمين (80).
وهو قول عن الحسن البصري ، جزم به ابن المنذر عنه (81) .
الأدلة :
أدلة القول الأول :
1- عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا قطع فيما دون عشرة دراهم (82)" .
وجه الاستدلال :
أن الحديث أفاد صراحة أنه لا قطع فيما هو أقل من عشرة دراهم ، فدل على أن هذا القدر هو النصاب(83).
ونوقش بثلاثة أمور :
الأمر الأول : أنه من رواية الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب ، والحجاج مطعون في روايته(84).
ورواية عمرو بن شعيب تكلم فيها الناس(85) .
وقد ضعف الحديث جمع من أهل العلم كإبن القطان(86) ، وابن الملقن(87) ، والهيثمي(88) ، وابن رجب(89) ، وابن حزم(90) وابن البنا (91).
الأمر الثاني : أنه مرجوح :
أي أنه على تقدير صحة هذا الخبر وماماثلة في التقدير بعشرة ، فإنه معارض بالأخبار الصحيحة في التقدير بربع دينار كحديث عائشة المتفق عليه " تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً (92)" .
ولأنه لم يمكن الجمع بينهما لابد من ترجيح أحدهما على الآخر .
ومن وجوه الترجيح عند أهل العلم كون أحد الخبرين أصح من الآخر(93) .
كما هنا، فإن أدلة الجمهور أصح(94) .
الأمر الثالث : أنه منسوخ .
أي أن أحاديث القطع العشرة دراهم على تقدير صحتها منسوخة بأحاديث ربع الدينار وأنه زيد في تغليظ الحد، قال ابن حجر : " ويمكن الجمع بين الروايتين في القطع على تقدير ثبوت رواية العشرة بأنه كان أولاً لا قطع إلا فيما كان فوق عشرة دراهم ، ثم شرع القطع في الثلاثة (95).
ولكن يناقش هذا :
بأن القول بالنسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ ، وهو غير مذكور هنا .
2- وعن عبدالله بن مسعودة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقطع اليد إلا في دينار أو في عشرة دراهم "(96) .
وجه الاستدلال :
أفاد الحديث صراحة ان نصاب السرقة دينار أو عشرة دراهم ، فلا يقطع فيما دونها (97).
ونوقش :
بأنه حديث ضعيف منقطع(98) ، في إسناده أبو المطيع البلخي ، وهو واه (99).
وكذا يرد عليه ما ورد على سابقه من أنه معارض بما هو أصح ، أو أنه منسوخ .
3- عن أبن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن، وكان يقوّم يومئذ بعشرة دراهم (100).
وجه الاستدلال :
أفاد الحديث أن السارق لا يقطع إلا في ثمن المجن ، وهو عشرة دراهم ، لاما دونها (101).
ونوقش بثلاثة أمور :
الأمر الأول :
أن قوله " لا يقطع السارق " لا أصل له في هذا الحديث .
وقوله : " قيمته عشرة دراهم " من رواية محمد بن إسحق ، وهو مدلس ، وقد عنعن(102) .
قال الشوكاني : الروايات عن ابن عباس وعبدالله بن عمرو في إسنادهما جميعاً محمد بن إسحق، وقد عنعن، ولا يحتج بمثله، ولا يصلح لمعارضة ما في الصحيحين(103).
الأمر الثاني :
ذكره الشافعي وهو أن المجان – قديما وحديثاً – سلع تختلف أثمانها ، فيكون عشرة ، ومائة ، ودرهمين ، وثلاثة، وهذا كله لا يمنع القطع فيما دون العشرة (104).
فغاية ما في الخبر أنه حكاية فعل ، وقع في عهده صلى الله عليه وسلم، وليس فه تحديد النصاب بشئ(105).
قال ابن دقيق العيد : " الاستدلال به على اعتبار النصاب ضعيف، لأنه حكاية فعل، ولا يلزم من القطع في هذا المقدار عدم القطع فيما دونه(106) .
وقال ابن حجر : " الجمع بين ما اختلفت الروايات فيه من ثمن المجن ممكن بالحمل على اختلاف الثمن والقيمة ، أو على تعدد المجان التي قطع فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا أولى(107) .
وقال ابن قدامة : " الحديث لا دلالة فيه على أنه لا يقطع فيما دون العشرة ، لأن من أوجب القطع بثلاثة دراهم أوجبه بالعشرة "(108) .
الأمر الثالث :
أن هذا الحديث – على تقدير وحدة الواقعة – يعارضه ما في الصحيحين من أن ثمن المجن كان ثلاثة دراهم (109).
وما في الصحيحين مقدم على غيره(110) .
4- وعن أيمن ابن أم أيمن أنه قال : ما قطعت يد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن المجن، وكان يساوي يومئذ عشرة دراهم (111).
وجه الاستدلال :
أن هذا الحديث أفاد أن اليد لا تقطع إلا فيما يساوي عشرة دراهم(112) .
ونوقش بأمرين :
الأول : أن هذا الخبر معلول ، للاختلاف فيه على أيمن الراوي ، هل هو الصحابي ابن أم أيمن(113) ، أو أيمن الحبشي التابعي(114) .
فإن مكان صحابياً فعطاء ومجاهد لم يدركاه ، فالحديث منقطع ، وإن كان تابعياً فالحديث مرسل(115) .
وقال ابن حجر : " أيمن في السرقة قيل هذا-يعني الحبشي- وقيل : مولى الزبير ، وقيل: ابن أم أيمن، وهذا الأخير خطأ(116).
وقال ابن حبان : " حديث أيمن في القطع مرسل " (117).
وقال ابن الأثير : روى مجاهد وعطاء حديث القطع ، وهذا حديث مرسل، فإن مجاهد وعطاء لم يدركا أيمن(118) .
وقال النووي : " أما ما يحتج به بعض الحنفيه من رواية جاءت في أن قطع في مجن قيمته عشرة دراهم ، فهي رواية ضعيفة لا يعمل بها لو انفردت، فكيف وهي مخالفة لصريح الأحاديث الصحيحة الصريحة في التقدير "(119) .
وقال الألباني : " هو حديث منكر "(120)
الأمر الثاني : أن هذا الحديث وما ماثلة حكاية حال وقضية عين لا عموم لها، فليس فيه ما يدل على منع القطع في أقل من العشر(121) .
كما أنه يرِد على هذا الحديث ما ورد على سابقه من أنه معارض بما هو أصح منه، فيقدم الأصح، وكل ذلك على تقدير صحته .
5- ما روى أن عمرو رضي الله عنه أمر بقطع يد سارق ثوبِ بلغت قيمته عشرة دراهم ، فمرَّ به عثمان فقال: إن هذا لا يساوي إلا ثمانية ، فدرأ عمر القطع عنه (122).
وجه الاستدلال :
أن هذا الأثر دل على أن نصاب القطع عشرة دراهم كاملة ، وقد درأ عم رضي الله عنه الحد عن سارق الثمانية(123).
ونوقش :
بأنه ضعيف .
قال الشافعي : روايته عن عمر غير صحيحة (124).
وقال البيهقي : هو منقطع(125) .
6- استدلوا بالإجماع فقالوا :
انعقد الإجماع على وجوب القطع في عشرة دراهم ، واختلف العملاء فيما دونها لاختلاف الأحاديث، فوقع الاحتمال في وجوب فيها، فلم يجب مع الاحتمال(126) .
وقال الطحاوي : " رجعنا إلى آية السارق فوجدناهم أجمعوا على لأنه لا يقطع كل سارق ، وإنما السارق لمقدار معلوم من المال، ثم وجدناهم أجمعوا على أن سارق العشرة دراهم يقطع ، واختلفوا في سارق مادونها، فلم يجز لنا أن نشهد على الله تعالى أنه عنى ما لم يجمعوا أنه عناء ، فجعلنا سارق ما دون العشرة خارجاً من الآية فلم نقطعه (127)" .
وقال العيني : " ولنا : الآخذ بالأكثر في هذا الباب اولى ، احتياطاً لدرء الحد، لأن الحدود تدرأ بالشبهات وفي الأخذ بالأقل شبهة، وأدنى درجات الخلاف إيراث الشبهة "(128) .
وخلاصة الاستدلال : " أن اليد محترمة بالإجماع فلا تستباح إلا بالإجماع "(129) .
ونوقش هذا :
بان القاعدة المذكورة غير مطردة، فإنا نقتل النفس المحترمة بالإجماع بالمختلف فيه وكذا تقطع اليد بمختلف فيه وذلك كثير ، وإنما المعول في ذلك على قوة الدليل(130) .
وللموضوع تتمة
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|